أخْلَقَة الخطاب الديني

إنها لمفارقة مثيرة أن نتحدث عن "أخلقة" الخطاب الديني الذي يحمل في جوهره قيمه الأخلاقية التي يدعو الناس إلى الالتزام بها. لكنّ المتأمل لطبيعة هذا الخطاب يكتشف الحاجة الماسة إلى إعادة مراجعته وتقييمه بناء على المفارقات الكبيرة بين النظريات التي يستند إليها هذا الخطاب، والتطبيقات التي تتجسد على أرض الواقع خروجا من صلبه.

 

تحدّث كثيرون من قبل عن أخلقة مجالات أخرى رأوا أنها ابتعدت كثيرا عن روح القيم التي ينبغي على الإنسان أن يتحلى بها، ومن ذلك الخطاب السياسي الذي أصبح أسير ماكيافيلية خانقة، تجعل من الغايات معيارا تتلاشى كل القيم والاعتبارات الإنسانية أمامه.

 

وتحدّث آخرون عن أخلقة النظام الاقتصادي الذي منح في صيغته الرأسمالية الليبرالية صك بياض لأرباب الأموال كي يستعبدوا شعوبا ودولا، ناهبين ثرواتها ومشيعين الفوضى بين أهلها، إلى درجة أن الإنسان نفسه لم يعد يملك أدنى قيمة وجودية إذا كان وجوده نفسه يتعارض مع أطماع أرباب الأموال ويصبح عائقا دون تحقيقهم مزيدا من المكاسب والمصالح. وتحدّث مثقفون ومفكّرون -منذ قرون- عن أخلقة المنهجية العلمية المعرفية، حتى لا تقع أسير أيديولوجيا ضيّقة تضيع معها الحقائق المعرفية المجرّدة.

 

أضحى الخطاب الديني براغماتيا مصلحيا نفعيا، تحكمه جاذبيتا الرغبة والرهبة، أسيرا لأهواء سياسية أو مذهبية، لا يجد حرجا في توظيف ما يشاء من النصوص لدعم ما يدعو إليه

وعندما كتب أبو حامد الغزالي مصنّفه الشهير "تهافت الفلاسفة"، وحاول بيان بطلان مذاهبهم في كثير من المسائل وقاده ذلك إلى تكفيرهم، سلك مسلكا أيديولوجيا يتدثّر بعباءة معرفية -باعترافه هو نفسه – فاضطر ابن رشد في ردّه عليه في كتاب "تهافت التهافت" إلى تذكيره بأن هذه الطريقة في مناقشة الأفكار غير حميدة، وأن العلم فضيلة خلقية ينبغي على الباحث فيه الوصول إلى الحق، لا مجرّد التشغيب.

 

ولا يسعنا اليوم ونحن نرى طبيعة هذا الخطاب الديني الذي تصدره مؤسسات رسمية تتبع الدول، أو رجال دين مستقلون ينضوون تحت عباءة تنظيمات أو جماعات، أو حتى أشخاص يدّعون الاستقلالية والتجرد، إلا أن نطالب بإلحاح بضرورة "أخلقة" هذا المسلك الذي انحرف عن غايته الأولى نفسها: تهذيب الأخلاق.

 

لقد أضحى الخطاب الديني براغماتيا مصلحيا نفعيا، تحكمه جاذبيتا الرغبة والرهبة، أسيرا لأهواء سياسية أو مذهبية، لا يجد حرجا في توظيف ما يشاء من النصوص لدعم ما يدعو إليه، وتجاهل النصوص التي لا تتفق مع هواه، قافزا على أصول الدين نفسها التي تأمر بالعدل والإنصاف والعدل في الشهادة والحكم، ولو على الأقربين أو الخصوم.

 

تجلّت هذه المعضلة في تاريخ الإسلام ابتداء من معركة صفين، وانقسام الناس إلى فسطاطين يتقاتلان استنادا إلى الشرعية الدينية نفسها (وليس هذا مجال الحديث عن المصيب من المخطئ)، وقد حمل الفريقان المصاحف ذاتها، ونظرا لذلك تحول القتال من "معركة التنزيل" (أي حمل الناس على الإيمان بالقرآن المنزل) إلى "معركة التأويل" (أي حمل الناس على الإيمان بوجه من وجوه ما يدل عليه القرآن).

 

وينقل الرواة والمؤرخون في هذا المعنى ما كان يرتجز به عمار بن ياسر في صفّين، وقد كان مواليا لعلي بن أبي طالب، حيث واجه جيش معاوية بن أبي سفيان وهو يقول:

 

نحنُ ضربناكُم على تنزيلهِ

ثمّ ضربناكُم على تأويلهِ

ضربًا يُزيل الهامَ عن مقيلهِ

ويُذهلُ الخليل عن خليلِه

أو يرجعُ الحقُّ إلى سبيلهِ

 

وقادت "معركة التأويل" إلى صراعات كبيرة تمخضت عنها كل الطوائف والمذاهب -بما فيها الفقهية- حيث يدّعي كل مذهب أن ما يفهمه من النصوص الدينية هو الصحيح، وأن خصومه أخطأوا الفهم وحادوا عن الصواب.

 

كيف يمكننا في ظل هذه الفوضى المعرفية التي تستند إلى النصوص ذاتها ألا نشعر بالحيرة ونحن نرى أن المتحمسين لثورات الربيع العربي يشهرون في وجه خصومهم المصاحف ذاتها التي يرفعها المنحازون إلى الأنظمة السياسية المستبدّة ويتهمون الثائرين بالمروق عن الدين، فيما يتهمهم الثائرون بالركون إلى الظلمة؟

 

لعلّ الدعوة لأخلقة الخطاب الديني وتحييده عن الصراعات المذهبية والطائفية والسياسية تنجح في الحفاظ على ما تبقى من مصداقيته، وتعيده إلى مساره الأول الذي انحرف عنه
 

وكيف لا نشعر بالأسى ونحن نرى حربا سنية شيعية في الأفق القريب، تتغذى على التاريخ وتنفخ فيها الأحقاد والكراهية، مسنودة بالأهواء السياسية للأنظمة التي يصر كل منها على شيطنة الآخرين ولو كانوا يشاركونهم الوطن ذاته، ثمّ يسعرّها شيخ من هنا بفتوى أو نص، ويغذّيها مُعمّمٌ هناك بفتوى ونص آخر.

 

لعلّ الدعوة لأخلقة الخطاب الديني وإعادة مراجعته وتحييده عن الصراعات المذهبية والطائفية والسياسية تنجح في الحفاظ على ما تبقى من مصداقيته، وتعيده إلى مساره الأول الذي انحرف عنه: تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس، حيث يصبح الإنسان شخصا أفضل تحكمه قيمٌ تجعله يحترم بني جنسه ويكفّ لسانه ويده عن دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

 

كتب المستشرق النمساوي إغنتس غولدتسيهر "مذاهب التفسير الإسلامي"، وقال إنه "يصدُق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة بيتر فيرنفلس Peter werenfels "كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدّس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه".

 

ويبدو أن الطريق إلى "أخلقة" الخطاب الديني سيمر حتما عبر "تحرير الدين" نفسه، والذي صار أسير أهواء المتكلّمين باسمه، حتى يتعالى على الأشخاص والطوائف والمذاهب والتوجّهات السياسية التي تصرّ على التشبث به، طمعا في أن تغسل السماء أدران ما يُقترفُ من مآسٍ فوق الأرض.



حول هذه القصة

أغلقت الأسهم الأميركية منخفضة أمس الأربعاء بعد أن تعرضت لموجة مبيعات بأواخر الجلسة بسبب القلق من زيادات أسعار الفائدة، وسجل داو جونز وستاندرد آند بورز أسوأ شهر منذ 2016.

1/3/2018

شنت طائرات النظام غارات جوية مكثفة استهدفت اليوم الخميس مدنا وبلدات في الغوطة الشرقية بريف دمشق، في خرق لهدنتي مجلس الأمن وروسيا، وسط تبادل للاتهامات بشأن خروج المدنيين.

1/3/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة