إلى الإخوان وأمثالهم.. كلمةٌ أخيرة

blogs الإخوان المسلمون

بداية وقبل كلّ شيء علينا أن نتّفقَ على أنّ الأمم والجماعات ليست أوعية فارغة، بل فيها بشرٌ تستمدّ فتوّتها وتسطر تاريخها منهم، فإن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أساءت، وإن شمخوا شمخت وإن تدنّوا تدنّت وعاشت بين الحُفر.. وهي طبيعةُ الإنسان له دفقات قوّة إيمان وعنفوان، وله خفقات ضعفٍ وانتكاس، وهذه هي سنّة الله في الكون قدّرها تقديرًا، وبسببها أوجب المؤمنون على أنفسهم جلسات تفكّر وتناصحٍ يتفقّدون فيها النّفس والقلب أن يعتريهم الميل بإفراطٍ يزيدُ بدعة أو تفريطٍ يُهملُ أمرًا وارشادَا، وهو ما ترجمهُ معاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله: "اجلس بنا نؤمن ساعة".

وإن كُنت سأتحدّثُ هُنا عن أخطاءٍ ارتكبها أشخاصٌ ما في فترة ما وضمن جماعة ما، فإنّه بدافع التعلّم والتطوّر والاعتراف بالتّقصير، وليس لدى أيّ شخصٍ الحقّ في المزايدة أو التفوّه بكلمة ما لم يصنع صنيعًا لأمّته فيبذل في سبيل ذلك من وقته وماله وجهده، ويراجع نفسه هو الآخر ويعترف بخطئه، فقط للتّوازن.. فلا أحد منّا فوق العِلم والتعلّم، ولا أحد منّا فوق الخطأ، المهم أن نعترف به ونتوب عنه!

إنّ المُجتمع العربي الإسلامي على وجه الخصوص مُجتمعٌ مبتلى في أرضه فلا خمدت نيران الحروب فيه، ولا صمتت صرخاتُ القتل منذ سنوات، ومُبتلى في دينه حيثُ تعكّرت الحياة الاجتماعية بقدرٍ كبيرٍ من القذارة التي تحتاجُ إلى تنظيف كأن تُغطّى الشّوارعُ والميادين العامّة والحكومة والبرلمان والبيروقراطيّة برغوة صابون لتُغسَل كلّها ويُغسل معها بضعةَ أفواه.. وقدْرٌ كبيرٌ من الكسور التي تحتاجُ إلى تجبير، وقدْرٌ كبيرٌ من الأخطاء التي تحتاجُ إلى تصحيح، وصار الرّساليّون أو من نسمّيهم الدّعاة يُحاكون شمائل العامّة، ويقلّدون سفهاءهم، كالهوام يُصادم بعضهم بعضًا ويتربّصُ بعضُهم لبعض.

علينا أن نُدركَ أنّه ليس المطلوب منّا أن نكون على درجةٍ من التّعامل التّربوي الجيد فقط، بل مطلوب منا ما هو أرفع من ذلك! إيصال الهمّ الدعوي إلى من حولنا

وقد أسلفتُ الذّكر في عدّة تدويناتٍ سابقة (عافيّة الدّين وعلّة التديّن، قلبٌ أغرته اللذّة فتورّط، قلبٌ تعلّق فهوى، الدّين واللقاءات العُرفيّة، ديكٌ فصيح…) عن بعضُ مظاهر الانحلال الأخلاقي وأمراضِ القلوب التي أصابت هذه الفئات من المُجتمع، وهي في مُجملها مظاهرٌ انصرف المربّين عنها فلم يعطوها حقّها في التّقويم والإصلاح، يُهمِّشونها ولا يتعرَّضون لها إلا بقدر ضئيل من الاهتمام. فتجدُ جهدهم ينصرف أكثر ما ينصرف إلى استقطاب الكم الأكبر من الشّباب، دون الاكتراث بتبعات ذلك على الدّعوة لاحقًا. رغم أنّنا نسمعُ منهم كثيرًا من التّنظير البديع والماتع في شأن التربية، فهذا يُنادي إلى التجرّد من حظوظ النّفس والآخر يدّعي الحِرص على التنظيم والعمل المؤسّسي، والآخر يُصارحك بحرصه على التغيير وأن المرحلة القادمة هي أشبه ما تكون بمرحلة المخاض، فأصبحنا نسمع من يدعي امتلاكه للحس التربوي في أسلوبه وتعامله، أو بتنميق العبارات، لكنّ واقعه يكذّب ذلك.

ورغم كلّ هذا تجدُنا نغضّ الطّرف عنهم ونتابع مسارنا وندعو الله أن لا نميلَ مثلما مالوا ولو قيد أنملة، لا أعلمُ إن كان كلامي ينمّ عن نظرة يائسة بائسة من متديّني اليوم، ولكنّني فعلاً صرتُ أرى معالم الخير والبذل والعطاء والإحسان في عامّة النّاس، فعلى الأقل هم لم يدّعوا يومًا بأنّهم أوصياءُ على هذا الدّين، بل يعملون بصمتٍ على تغيير ما استطاعوا، لا يُحاكمون فلانًا ولا يكفّرون علاّنًا، لا يدّعون التزمّت ولا يفتعلون الخطابات المنمّقة، في حين عوالم الدّعاة تشتعل اليوم بالنقم، من جرّاء الكيد والتربّص، ومُحاولات التكدير الذي لا تطيقه القلوب.

 

هؤلاءِ ما هم إلاّ أُناسٌ امتهنوا الدّعوة، وانغرسوا في اهلها، شكلاً لا مضمونًا، فلا تثريب عليهم، لدخولهم الغلط، وجنايتهم الفظيعة! ولأن الدعوة عندهم سلالم الى مناصب وغنائم، فهم ليسوا دعاة حقيقيين بهذا المفهوم، وإنما تجار ومنتفعون! حسنًا، بعيداً على الكلام الفلسفي المُفتعل، فلنقف كلٌّ مع نفسه ولنتساءل: في ماذا أهدرنا أعمارنا لحدّ اليوم؟ فلنعدّد أشياءً ملموسة تتحدّثُ عنّا بعد موتنا وينتفعُ بها غيرنا، بعيدًا عن تلك الخطابات والشّعارات التي لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع (كهذه التدوينة مثلاً). إن وَجدتَ في نفسك إجابة ترضيك فهنيئًا لك، وإن لم تجد، فلا تحزن لازالت الفرصةُ أمامك إن أنت تهيّأتَ لها. مع الأسف شُغِلنا بنظرة الآخرين لنا، فأصبحنا ننمّق العبارات، ونوزع الشعارات والإعلانات… ليُقال فلانٌ كذا وكذا…

النّاظر لجماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها لليوم سيُدرك أنّها فقدت روحها وشكلها، فلو بُعث أصحابها الأوّلون لم يعرفوها
النّاظر لجماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها لليوم سيُدرك أنّها فقدت روحها وشكلها، فلو بُعث أصحابها الأوّلون لم يعرفوها

علينا أن نُدركَ أنّه ليس المطلوب منّا أن نكون على درجةٍ من التّعامل التّربوي الجيد فقط، بل مطلوب منا ما هو أرفع من ذلك! إيصال الهمّ الدعوي إلى من حولنا، سواءٌ كانوا متربّين تحت أيدينا أو من عامّة النّاس، ثمّ علينا أن نفهم قبل ذلك أنّ هذا الدّين ليس حكرًا على فئةٍ أو جماعةٍ دون أخرى، فنبتعد عن تلك الهالة التي أحطنا أنفُسنا بها فانعزلنا عن النّاس. هو غرسٌ غرسه من قبلنا فأكلنا، ونغرسُ نحنُ فيأكلون، والغرسُ يقتضي مخالطة النّاس ومشافهتهم، أما من اختار الخلوة وترك محاربة الأفكار الأرضيّة والمفاسد الخُلقيّة فهو كما وصفه الرّافعي: "يحسبُ أنّه قد فرّ من الرّذائل إلى فضائله، ولكنّ فراره من مجاهدة الرّذيلة هو في نفسه رذيلةٌ لكلّ فضائله".

إنّنا لسنا مطالبين بمن نكون تجاه المؤسّسات والأشخاص، وكيف نكون، فلا بأس إن جهل اسمنا الجاهلون ولا إن نكر جهدنا النّاكرون أو ذهل عن نسبنا الناظرون، طالما أننا وهبنَا أنفسنا لله وحده. بل مطالبين بما هو أقرب من ذلك! من نفوسنا وترقيتها وتحريك جوانب الإيمان فيها ثمّ نقلها إلى العامّة.

وعلى سبيل المثال، النّاظر إلى جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها إلى اليوم سيُدرك أنّها فقدت روحها وشكلها، فلو بُعث أصحابها الأوّلون ومؤسّسها حسن البنّا رحمه الله لم يعرفوها، فَلَسَت في معنويّاتها واضمحلّت في جنبها تَعاليم البنّا البسيطة كما تتلاشى القطرة في اليمّ، وأسرف الأفراد فيها في اتّباع شهوات أنفسهم، وتنافسهم على القيادة ولو علموا حقيقتها حقًّا لما تجرّأ منهم أحدٌ وتصدّر لها، وما عُدنا نرى فيهم مظاهر ما يدعون إليه إلاّ من رحم ربّي، فحال ذلك بينهم وبين العلم والفكر والبحث.. شوّهوا صورة الجماعة وأساؤوا لها، هي كلمةٌ أخيرة لأمثالهم: عسى أن يبدّلكم الله بقومٍ أذلّة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين، يحسنون لها ويبذلون فيها ويشمخون على حضيض من أغرته الدّنيا وحظوظها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان