فيلم "the best offer".. الحب بين الحقيقة والخداع

مدونات - فيلم the best offer
"هناك دائماً شيء حقيقي مخبأ في كل عمل مزور"
 
يحكي فيلم (the best offer) قصة فيرجيل، وهو بائع مزاد علني مشهور، ويعتبر أحد أفضل رجالات هذا المجال، فهو يستطيع بكل بساطة أنَّ يبيع تحفاً ومقتنيات أثرية وفنية يعود عمرها إلى مئات السنين مقابل ملايين الباوندات في دقائق معدودة. يضاف لذلك امتلاكه خبرةً واسعة باكتشاف القطع الأصلية، ويعد أشهر رجالات عصره تمييزاً للتحف في ما إذا كانت حقيقية أم كانت تقليداً مزيفاً، إننا حتى لنراه يكتشف زيف اللوحات من نظرة واحدة.
 

رجل هادئ، أرستقراطي مهندم، لا يأكل مع العامة، ولا يسلم عليهم بيديه، وإن وجب السلام فيتخذ لذلك قفازات لليدين، غني فاحش الثراء، وهو وقور لا يخالط أحداً، ولا يعبأ بالقوم، بل يحيا حياته الخاصة في قصره المنمق، وله حجرة يجمع فيها كل لوحات النساء التي تمر عليه، هو عاشق لهذه العادة. لكنه لا يقرب القوم ولا يقرب النساء. كرس حياته لعمله لدرجة أنه لا يجد فرصة ليتزوج؛ لكن حياته تبدأ بالتغير، لتنقلب رأساً على عقب، عندما تتصل به فتاة مجهولة، مريضة نفسياً، طالبة منه أن يقيم لها بعض التحف التي تملكها في منزلها لكي تبيعها في مزاد .. وهنا تبدأ علاقة فيرجيل بهذه الفتاة، لتتغير ملامح العجوز فيرجيل الكئيبة والحزينة والصامتة، تتغير تماماً إلى بهجة آسره، وسعادة غامرة.

 

وحده الحب في النهاية من يخرجنا من عزلتنا الأبدية، حياتنا غرفة مظلمة لا يضيئها إلا حب ماجن ثوري، يغير لنا خرائط العالم، ويعيد كتابة التاريخ -تاريخنا-، ويعيد كتابتنا نحن معه

والسؤال هو ما الجديد؟ ما الذى يمنحه الحب ولا تمنحه القصور، والأموال، والسيارات الفارهة؟ يعطينا الفيلم إجابة ربما تكون كافية، فالحبُ لا يمنحنا أشياءً كثيرة ربما، ربما حتى لا يمنحنا أي شيء، فيرجيل مثلاً كان يسأل مرارًا، ما الفرق بين حاله في حضرتها وحاله في غيابها؟ كانت الإجابة تبدو عسيرة عليه ومبهمة. فأنت ستدرك مع الوقت أنّ ما تفعله وأنت محب هو ما تفعله في العادة، لا جديد؛ لكن في حضرة الغياب الطويل ستجد الإجابة جلية تفقأ العينين: إنه المعنى.

  

الحب يمنحُ للأشياءِ معناها، كل الأشياءِ في حضرة الحب تبدو ذات غاية، مبررة بشكل من الأشكال، للورود سبب للوجود، للشجر سبب، للحجر، وللبشر سبب، للحرب سبب، وللمعاناة سبب، للجحيم سبب. الحب يمنح كل هذه الأشياء سبب لوجودها، مجازًا يمكنك القول أنّه يكسبها ماهيتها. الحب بهذا المعنى يشكل عالمك. لذا فما يحدث عند موت هذا الحب في قلبك، هو أن العالم يفقدُ سبب وجوده، تصير الأشياء عارية من كل سبب لوجودها. تشعرُ حينها أنك سقطت في قاع الفراغ، فراغ سرمدي من اللامعنى، تعود لتفعل ما اعتدت عليه، لكنه يصير رتيبًا مملًا.. سقطت في الجحيم.

  

يدخلك الحب كذلك في رحلة طويلة من اكتشاف الآخر، معرفه كنهه، رحلة الفهم هذه يحركها ما يمكن تسميته ب"شهوة الاختراق"، أن تحب يعني أن ترغب في اختراق من تحب، هي شهوة لا تقاوم، هي ما يحركك تجاه من تحب، تلتقط منه ابتسامة، كلمة، أو نظرة، أو إعجاباً على منشور، مشاركة، أو غيرها. تحاول ما وسعك الجهد أن تقترب وأن تخترق الأسوار، وأن تفك الحجب. وهو نفسه ما فعله فيرجيل، إن شهوة جامحة حركته ليعبر الحائط حيث تجلس محبوبته، وجسوراً أخرى كثيرة أراد الرجل أن يعبرها، ليعبر بمحبوبته إلى العالم. لكن خانته مهارته في اكتشاف الزيف، كانت لوحة الحب هي أكثر اللوحات المقلدة إتقاناً.

   undefined

 

وحده الحب في النهاية من يخرجنا من عزلتنا الأبدية. حياتنا غرفة مظلمة لا يضيئها إلا حب ماجن ثوري، يغير لنا خرائط العالم، ويعيد كتابة التاريخ -تاريخنا-، ويعيد كتابتنا نحن معه، الحب يغير مسارنا تماماً إلى حيث أراد المحبوب وشاء. فيرجيل نفسه يتحول أمام أعيننا، كل ما عهده هو نفسه عن نفسه ينهار في لحظة، يردد كثيراً لصاحبه روبرت " أنا لم أعتد على فعل هذا إلا الآن". هنا فعل الحب إنه يغير الأشياء، الكون من حولك يتغير، يكتسب ألواناً أخرى، غير ما اعتدت أن ترى العالم بها، حلة جديدة يكتسي بها العالم في عينيك، بمجرد وقوعك في الحب؛ لكن تتغير هذا الحلة الملونة، إلى سواد قاتم حين تكتشف أن الأمر لم يكن إلا خداعاً، تموت الألوان في عينيك، ولا يبقى منها إلا السواد.

 

لكن فلنعلم هذا جيداً، إن ما يمنحه الحب في سخاء، يقتطعه في سخاءٍ أيضا، ففيرجيل هذا الذي يكتشف الخداع بمجرد النظر، هو نفسه المخدوع خديعة كبرى أودت بعقله حد الجنون، إنه الحب حين يصير استعارة عن الخداع الكبير، الحب كلوحة يعتقد الناس في حقيقتها وأصليتها، بينما هي في الحقيقة خدعة فنان كبير، أتقن في تقليد ما أراد، صنع خيطا كبيراً وممتداً من الوهم، موهما القوم أنه رسول الصدق ونبي الحقيقة.

 

حتى ذلك الحب الذي غير فيرجيل تماماً، إلى طفل صغير، يفرح لابتسامة من محبوبته، من كلمة من كلماتها، ها هو هذا الطفل يذبل مرة أخرى. كما بدأك الحب أول مرة يعيدك، يعيدك إلى عدمك الأول، عزلتك الأولى تعود إليها الآن مجبراً، لا مخيراً، تنتهي قصتك هنا، وإلى الأبد. ففيرجيل يكتشف أن الفتاة لم تكن تحبه على الإطلاق، بل إن الأمر برمته لم يكن إلا خدعة مدبرة للاستيلاء على لوحاته، دبرتها محبوبته مع عشيقها السابق، روبرت، وهو أيضا الصديق المقرب لفيرجيل، فالفاجعة ليست فقط في المحبوبة، بل في أقرب الأصدقاء أيضا. يفقد فيرجيل إحساسه بالمكان والزمان، ينهار كانهيار جبل، ويسقط كسقوط روما على يد هانيبال، إنه سقوط من رفض طيلة حياته أن يقع في الحب، كان يخشى الحب ويخشى النساء، لكن ها هو يسقط، وما له من بواكٍ.


لكن يبقى السؤال على أي الأشياء كان يحزن فيرجيل على الحقيقة؟

 

undefined

 

سيعتقد البعض أنه حزنٌ على فقد المحبوبة، أو ربما حزن على فقد لوحاته التي لا تقدر بثمن، ربما حزن على وقوعه في الخديعة، أو حزن على كرامته المهدرة؛ لكني أجادل بأن حزن فيرجيل الحقيقي إنما كان حزناً ونحيباً على فقد الأمل. الأمل يا سادة هو ما يندم عليه فيرجيل، الأمل الذي يمنحه الحب في سخاء وكرم منقطعي النظير، وفي ليلة وضحاها يسحب الحب سجادته في سرعة هائلة من تحت أقدامنا، فيتركنا في الفراغ السرمدي، عرايا تتحرش بنا أعاصير الحنين والشوق.

 

أحقا كان كل ذلك زيفاً؟، هكذا يكون سؤالنا القاتل المميت في موقف الخداع الكبير.

 

الخديعة كمرادف لكل ما معناه نفي الوجود، تنفي وجود الشيء رغم أنك أثبت لأحدهم وجوده، يوما ما أخبرته أنك تحبه، وأنك لن ترحل مهما كان، وأنك ستمضى الدرب الطويل ممسكاً بيديه. ثم إنك تطرح كل ذلك أرضا كأن لم يكن. إنك حتى لتتبرأ من يديه، وكأنك لا تعرفها ولا تعرفك، وكأنك ما أمسكتها يوماً. أليس هذا في الحقيقة نفياً لوجود الآخر؟