لولا إذ سمعتموه!

مدونات - طارق رمضان
طارق رمضان داعية إسلامي سويسري من أصول مصرية، متخصص بالفكر الإسلامي يعمل بروفيسورا في جامعة اكسفورد، وفي جامعات عديدة أخرى، مؤثر في الغرب وفي غير المسلمين على الخصوص، استطاع بثقافته الواسعة من جهة، وطلاقة لسانه باللغتين الفرنسية والإنجليزية من جهة أخرى، أن ينقل الفكرة الصحيحة عن الإسلام والتي طالما حاول الغرب بإعلامه تغطيتها والتعتيم عليها، لإيهام العالم بأن ما يسمونه (الحضارة الغربية) هي النموذج الصحيح والوحيد الذي يُصلح العالم، لا سيما مع تهاوي هذه (الحضارة) وبيان عَوَرِها وعدم قدرتها على الاستمرار، وارتفاع أصوات متعددة تطالب بنظام آخر يحقق العدالة ويبني الإنسان الصالح.
  
يبدو أنه لم يرق لـ (العالم المتحضّر) ما يقوم به طارق رمضان وقد غزاهم في عقر دارهم ولم يجدوا تهمة له إلا أن تقوم امرأة أربعينية تُدعى(هند عياري) بتقديم دعوى ضده باغتصابها! وللعلم فإن هذه الحادثة المزعومة قد تمت بحسب روايتها عام 2012 ! ثم ألفت كتابها في الحادثة عام 2016 ثم كشفت عن الاسم الحقيقي للفاعل بداية 2018 ! وها هو الرجل قد أُودع في السجن اليوم بتهمة اغتصاب هذه الفتاة وفتاة أخرى لم يُكشف عن اسمها! و(هند عياري) لمن لا يعرفها تدعي أنها كانت سلفية ثم خلعت حجابها وكثيرا ما تلبس اليوم ثيابا فاضحة وتقود اليوم (جمعية النساء المتحررات) في فرنسا! كل شيء يشير إلى أنّ القصة ملفقة مدبّرة للعبث بسمعة الرجل وإنهاء دوره بعد أن فضحهم وآلمهم في عقر دارهم "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ".
  
وللعلم فأنا لم ألتقِ بالرجل في حياتي ولا شيء يدفعني للدفاع عنه إلا ديني، حديث الإفك والذي رُميت به أمُّنا العفيفة الطاهرة عائشة لم يُثبت في القرآن عبثا وإنما لحكمة ودلالة عظيمتين، ولتربية المجتمع المسلم إلى يوم القيامة أمام كل حديث إفك بحق رجل أو امرأة. والقرآن الكريم إذ يتحدث عن هذه الحادثة فإنه يقسم الناس أمام هذه الحادثة إلى أربعة أقسام:
        

المفكر السويسري ذو الأصول المصرية
المفكر السويسري ذو الأصول المصرية "طارق رمضان" حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين "حسن البنا"
    
القسم الأول: سارعوا إلى التكذيب ومنهم كما ورد في السير أبو أيوب الأنصاري وزوجه أم أيوب رضي الله عنهما، فقد وصفوه عند سماعه بأنه إفك وبرؤوا السيدة عائشة مما نُسب إليها في الحال. وهؤلاء أثنى عليهم القرآن الكريم أعظم ثناء "لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ" (12) ومن اللطائف القرآنية قوله تعالى: "ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ" ولم يقل ( بإخوتهم) لأن أخاك هو نفسك، لأنك تعيش معه ولأن سمعته هي سمعتك، لذلك تظن بأخيك خيرا فتكون قد ظننت بنفسك خيرا. ومن أعجب العجب في هذا الزمن أن تجد اليوم من الملتزمين والمسلمين من يخوض في عرض الرجل دون أي دليل، فقط لأنه لا يقتنع بمنهج الرجل! ألهذا الحد وصلت بنا التحزبات المقيتة!
  
القسم الثاني: عندما رُميت السيدة عائشة بالإفك حموا أسماعهم وألسنتهم فسكتوا ولم ينطقوا إلا بخير، لم يصدقوا ولم يكذبوا.
القسم الثالث: كانوا جملة من المسلمين لم يصدّقوا ولم يكذّبوا ولم ينفوا، ولكنهم يتحدثون بما يقوله أهل الإفك، ينقلون مجرد نقل وهم يحسبون أن الكلام بذلك هيِّن لا يعرِّضهم لعقوبة الله، لأن ناقل الكفر ليس بكافر وحاكي الإفك ليس بقاذف! قال تعالى: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ"
       

الكاتبة الفرنسية
الكاتبة الفرنسية "هند عياري" التي اتهمت "طارق رمضان" باغتصابها، وهي ذات أصول تونسية
     

القسم الرابع: وهم الذين جاؤوا بالإفك وعلى رأسهم زعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سَلول، هؤلاء أشار الله إلى موتهم على الكفر وأنه لن يقبل منهم وأنه أنزل عليهم لعنته في الدنيا والآخرة: "إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" وممّا يلفت النظر في هذه الآيات قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" ولم يقل: إن الذين يشيعون الفاحشة ، فهؤلاء مفروغ من أمرهم وعقوبتهم عند الله كبيرة، لكن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هؤلاء أيضا لهم عذاب أليم عند الله عز وجل  في الدنيا وفي الآخرة، لأن المسلم موقفه أن يستر لا أن يفضح، لأن المؤمن موقفه أن يغطي عورة أخيه لا أن يكشفها، فالذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا أو يقف منها موقف المتفرج وقد امتلأ قلبه فرحا بإشاعة تلك الفاحشة في المؤمنين يستحق عذاب الله في الدنيا والآخرة، فكيف إن كانت تلك الفرية صادرة عن أعداء الدين! ثم تجد من بني جلدتنا من يفرح بقلبه لفضيحة أخيه، لأنه يخالف منهجه أو لأنه سليل أسرة تخالف منهجه!

  
أخي الحبيب: كن من القسم الأول فدافع عن أخيك أو من الثاني فأمسك لسانك مع ألم في قلبك لسمعة أخيك والمسلمين، وإياك أن تكون من القسم الثالث ينقل الأخبار ويتحدث بها أو من الرابع يتولى كبره أو يغتبط لما حدث من إساءة لأخيه!
  
وأخيرا فقد اقتضت حكمة الله أن يبزغ الخير من ثنايا الشر، لذلك كان ابتلاء أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بحديث الإفك خيرا كبيرا لهم، حيث كتب الله لهم به الأجر العظيم وهذه عبرة لكل مؤمن ممتحن أو مبتلى، قال تعالى: "لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" والحمد لله رب العالمين