جدوى الوجود

blogs تأمل

إن مِنْ أعظم الأسئلة التي تُتعب فكر المفكّرين وتحيّر ألباب الحكماء والفلاسفة سؤال بديهي وغاية في العمق في آن: ما جدوى الوجود؟ هل هناك للكينونة الحيّة والجامدة معنى؟ وإن كان هذا المعنى موجودًا بالفعل، فهل يمكننا الإحاطة بكنهه؟  لماذا خُلِقْنا؟ ما الغاية التي من أجلها ظهرنا من حيّز العدم إلى حيّز الوجود؟ ما كل هذا المشهد الذي نراه بأمّ العين بكلّ سهولة ويُسْرٍ، وفي نفس الوقت يظلّ عصيًّا على التفسير والاستيعاب؟ إنّها أسئلة عامّة يطرحها الأطفال والمراهقون والشباب والكهول والشيوخ، ويطرحها الرجال والنساء، وتطرحها الأمم في مشرق الأرض وفي مغربها، منذ آلاف السنين وحتّى يومنا هذا.

 

ولعلّنا، وسط المشاغل والاهتمامات والهموم التي تلاحقنا في حياتنا اليومية، لعلّنا نغفل عن مسألةٍ بديهية تنجلي في لحظة صفاء ذهني بعيدًا عن كل هذه المُلْهِيات: إننا في كل لحظات حياتنا نعلن موقفنا من جدوى الوجود. فالدوافع والحوافز والمثبّطات، التي تلازمنا في مسيرة الحياة، كلّها تنبع من الطريقة التي ننظر بها إلى جدوى الوجود. فمنّا من يعي هذا الأمر ويربط دومًا بينه وبين الحياة اليومية، ومنّا من يغفل عنه كليًّا في غمرة الزحام واللهاث. ولكنّ هذا الإغفال لا يعني غياب الموقف، وإنما يشير إلى أن المرء يسير بشكلٍ تلقائي وعفويّ، دون تكبّد مشقّة التفكير والتأمّل.

 

لا يمكن لإنسان آلي على نفسه أن يسبر أغوار الفكر وأن يتعمّق في أسرار المعرفة، لا يمكن له أن يعتنق معتقدًا شاذًّا مضطربًا، فضلًا عن كونه فاسدًا بشكلٍ قطعيٍّ لا يرقى إليه الشكّ

وكما هو معهودٌ ومألوفٌ في كلّ شؤون وشجون الكون، فإن الناس في موضوعنا هذا يذهبون مذاهبًا شتّى ويتّخذون مقاصدًا عدّة. لكنّنا لو تأمّلنا قليلًا وأعمَلْنَا التفكّر بعض الشيء، لتبيَّن لنا أن الناس، وإن تباينوا واختلفوا وساروا في مسارات بعيدة عن العدّ والحصر والإحصاء، فإنّهم، في هذا الأمر، يتوزّعون ويتناثرون في كل الاتجاهات، لكنهم، في النهاية، وبنظرةٍ فاحصة متمعّنة ومتعمّقة، يقعون في تجاذب بين قُطبَيْنِ لا ثالث لهما (وهذا التجاذب هو الذي يخلق هذا العدد الذي لا حصر له من المذاهب والمقاصد).

 

فقطب "الجدوى" يدفع الناس إلى إنكار الوجود الحسيّ الماديّ إنكارًا لا يقيم وزنًا إلا لعالم الروح. فهؤلاء قومٌ تَرَوْحَنَ عندهم الكون تَرَوْحُنًا دفعهم إلى اعتزال كل الشؤون الدنيوية والإقامة في الصوامع والأديِرة والزوايا. وقُطْبُ "الوجود" هو الذي قد استَحْوَذَ العالم المادّي الحسّيّ على بصره وبصيرته، فأضحى لا يعترف إلا به، وينكر كل ما عداه، قاطعًا الطريق بشكلٍ نهائي أمام أيّ استحضار للمعنى، أو حتى لجزءٍ يسيرٍ منه. فلا معنى لشيء. ولا جدوى من أي شيء. و"الوجود" كله ما هو إلا عَبَثٌ في عَبَثٍ، وما على "الجدوى" إلا أن تتنّحى كليًا ونهائيا وأن تكفّ عن إقحام نفسها فيما ليس لها فيه ناقة ولا جمل.

 

 وإننا، وإن كنّا لا نملك إلا أن نلهج بالثناء لقطب "الجدوى" لنبل مداركه وسعة أفقه وكرم مقاصده، فإننا لا نستطيع إلا أن نلومه لومًا عنيف النبرة وأن نشدّد عليه النكير في غلوائه التي دفعته إلى الانحراف عن الطريقة الوسطى، مما فتح الباب على مصراعيه لتعطيل مصالح الخلق وللاصطياد في الماء العكر. على أن قطبًا بلغ لديه الترَوْحُنُ مداه هو بالضرورة قطب يعترف بالروح المسبّبة لكلّ الأسباب والموجِدة لكل الموجودات: روح الله العظمى. وهذا مما يحسب لهذا القطب، لا عليه.

 

أمّا قطب "الوجود" فليس له منا إلا بالغ التقريع وشديد التوبيخ. وإنّنا، وإن كنا نستطيع أن نتفهّم انتماء مَن هم من الغوغاء والدهماء إلى هذا القطب، فإننا نستغرب أشدّ الاستغراب كيف يرضى بعض أرباب الفكر وأولي الحِجى وأصحاب النباهة، كيف يرضون لأنفسهم إسفافًا كهذا الذي يضعون أنفسهم فيه؟ وَيْحَ القوم، كيف يستقيم لهم قولٌ بعد إقرارهم الإيمان بالعبث عقيدة ومنهاجًا؟ فأوّل ما يترتّب عن هذا المسلك، بالضرورة وبالبرهان الجليّ الذي لا مجال لردّه، أول ما يترتّب عنه هو إلحاد معتنقه.  ذلك لأنّ العبث ينسف فكرة الخالق من أساسها، ويقوّض الدعائم التي تقوم عليها كل منظومة التوحيد الإيمانية.  فالعبث إنكار للمسبب واعتراف بالسبب وحده منقطعًا عن أي مسبب، وإنكار للموجد واعتراف بالوجود وحده منبترًا عن أي موجد.

 

لا يمكن للحياة البشرية أن تمضي قُدُمًا إلا بوجود المعاني. فغياب المعاني يحوّل الحياة البشرية إلى جحيم لا يُطاق
لا يمكن للحياة البشرية أن تمضي قُدُمًا إلا بوجود المعاني. فغياب المعاني يحوّل الحياة البشرية إلى جحيم لا يُطاق
 

ثُمّ كيف يريد فلاسفة العبث وحكماؤه أن يدافعوا عن المعاني والقِيَم، وهم ينادون بما ينسف المعاني نسفًا وبما يذر القِيَم قاعًا صفصفًا؟ إنّ أي قول لأي مفكّرٍ من حزب العبث في قيمةٍ ما أو في معنى من المعاني، هو قول مردود على صاحبه، لأنه يحمل في معتقده (وهذا حقه) ما يدحض أي قيمة وما يدكّ أي معنى دكّاً. لذلك إِنْ جاء أحد من هذا الفريق مناديًا بالحق والخير والجمال، ومنافحًا عن العدالة، ومهاجمًا الاستبداد، فإن أي طفل لم يبلغ الحلم يستطيع أن يقول له بكل حروف الأبجدية: قولك مردود عليك يا هذا. ويحك! أتتّخذنا هُزُوًا؟ أما تقول إن العبث هو سيد السادات والحاكم الذي لا يُعْصى أمره؟ فما جدوى الثواب والعقاب؟ وما جدوى الخير والشر؟ وما جدوى العدالة والظلم؟ أما تقول إن كل شيء عبث في عبث؟ 

 

على أن أخطر ما في عقيدة العبث ليست العقيدة بما هي عقيدة، وإنما النتائج الكارثية التي تترتب عنها.  وهذه النتائج، وإن خفيت على الأغرار الجهلة، فإنها لا تخفى على النبهاء الأذكياء من أصحاب الأذهان المتّقدة والعقول اللامعة. وهنا مناط العجب والتعجب: كيف يتأتّى لمن يتمتّع بقدرات عقلية وفكرية فائقة أن يذهب بعيدًا في الغيّ والضلالة؟  فإن المرء حين ينادي بالعبث، فإنه، بعبارة أخرى يقول: العدل والظلم عبث، والإحسان والإساءة عبث، والجود والشح عبث، والقتل والإحياء عبث، والعلم والجهل عبث، وقس على ذلك. فهل توجد عقيدة تضفي على الفوضى شرعية غير عقيدة "العبث". وإن في إضفاء الشرعية على الفوضى لدعوةً صريحةً إلى اختلال نظام الكون وإلى إحلال شريعة الغاب كحاكم مطلق بين البشر.

 

لا يمكن للوجود أن يستقيم إلا في ظلّ الجدوى، بغضّ النظر عن ماهية الجدوى (وهذا مبحث آخر). ولا يمكن للحياة البشرية أن تمضي قُدُمًا إلا بوجود المعاني. فغياب المعاني يحوّل الحياة البشرية إلى جحيم لا يُطاق ويقدّم المسوّغات لكل أصحاب الجرائم والجنح والجنايات، بكل أنواعها.  ولا يمكن لإنسان آلي على نفسه أن يسبر أغوار الفكر وأن يتعمّق في أسرار المعرفة، لا يمكن له أن يعتنق معتقدًا شاذًّا مضطربًا، فضلًا عن كونه فاسدًا بشكلٍ قطعيٍّ لا يرقى إليه الشكّ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان