ما أكثَر الخيباتِ التي تُولِّد الحُزن والألم، ما أكثر المواقف الطارئة التي تُحدِث ثقوبًا في نفوسِنا، حين تتجلى من لحظتها يتملكُنا إحساسٌ بالفقر تِجاه مقوماتها، ننظُر في أعيُن المارّة علّهُم يتصدّقون بها علينا، ولكن هيهات! نبقى وتبقى أوجاعُنا، فنحنُ الفُقراء الذين لا صدقة لهُم..
والفقرُ ألوان؛ نرى بعضه في عين حزينٍ فقد حبيبًا لهُ أو قريب، وبعضه في دفتر طالبٍ قست عليه ورقةُ الإجابة، فلم يستطع وطْئ أول سُلمٍ في حلمه، والأخرى على جبهةِ فتاة قد وُلدت في مُجتمعٍ مُنحدر عن الصواب، بتَرَ أُمنيتها وجعلها تتجاوز الثلاثين في شوقٍ وتمني أن تصل لشطٍ هي تراهُ بعيدًا!.. في فم صغيرٍ يبكي، وفي يد يتيمةٍ تسأل، وعلى ناصية شارع مُفترش تحميه قطعةُ قُماشٍ بالية مسندًا رأسهُ على حجرٍ خُيّل لهُ أنهُ وسادة!..
في الحديث المشهور، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٌ جارية، أو علمٌ ينتفع به، أو ولدٌ صالح يدعو له" رواه مسلم.. إلى سُلّم النجاة الأول في الحديث، إلى الصدقة الجارية: نجدُها دربًا من دروب النجاة في الحديث، ولكننا تعاملنا معها على أنها صدقةُ المال فقط، فنعطي الفقير بقبح وجهٍ عطاء المرغم المغلوب على أمره! وننفقُ في العلانيةَ ونُتبعُها الأذي كأننا نمُنّ على الله أننا نفعل هذا ونمنُّ على الفقير وكأنها لم تكُ رزقًا ساقهُ الله إلينا!..
| الفراشةَ التي ترفرفُ في الهواء قد تُساعد -بشكل غير مُباشر- في إحداث الأعاصير!.. نعم الكلمة التي تتفوهها يكون لها أثرٌ إن وقعت على النفوس |
في مفهوم "صدقةٌ جارية" لم تكن تلك الصدقة الممزوجة بإحداث صراعٍ نفسيٍ لدى الفقير، ولم تكُن أيضًا تلك الصدقة التي يعقُبها المنُّ والأذى!.. فمفهومُ الصدقة واسع، رُبما تكون لقمةً للطفل الذي يبكي فتسد رمقهُ فيحيا وينفع الناس بإثرها، ورُبما هي كسوةٌ لليتيمة التي تسأل فتُصبح أمًا تُربي جيلًا جديدًا يقود الأمةَ إلي عزٍ ونصر، ورُبما كلمة طيبة لفتاةٍ تنتظِرُ حُلمًا بات من الصعب أن يتحقق، فخففت عنها ألمها ورسمت على وجهها بسمةً جعلتها أحسنت في ما تعمل، فربت جيلًا واعيًا..
إنّ مفهوم الصدقة انحصر في مُخيلاتنا على العطاء المادّي فقط، وهذا أبعدنا تمامًا عن مضمونها في كونها يُمكن أن تكون معنويةً كـ كلمة تحثُ طالب علمٍ على الاجتهاد في تعلّمه، وعاملٍ في الإحسان إلى عمله، أو ابتسامةِ صباحٍ في وجه بائس تُعيد لديه نظرة التفاؤل للحياة من جديد!..
الصدقةُ المعنوية لها أثرٌ إيجابيٌ على النفوس، تقوّيها فتجعلها تسير في دروب الأمل، نحو تحقيق أهدافها بروحٍ مرتفعة، تجعلها تحلق في أعالي دروبها فتتابع أحلامها، فتصل في النهاية، وفي النهاية هي كلمة طيبة.. تأخذ بيد الحائر إلى طريق الصواب فتلهمه وتجعله يجتهد في مكانه الصحيح ويصل في النهاية إلى مراده، وفي النهاية هي كلمة!، تمحى غبار الآلام عن صدره وتزيح ركام اليأس الكامن في جنباته فتنقيي داخله وروحه فيشرق نوره، وفي النهاية هي كلمة طيّبة في وقتها..
إن الفراشةَ التي ترفرفُ في الهواء قد تُساعد -بشكل غير مُباشر- في إحداث الأعاصير!.. نعم الكلمة التي تتفوهها يكون لها أثرٌ إن وقعت على النفوس، قد تُغيرها للأفضل فتبثُ فيها روح العمل والدوافع المعنوية نحو الرُقيّ والإبداع، وقد تُبدّل حالها فتُصيبها بالإحباط فيأخذها إلى أسفل سافلين..
ليكُن وقع كلماتك طيّبًا على النفوس، دافعًا نحو الإبداع، منتشلًا من أنقاد اليأس الذي ملأ النفوس التي أضعفها ركام الأيام إثر محاولات باءت جميعها بالفشل أو عدم التوفيق من الله.. تلك النفوس التي باتت ضعيفة لا تحتاج منك أكثر من كلمة تقوي عزمها وتأخذ بيدها لتقف مرة أخرى بعد السقوط المدوي..
إن الإحسان إلى الصدقات في اختيارها أمرٌ مُهمٌ جدًا، فأحسِن إلى صدقتك وازرعها في مكانِها، كي تنبُت نباتًا حسنًا وتُثمر في قبرك، انتقِ الكلمات التي تخرُج إلى النفوس، اختر صدقتك الجارية التي تدوم إذا انقطعتَ أنتْ.
إعلان
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

