شعار قسم مدونات

أما آن للجامعة أن ترعى المشاريع الجامعة؟

blogs - حكام العرب . الجامعة العربية
يبدو أن الجامعة العربية قد باتت متخصصة في تبني المشاريع التي تسهم في تأليب العرب بعضهم على بعض، ومباركة كل ما من شأنه أن يغذي أسباب التنافر والصراع فيم بين أعضائها، وكثيرا ما نجدها تستأسد على بعض أعضائها استجابة لهذا الطرف أو ذاك، في حين أن المنتظر منها أن تكون مؤلفة جامعة، لا طاردة دافعة، وهذه السياسة المنتهجة من طرفها، هي التي تبرر مطالبات بعضهم بوجوب إصلاحها، بما يضمن حيادها وعدم انحيازها لأي طرف بعينه، تلك المطالب التي حركها انحيازها الواضح لدولة المقر في أكثر من مناسبة.
 

وأكد موضوعية هذه المطالبة، تقصيرها الواضح وغير المبرر في حل الصراعات التي تنشب في الدول الأعضاء، الأمر الذي مهد لتدخل القوى الخارجية ومكن لها من الاستثمار في خلافات الدول العربية، فلو أنها -على سبيل المثال لا الحصر- تدخلت بإيجابية في قضية السودان، لما انتهى به الأمر إلى التقسيم، ولو أنها لعبت دورها كما ينبغي في سوريا لما تسنى لإيران أن تتصدر المشهد فيها، ولو أنها بادرت بالتدخل في القضية الليبية منذ اللحظات التي شب فيها الخلاف، لما تمكنت داعش من التَغَوُل فيها.

 

أقول ذلك لأن الدول التي تغذي الصراع وتموله في المنطقة تتمتع بعضويتها فيها، أقول ذلك لأن الدول الأعضاء التي تجمعهم هذه الجامعة ملزمون بحكم ميثاقها بعدم الاعتداء على بعضهم البعض، وهم مدعوون لمناصرة بعضهم البعض، في حال التعرض لعدوان خارجي، كما هم مدعوون لتفعيل التعاون الاقتصادي والثقافي بينهم، بما يعزز وحدتهم، ويؤكد أخوتهم، ويحررهم من التبعية لغيرهم، ولكن هذه الجامعة العربية، عوض أن تستغل ميثاقها في استبعاد أسباب الخلاف بين أعضائها، نراها تعمل على تدعيمها وتغذيتها والتمكين لها.

 

لتدرك الجامعة العربية أنها إن استمرت في انتهاج سياستها هذه، فإنها بذلك إنما توقع على شهادة وفاتها دون شك ولا ريب، وعلى الدول الأعضاء فيها، أن تحول دون ذلك وتعمل على منعه

فمباركتها لعاصفة الحزم مهما كانت مبرراته خطأ استراتيجي ما كان لها أن تتورط فيه، لأنه لن ينجر عنه إلا التمكين لتفاقم الصراع بين اليمن ومحيطها الإقليمي، وكان الأولى بها أن توظف إمكانياتها المتاحة للضغط على الطرف الإيراني وتحييده، مما كان سيمهد لحل سياسي يجمع بين اليمنيين، ويمنع نشوب حرب أهلية بينهم، كما هو الحال السائد اليوم في اليمن.

  
وموافقتها على طلب حكومة طبرق على تشكيل قوة عسكرية للتدخل في ليبا، هو خطأ استراتيجي آخر أكبر منه، وذلك على الرغم من تحفظ ممثل الجزائر في الجامعة العربية، لأن القوة العربية التي ستتدخل في ليبيا لن تحسم الصراع فيها، وإنما ستضيف طرفا جديدا له، وستوسع من رقعته لا أكثر ولا أقل، بل المتوقع أسوأ من ذلك بكثير، حيث امتداد الصراع واتساع رقعته سيعطي مبررا قويا للقوى الدولية المؤثرة لتدويل القضية الليبية.

 

خلاصة القول أنه آن الأوان للجامعة أن تقاوم الضغوط وأن تستقل بقراراتها، ولا تسمح لأي طرف الخروج عن ميثاقها، وأن تعمل جاهدة على الاستثمار في المشاريع التي تجمع العرب، لا تلك التي تفرقهم وتؤلبهم على بعضهم البعض، عليها أن تعي أن وجودها واستمرارها، رهن بقدرتها على حماية كل مصالح الدول الأعضاء، لا مصلحة طرف بعينه.

 

ولتدرك أنها إن استمرت في انتهاج سياستها هذه، فإنها بذلك إنما توقع على شهادة وفاتها دون شك ولا ريب، وعلى الدول الأعضاء فيها، أن تحول دون ذلك وتعمل على منعه، بكل ما أوتيت من قوة، لأن زوال الجامعة العربية -لا قدر الله- سيترتب عنه حرمان الدول العربية من إطار تنظيمي يتيح لهم قدرا من التنسيق والتعاون، ويبرزهم إلى العالم في شكل تكتل لا بد من اعتباره، وهذا يعني أن على الدول الأعضاء أن تعمل جاهدة على إصلاح هذه الجامعة العربية التي تجمعها، وتحريرها من تأثير دولة المقر، أو أي تأثير آخر، لأن تحرر الجامعة العربية واستقلاليتها، من شأنه أن يجعل قراراتها نافذة على المستوى الإقليمي والدولي، وسيرفع من فعاليتها ويعزز من قدرتها التفاوضية في الداخل والخارج، وإذا ما تحقق ذلك صارت الجامعة العربية جامعة لا طاردة ودافعة…

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.