ممّا يشيع في أوساط بعض الباحثين المعاصرين زعمهم أنّ مفهوم "الدولة الإسلامية" أو "دولة الشريعة" الذي يطرحه "الإسلاميون" في عصرنا ما هو إلا مفهوم حديث متأثّر بالمفاهيم الغربية الحديثة حول الدولة ودورها، ومخالف لمفهوم الشريعة في التقليد الفقهي قبل عصر التنظيمات العثماني وإدخال القوانين الأوروبية الحديثة.
في هذا السياق يقول البروفيسور وائل حلاق في حوار أجراه معه "معهد العالم للدراسات": "الإصرارُ، في آنٍ واحدٍ، على الدّولة الحديثة وعلى تطبيق الشّريعة في ظلّ حكمها سيكونُ إخضاعًا للشّريعة لنظامٍ سياسيّ أعلى، وهو نظامٌ يتعارضُ مع أيّ مفهومٍ للشّريعة -كما عرفناها على مدى اثني عشر قرنًا قبل الكولونياليّة".
ويقول الدكتور رضوان السيّد في دراسة له بعنوان "الدولة والدين في زمن الثورات" عمّن يسميهم "الأيديولوجيين الإسلاميين": "ولأنهم قالوا بتطبيق الشريعة لتحقيق الحلّ الإسلامي بالفعل، فإنّهم أعطوها صفة القانون وقوته الإلزامية، وكيف لا تكون الشريعة ملزمة وهي ذات الأصل الإلهي؟ ثم إنه لا بد من أداة للتنفيذ، ولا أداة في هذه الحالة إلا الدولة، التي توكل إليها مهمة صون الدين، وتطبيق شريعته. وهذا تصوّر متنافر الأجزاء وملفَّق من التجارب الأوروبية الوسيطة والحديثة". ويقول في نفس الدراسة: "فإنّه حتى صورة الإسلاميين هذه عن التجربة الإسلامية الوسيطة في علاقة الدين بالدولة غير صحيحة. فدولتا الخلافة والسلطنة ما كانتا حتى في نظر الفقهاء قائمتين على الشريعة ولا كان التشريع بيدهما. فالشريعة، وهي مكونة من عقائد وعبادات وأخلاقيات ومعاملات، كانت بيد المتكلّمين وعلماء الأصول، أما التشريع فكان بيد الفقهاء".
ويقول الدكتور معتزّ الخطيب في مقال "هل الدولة الإسلامية مطلب ديني؟ (2)" مردّدا أطروحتي حلاق والسيّد: "لأنّ "الشريعة" كانت نتاجَ تفاعل الجماعة المسلمة مع النص الديني عبر التاريخ، ولم تكن نتاج "سلطة" أو "تشريع قانوني" كما هي الدولة الحديثة، فالتشريع وظيفةٌ كان يقوم بها الفقهاء عبر التاريخ بمعزل عن السلطة السياسية سواءٌ وُجدت أم لم توجد، ولكن الإسلاميين الحركيين أرادوا أن يستصحبوا وظيفة الفقهاء التاريخية ويمزجوها بفكرة الدولة الحديثة (الدولة التي تحكم بالشريعة) ويمارسوا الوظيفتين!".
| الزعم بأنّ مفهوم الشريعة في مخيال الإسلاميين المعاصرين مغاير للتقليد الفقهي الإسلامي التراثي، فهو قول متعجّل نتجَ عن قراءة قاصرة للتراث الإسلامي |
وأحبّ أن أؤكّد أولا بأنّ انفصال "التشريع" كوظيفة في التقليد الفقهي الإسلامي ما قبل الحداثة عن السلطة هو أمر لا خلاف حوله، وفي هذا السياق نذكر ما قاله القاضي ابن جماعة (733 هـ) في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام": "الشَّريعة: هي المحجة التي جاء بها رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وسنّها وأوجب اتباعها وصونها، وهي إلى الله أقصد سبيل، لأنّ مبناها على الوحي والتنزيل، والخير كُله في اتباعها، والشَّر كُله في ضياعها. وقد جعل الله لها حماة يُقيمون منارها، وحملة يحفظون شعارها. فحماتها: الملوك والأمراء. وحفّاظها: هم الأئمة العلماء. أما الملوك والأمراء: فقد تقدّم شرح صفاتهم وأنواع تصرفاتهم، وأما العلماء القائمون بحملها المعنيّون بحفظها ونقلها، فهم المرجع في حلالها وحرامها، ومواقع أحكامها".
فلم تكن السلطة السياسية إذن هي المرجعية في تحديد الفقه الواجب اتباعه، أي التشريع، بل كانت تلك وظيفة الفقهاء في المجتمع، ولكنْ هل "إقامة الشريعة" تقتصر على مجرّد "التشريع"؟ هذه هي المغالطة الكبرى التي تنطلق منها تلك المقولات، فمفهوم إقامة الشريعة أكثر اتّساعًا من مجرّد وظيفة التشريع، وإذا كانت السلطة في التقليد الإسلامي لا تشرّع وتترك ذلك للفقهاء، فإنّ هذا لا يعني انتفاء دورها المركزي في إقامة الشريعة في الجانب التنفيذي لا التشريعي كما سيأتي معنا. ولا يعني ذلك أيضا استحالة تنظيم دور الفقهاء المستقلّ هذا ضمن بنية "الدولة" لا "السلطة"، مع الحفاظ على ذلك التقليد الفقهي الذي ينفي دور وضع التشريعات عن السلطة السياسية، ولهذا فمقولة "دولة الشريعة" لا تستلزم بالضرورة الدعوة إلى إسناد مهمة التشريع إلى السلطة! بل وسيأتي معنا كيف أنّه كان للفقهاء تاريخيّا وظائف أخرى في إقامة الشريعة اعتُبرتْ جميعها وظائف تقع تحت مسؤولية السلطة؛ كالقضاء والحسبة والأوقاف وما شابه.
وأمّا الزعم بأنّ مفهوم الشريعة في مخيال الإسلاميين المعاصرين مغاير للتقليد الفقهي الإسلامي التراثي، فهو أيضًا قول متعجّل نتجَ عن قراءة قاصرة للتراث الإسلامي، وتبنّي نظرة جزئية مقتصرة على السياق الاجتماعي للشريعة، كما تبدو في أطروحات الدكتور وائل حلاق على سبيل المثال، فرغم كون الرجل يتحدث عن الشريعة في كتابه "الدولة المستحيلة" باعتبارها قانون الإسلام الأخلاقي، وبأنّها كانت القوة القانونية والأخلاقية العليا التي تنظّم شؤون كل من الدولة والمجتمع، فإنّه يبلور مفهومًا "اجتماعيّا" للشريعة مُغْفِلا بشكل كبير الدور المركزي الذي لعبته السلطة عبر التاريخ في إقامة الشريعة، وهو الدور الذي دلّ عليه السياق التاريخي الذي يحكي سيرة دول الإسلام، ودلّت عليه تنظيرات فقهاء الإسلام في مجالات: السياسة الشرعية، السيَر، الأموال، القضاء، الحسبة. وهي مجالات كانت مرتبطة بشكل عضوي متين بالسلطة السياسية، وهي من جهة أخرى من ضمن "الشريعة" التي أغفلها أصحاب هذا الطرح.

إنّ الاطلاع الواسع على عشرات المؤلّفات التي كتبها فقهاء الإسلام والمؤرّخون القدماء حول هذه الموضوعات يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك بأنّ ما طرحه الإسلاميون في العصر الحديث حول مفهوم الشريعة ودور السلطة المركزي فيه؛ هو نفسه مفهوم الشريعة الذي طرحه فقهاء الإسلام عبر مختلف العصور التاريخية، ولعلّنا نورد بعض النقول والشواهد التي تؤكّد على دور السلطة المركزي في إقامة الشريعة، وعلى أنّ الإسلاميين المعاصرين قد بنوا مقولاتهم على هذا التقليد الفقهي، لا على مفاهيم الدولة الحديثة كما يزعم بعض الباحثين.
يعدّد الإمام الماوردي (450 هـ) ممّا يلزم الخليفة المهامّ التالية: "أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإنْ نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضحَ له الحجة، وبيّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل. الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعمّ النّصفة، فلا يتعدّى ظالم، ولا يضعف مظلوم.. والرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.. والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف. والثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير". وهذه المهامّ كلها من ضمن "إقامة الشريعة".
ويعقد الوزير السلجوقي نظام الملك (485 هـ) في كتابه "سير الملوك" فصلا بعنوان "في التحقيق والتحرّي في أمور الدين والشريعة وما إليهما" يقول في مطلعه: "على الملك تحرّي أمور الدين وإقامة الفرائض والسنن وأوامر الله تعالى".
ويقول أبو النجيب الشيزري الشافعي (590 هـ) في كتابه "المنهج المسلوك في سياسة الملوك": "اعْلَم أَنّ الدّين أساس المملكة، لا قوام لَهَا إِلَّا بِهِ، وَلَا تثبت أَرْكَانهَا إِلَّا عَلَيْهِ، وَهُوَ إِقَامَة منار الْإِسْلَام، وَإِظْهَار شَعَائِر الْحق، وَاتِّبَاع أَحْكَام الشَّرْع، وَالْعَمَل بالفرائض وَالسّنَن ومندوبات الشَّرِيعَة، وَإِقَامَة الْحُدُود وامتثال أَمر الشَّارِع والانتهاء عَن نواهيه، وإيصال الْحُقُوق الْوَاجِبَة إِلَى أَرْبَابهَا، وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِي الله تَعَالَى سرّا وَعَلَانِيَة، فَإِنَّهُ لَا دوَام للْملك بِغَيْر هَذِه الْأَشْيَاء".

أما القاضي بدر الدين بن جماعة (733 هـ) فيذكر في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام" من حقوق الرعية على السلطان تلك الحقوق (أنقلها باختصار): حماية بيضة الإسلام والذبّ عنها، حفظ الدين على أصوله المقرّرة وقواعده المحرّرة، وردّ البدع والمبتدعين وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، إقامة شعائر الإسلام، فصل القضايا والأحكام بتقليد الولاة والحكام لقطع المنازعات بين الخصوم، وكفّ الظالم عن المظلوم، إقامة فرض الجهاد، إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية صيانةً لمحارم الله عن التجريء عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها، جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلّها، وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية. انتهى. فإذا لم يكن ذلك كلّه من "إقامة الشريعة" فماذا تكون الشريعة؟!
يروي القاضي ابن القاصّ (335 هـ) في كتابه "أدب القاضي" عبارة صغيرة ذكرتها أم داود الوليشية حيث تقول في وصف شُريح، وهو أحد قضاة الخلافة الراشدة: "رأيتُ على رأس شريح شرطيًا بيده سوط". ووضع في كتابه بابا بعنوان "ترجمان القاضي" وبابا آخر بعنوان "ذكر الحبس واتخاذ السجن للقاضي"، فضلا عن باب "ذكر شُرَط القاضي". وجميع هذه التفاصيل تؤكّد على دور السلطة في إقامة مؤسسة القضاء؛ إذ لا يمكن للقاضي أن يموّل نفسه والترجمان، وأن يقيم الشرطة والسجون لتنفيذ أحكامه، فهذه أعمال دولة لا أفراد.
أما ابن خلدون (808 هـ) فيقول في "المقدّمة" بوضوح: "وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة؛ لأنّه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي، وقطعًا للتنازع، إلا أنّه بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة، ومندرجا في عمومها. وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم، ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم. وأول من دفعه إلى غيره وفوّضه فيه عمر رضي الله عنه، فولّى أبا الدرداء منه بالمدينة، وولّى شريحًا بالبصرة، وولّى أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة وهي مستوفاة فيه".

ويذهب الإمام القرافي (684 هـ) في كتابه "الإحكام" إلى أنّ أوّل من أحدث "ولاية المظالم"، وهي من أنواع القضاء، هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، "فكان يجلس للمظالم يوما يخصّه، ويردّ مشكلاتها لإدريس الأودي".
كتب الإمام أبو يوسف القاضي (182 هـ) في مقدّمة كتابه "الخراج" هذا الكلام الذي يوضّح الدور المحوري للسلطة في إقامة الشريعة في مجال الأموال: "إنّ أمير المؤمنين أيّده الله تعالى سألني أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات والجوالي، وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به، وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيّته والصلاح لأمرهم". والملاحَظ بأنّه جعل هذا الجانب المهم من "إقامة الشريعة" مما يجب على الخليفة، وهو السلطة السياسية في الدولة. وقد وضع الإمام القاسم بن سلام (224 هـ) في كتابه "الأموال" بابا بعنوان "صنوف الأموال التي يليها الأئمة للرعية وأصولها في الكتاب والسنة".
| يعرّف الإمام ابن القيّم الحسبة بقوله: "وأمَّا ولاية الحسبة فخاصّتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم |
ذكر الإمام السرخسي (483 هـ) في كتابه "شرح السّيَر الكبير" للفقيه الحنفي محمد بن الحسن الشيباني (189 هـ) بأنّ هذا الأخير أمر "أن يُكتب هذا الكتاب في ستّين دفترا، وأن يُحمل على عجلة إلى باب الخليفة". وكتاب السّيَر هذا يناقش موضوعات عديدة مثل: وصايا الأمراء في بعث السرايا، الرايات والألوية الحربية، القتال في الأشهر الحرم، حمل الرؤوس إلى الولاة، السلاح والفروسية، الحرب خدعة، من أسلم من دار الحرب، من يحلّ له الخُمس والصدقة، صلاة القوم الذين يخرجون إلى العسكر ويريدون العدوّ، الخيار في الأمان، أمن الرسول، الأنفال، الغنائم، تملّك العقارات في دار الحرب، وغيرها من الأبواب.
والناظر في هذه الموضوعات يدرك أنّها أبواب شرعية تناولها الفقهاء في كتب الفقه، وخصص لها آخرون كتب السِّيَر، فهي مجال من مجالات الشريعة التي كان الأئمة يلون أمرها، بل إنّ هذا المجال تحديدا ومجال الأموال لم يكن من المجالات التي للفقهاء فيها سلطة، إلا في حالات قليلة، ولكنها في الأساس كانت خاضعة لإدارة الحاكم وسلطته.
يقول الفقيه ابن الأخوة (729 هـ) في كتابه "معالم القربة في طلب الحسبة": "والمحتسب: مَن نصّبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم". فهو يؤكّد كغيره من الفقهاء على أنّ الحسبة منصبٌ من المناصب التابعة للسلطان.
أما الإمام ابن القيّم (ت 751 هـ) فيعرّف الحسبة في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" بقوله: "وأمَّا ولاية الحسبة فخاصّتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، فعلى متولي الحسبة أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب من لم يُصلّ بالضرب والحبس، وأمَّا القتل فإلى غيره، ويتعاهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرَّط منهم فيما يجب عليه من حقوق الأمة وخرج عن المشروع ألزمه به، واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والقاضي".
ثم يقول معدّدا وظائفها الأخرى: "ويأمر بالجمعة والجماعة، وأداء الأمانة والصدق، والنصح في الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة، وتطفيف المكيال والميزان، والغش في الصناعات والبياعات، ويتفقد أحوال المكاييل والموازين، وأحوال الصناع الَّذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرّم على الإطلاق، كآلات الملاهي، وثياب الحرير للرجال، ويمنع من اتخاذ أنواع المسكرات، ويمنع صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، ويمنع من إفساد نقد النَّاس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا، فإنَّه بذلك يدخل على النَّاس من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يُتّجرُ بها ولا يُتّجرُ فيها، وإذا حرّم السلطان سكة أو نقدًا منع من اختلاطه بما أذن في المعاملة به". وهذه الأمور داخلة ضمن مفهوم إقامة الشريعة، وهي مهام دولة لا أفراد.

إنّ هذه الشواهد الغزيرة وغيرها كثير إنْ دلّت على شيء فهي تدلّ على محورية دور السلطة في إقامة الشريعة في التقليد الفقهي الإسلامي، وعلى الخلل القائم في تلك الرؤية التي تزعم أنّ علاقة السلطة بالشريعة علاقة هامشية، أو أنّ من يربط الشريعة بالدولة متأثّر بالدولة الغربية الحديثة!
والواقع أنّه من حيث أراد أصحاب هذا الطرح الحديث عن اتساع مفهوم الشريعة وعدم اقتصاره على الجانب القانوني، فقد وقعوا في مأزق حصر الشريعة في السياقات الاجتماعية التي تدور حول علاقة المجتمع بالمذاهب الفقهية والمفتين والقضاة والوعّاظ (كما فعل وائل حلاق في كتبه)، دون أن يلتفتوا إلى المساحات الشاسعة التي تدخلها الشريعة والتي تقوم عليها السلطة، كما يخبرنا السياق التاريخي والتقليد الفقهي الإسلامي القديم.
ومن هنا نقول: إنّ الحركات الإسلامية المعاصرة الداعية إلى إقامة دولة الشريعة هي امتداد لذلك التقليد الفقهي الذي امتدّ لأربعة عشر قرنًا، وحتى لو اختلفنا في الحكم على مضمون أطروحاتها ووجّهنا النقد لها (انظر على سبيل المثال كتابي "الخطاب المريض")، فهذا لا يجعلنا ننكر واقعًا تاريخيّا ضخمًا يقول إنّ التقليد الفقهي الإسلامي برمّته اعتبر علاقة الشريعة بالسلطة علاقة مركزية غير قابلة للانفصام، وبأنه لا يمكن للمجتمع أن يقيم الشريعة وحده بغير دولة. فهذه حقيقة تاريخية سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا، ومسؤولية الباحث في التاريخ ألا يصبغ التاريخ بتوجهاته الفكرية الحديثة.
والذي يبدو لي أنّ النظرة العلمانية الحديثة لعبت دورا كبيرا عند هؤلاء في إغفالهم لهذا الجانب من الشريعة وإقامتها وعلاقة الدولة بها في التقليد الفقهي، فهذه النظرة تعتبر الدين نظاما أخلاقيا وشعائريّا فرديّا أو على الأكثر اجتماعيا، دون أن يكون للسلطة السياسية أي دور فيه. وفي ذلك يقول الدكتور رضوان السيّد معبّرا عن فهمه "العلماني" الضيّق للشريعة في أحد الحوارات المصوّرة بلهجة عامّية مختلطة بفصيح: "أنْ يعتبروا أنّ الشريعة لم تعُد مطبّقة، وهي مطبّقة؛ منصلّي ومنصوم ونحجّ و.. نحنا منصلّي أكثر من أيام عمر بن الخطاب. ما في عنّا شي يعارض ديننا أو أنّ أحدًا يمنعنا من إقامة ديننا. كل هذا كلام فارغ ناجم عن عقول مريضة تريد الوصول للسلطة". ومن الواضح أنّ رضوان السيّد ينطلق من فهم ضيّق للشريعة يحصرها في الشعائر التعبّدية. والظاهر أنّ هذه النظرة قد أثّرت في هؤلاء الباحثين، مما جعل أبحاثهم أقرب للتنظير الأيديولوجي من الدراسات الأكاديمية.

من المهم أخيرا أن نؤكّد بأنّ ما يسميه هؤلاء "التقليد الفقهي" أو "التاريخي" ليس أمرًا مُلزمًا أو مقدّسا، فرغم تأكيدنا في هذه التدوينة على وجود مفهوم مشترك بين جميع مراحل هذا التقليد وهو دور السلطة المركزي في إقامة الشريعة، فإنّنا لا نقول بقدسية التقليد بجميع تفاضيله، ولا ننكر الخروج عن بعض تفاصيله التي كانت متعلّقة بظروف تاريخية وسياسية ومجتمعية معيّنة.
| مشكلة الحركات الأساسية هي تمسّكها ببعض تفاصيل التقليد وإضفاء نوع من القداسة عليها كما لو كانت من الدين، وليس خروجها عن التقليد! والأصل أن يتم التعامل مع كل عصر بمعطياته وفقا لقواعد أصول الفقه |
بل نذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أنّه لا يوجد في الواقع تقليد تاريخي واحد، بل هناك "تقاليد" تغيّرت مع تغيّر الظروف السياسية؛ فحين كانت الدولة الإسلامية موحّدة وقوية في العهد الراشد والأموي والعباسي الأول، كان التقليد الفقهي يركّز على وحدة الدولة والإمارة، ثم بعد قرون متطاولة من التقليد وجدنا تقليدا فقهيا جديدا يتحدث عن إقرار شرعيّة التفرّق، أي وجود دول متعددة للمسلمين كلّ منها يأخذ حُكم الإمام.
وكذلك بخصوص التغلّب، ففي الوقت الذي كان التغلّب جريمة كبرى في التقليد الفقهي الراشدي، حتى قال عمر: "من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي تابعه تغرّة أن يُقتلا"، وقال: "إنه لا خلافة إلا عن مشورة"؛ صار التغلّب طريقا مقبولا عند الفقهاء فأقرّ كثير منهم بشرعية التغلّب. وفي الوقت الذي كان التفرّق جريمة كبرى حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم كما في الحديث الصحيح: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه"؛ صار تفرّق المسلمين أمرا مقبولا وأقرّ بعض الفقهاء المتأخرين بشرعيّة التفرّق.
وقلْ مثل ذلك عن تحوّل الخلافة من كون الخليفة هو السلطان، إلى ثنائية الخليفة والسلطان، وتطوّر مؤسسات الحكم بأشكال مختلفة عبر عصور التقليد الإسلامي التاريخي. فالواقع أنّه ليس هناك تقليد تاريخي واحد يمكن جعله معيارا، بل تعامل الفقهاء في كل عصر مع معطيات ذلك العصر، وهو ما ينبغي أن يفعله الفقهاء اليوم. وإذا كنّا نلوم الحركات الإسلامية المعاصرة فإنّما نلومها على تمسّكها ببعض تفاصيل التقليد التي كانت مرتبطة بظروف تاريخية اضطرارية وليست من الدين من جهة، وقد أثبتت الصيرورة التاريخية أثرها السلبي على الحالة السياسية للأمة من جهة أخرى.
أي أن مشكلة هذه الحركات الأساسية هي تمسّكها ببعض تفاصيل التقليد وإضفاء نوع من القداسة عليها كما لو كانت من الدين، وليس خروجها عن التقليد! والأصل أن يتم التعامل مع كل عصر بمعطياته وفقا لقواعد أصول الفقه المستنبطة من الكتاب والسنّة، كقاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وقاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور"، فهذه وأمثالها مع الاجتهاد على النصوص هي الكفيلة بإنتاج فقه مواكب لجميع الأوضاع المتغيّرة، ومن بينها الأوضاع السياسية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

