شعار قسم مدونات

عن بُؤس النساء!

مدونات - امرأة عربية
لا زلت أذكر عندما أخبرتني إحداهن كيف أنها تعمل حتى تصرف على البيت بعدما توفي والدها، لم تكن الكبرى بين أخوتها لكنهم جميعا تزوجوا وأنجبوا، وبقيت هي الوحيدة بدون زواج وقد بلغت الأربعين. اعتراني الحزن وقتها على حال تلك الفتاة لأنها لا تتمتع بحياة خاصة حتى وإن كانت غير متزوجة فلا أوقات ممتعة ولا أيام مختلفة عندها، لكنني اليوم أنظر إليها بطريقة مختلفة، أنظر إليها كمناضلة حقيقية تستحق أن تكون مثالاً لكل فتاة.
 
في مناسبة كـ "يوم المرأة العالمي" لا يدور في فكري سوى نساء الحروب في سوريا واليمن وفلسطين وغيرها.. المكلومات بأبنائهن وأزواجهن وآبائهن وأمهاتهن، أولئك اللاتي يعشن يومياً حصار القصف والموت والجوع دون أن تنبس للعالم كلمة على الجرائم التي تقع عليهن وعلى ذويهن.
 

في مناسبة المرأة العالمي، تتساقط أمام عيني صور لأولئك النسوة في بلدان الجوع والفقر المدقع واللاتي لم يتغير حالهن منذ عقود.. في أماكن من العالم حيث يُعد حصولهن على ماء للشرب ليس بالضرورة نظيفاً حلماً سعيداً وقمة الطموح. وهو نفس الوقت الذي يبقى فيه العالم يتكلم باسمهن في يوم ما في السنة.

 

لا أرى في الاحتفال بهذا اليوم "يوم المرأة العالمي" أي فائدة حقيقية تذكر حتى اليوم، لأن أحوال النساء والفتيات والطفلات في العالم ما تزال كما هي وتزداد سوءا أحياناً، حتى في الدول المتقدمة

ولا تغيب عن فكري في هذا اليوم نساء الطبقات الاقتصادية المتهالكة في بلداننا العربية، اللاتي لا يعرفن أصلاً أنهن من ضمن تلك الطبقة، لأنهن مشغولات بعوالمهن اليومية إما بأعمال ومهن تستنفذ طاقاتهن وتفكيرهن، وإما برعاية أطفالهن في ظل أوضاع معيشية واقتصادية أدنى مما تخيلن في يوم ما.

 

في يوم المرأة العالمي اختار جوجل عبر صفحته الرئيسية لمحركه البحثي أن يسرد قصصاً لنساء طبيعيات تحكي كل واحدة فيهن عن امتنانها لواحدة أو أكثر من النساء في حياتها ممن كن عوناً لها لتكون على ما هي عليه الآن، ولتحقق ما رغبت بأن تحققه.

 
بينما اختار فيسبوك أن يهنئني على واجهة حائطي بمجرد فتحي للموقع وأن يقدم الامتنان للنساء الداعمات في العالم، مطالباً مني أن أشيد بمن ساندني وألهمني وقادني للأفضل. وفي الموقعين لم ينسيا أن تكون هناك نسوة محجبات بين الصور اعترافاً منهم بالوجود الطبيعي للمسلمات في المجتمع الأمريكي وهو وإن كان موضوعاً مختلفاً عن موضوع يوم المرأة العالمي، إلا أنه يعتبر أمراً مرضياً للنساء المسلمات في أمريكا.

 

undefined

 

وبينما لا أرى في الاحتفال بهذا اليوم أي فائدة حقيقية تذكر حتى اليوم، لأن أحوال النساء والفتيات والطفلات في العالم ما تزال كما هي وتزداد سوءا أحياناً، حتى في الدول المتقدمة والتي تتوفر فيها حد جيد من الرفاهية للإنسان، ما تزال المرأة تضطهد براتبها الأقل في العمل، وظروفها الصعبة وعدم مساواتها مع الآخرين، فلا تغيير حقيقي يسجل لأوضاع النساء حول العالم على أرض الواقع.

 

في نيويورك ولوس آنجيلوس وواشنطن تظاهرت أكثر من 600 آلاف امرأة للتنديد من جديد بسياسات الرئيس ترمب وبشكل خاص لرفض استغلال المرأة وتعرضها للتحرشات الجنسية بشكل مستمر ومسكوت عنه، ولدعم حملة #metoo و #timeisup ، ورغم نجاح الحملة وآثرها في كشف العديد من حوادث الاغتصاب والتحرشات ضد النساء… إلا أنه وفي العالم المتقدم ما تزال المرأة محاطة بهالة من البؤس والظلم والاستغلال، لكنهن على الأقل يتحركن بطريقة حضارية للفت أنظار العالم لقضية تؤرق حياتهن الأمريكية الوادعة إلى حد ما.

 

وفي الجهة الأخرى من الكوكب الأرضي.. ماذا صنعت المرأة العربية تجاه قضاياها الشائكة والمتعددة ما بين حروب تعيشها أو ظروف اقتصادية وأحوال اجتماعية لا تجعل حياتها يسيرة بأي حال من الأحوال، فيما يكتمل المشهد المضحك المبكي في مؤتمرات النسوية شبه دائمة الانعقاد للناشطات بحقوق المرأة.. الفاعلات في المجتمع.. المرتديات أجمل الثياب والمتناولات لأطيب الطعام وأفخره في فنادق سعيدة حيث يتناولن أوضاع النساء المُعتّرة في بلدانهن.

 

ولا نبتأس كثيراً ونحن نشعر بصيغة المبالغات تعترينا، فها نحن مثلاً في أحسن حال، نأكل ونشرب ونعيش حياتنا بشكل طبيعي، ونشعر أن أحوال تلك النساء من حول العالم استثناءات بعيدة عنا، ونستيقظ صباحاً لنشاهد برامح تهتم بصحة المرأة ورشاقتها وجمالها وشكل حياتها المتكاملة، إضافة الى برامج الطبخ والرياضة والمسلسات الترفيهية التي تنسي المشاهد والمشاهدة ما يجري خارج شباك بيته، فبأي حال سنحدث أي تغيير يذكر على أوضاع النساء في عالمنا العربي "مثالاً" إذا ما كانت أوضاعها أصلاً تقع ضمن منظومة الحرب والحصار والجوع الواقعة على الرجل مثلها تماماً؟ وعلى من يضحكون كل عام بيوم عالمي للمرأة؟