شعار قسم مدونات

رحيل..

مدونات - امرأة في المطار
كانت الشنط المكدسة بالثياب والمونة والجبنة البيضاء والملوخية المجففة وأغراض كثيرة تقف أمامها على عربة نقل الحقائب في المطار، عيناها تلاحقان طفلها الذي بدأ بالمشي وكلها قلق وتوتر من رحلتها الأولى على الطائرة ومن مجهول ينتظرها. 
 
الفيزا أخذت من عمرها عمرا وهي تنتظر، والناس لم تتركها في حالها، قلق وراء قلق طوال سنة ونصف لكنها في النهاية حصلت على الفيزا وبدأت تشد الرحال لتلحق بزوجها في أميركا.
كان الرحيل ثقيلا، ودعت الجميع بصعوبة وفي عقلها صور لبيت يؤويها مع زوجها ليصبح اسمه "بيتي وغرفتي ومطبخي"، وكل تلك المؤشرات التي تدعو لقليل من الاستقرار والراحة وإن كانت في الغربة.
 
كان الرحيل شاهدا على مرارة الحال، دبّر زوجها ثمن التذكرة من هناك ودبّرت هي كثيرا من المصاريف الأخرى لمشاوير الفيزا وشراء أغراض هامة ومونة قد لا تجدها هناك، وأمها تؤكد أن بلاد الأجانب ما فيها "ملوخية"، سألت كثيرا جارة لها أخت في أميركا عن ماذا تأخذ معها، فسردت لها قائمة طويلة وأكدت عليها: لا تنسي إبريق الماء للحمام فالأجانب لا يستنجون".
 

كان الرحيل صعبا، بكت كثيرا وهي تودع والدها ووالدتها وأخوتها، ظلوا يبكون وهم يحضنون الطفل الصغير الذي اعتادوا على ضحكاته، وها هي تغيب عنهم لتسافر عبر القارات.

مزحت والدتها للجارة: "هل تأخذ معها ربطة خبز؟ تعرفين الخبز أصبح غاليا وفي أميركا ما عندهم خبز عربي وخبز مشروح"، ضحكت الجارة واستهزأ والدها بالنكتة التي تؤرقه بشكل يومي وهو يجلب الخبز للبيت بعد ارتفاع أسعاره والناس قيامتها قامت على هذا الارتفاع.

 
ورغم اللحظات المضحكة التي مرت عليها وهي تعد الحقائب وتبيع بعض الحاجيات التي لن تعود لها مرة ثانية، لكن ظلت تتذكر شعورها بالقهر وهي الفتاة الجامعية التي درست واجتهدت في تخصصها بكلية العلوم وقدمت للعمل لديوان الخدمة المدنية وللمدارس الخاصة دون جدوى.
 
تزوجت شابا حصل على الجنسية الأميركية من زواجه بسيدة أمريكية، الجميع أكدوا لها أن هذا ما يفعله كل الشباب هناك وهو أمر عادي فوافقت وتزوجا ثم سافر لكي تلحق به فيما بعد. قال لها وهو يحادثها على أحد التطبيقات على الهاتف: "جهزتُ البيت بقليل من الأثاث بانتظاركم، ودّعي أهلك لأننا قد لا نتمكن من العودة لوقت طويل إلى البلاد حتى تحصلين على الجرين كارد، أصلا الأحوال المادية هنا أصبحت سيئة والتذاكر غالية، وغالبية الناس هنا صاروا مثلي يعملون لـ"أوبر" وللشركات التي تشبهها في إيصال الناس، الوضع المادي صار أصعب".
ظلت تفكر في كلماته الأخيرة وهي تركب الطائرة: "الوضع المادي صار أصعب؟ يعني حتى في أميركا التي راحت صديقاتها يحسدنها لأنها ذاهبة إليها لن يكون هناك راحة مادية، أي حظ لها في هذه الحياة؟!". "أميركا أحسن"، أكد عمها وهو يسهر عندهم ليلة ما قبل السفر… "لا تخافي يا عمي بتتيسر وبكرة بيلعب جوزك بالمصاري لعب، هناك بيقولوا الوضع منيح والناس مكيفة" فابتسمت وهي تعرف أن عمها لا يعرف.
 
كان الرحيل صعبا، بكت كثيرا وهي تودع والدها ووالدتها وإخوتها، ظلوا يبكون وهم يحضنون الطفل الصغير الذي اعتادوا على ضحكاته وملاعبته اليومية، هو الحفيد الأول وفرحة الابنة الأولى، وها هي تغيب عنهم لتسافر عبر القارات.
  
رحلت عن وطن متهالك يؤرق فيه رغيف الخبز أباها الموظف المتقاعد، وتنسيه أسطوانة الغاز كلمة صباح الخير عندما تعد له زوجته القهوة وتطيل غليها
رحلت عن وطن متهالك يؤرق فيه رغيف الخبز أباها الموظف المتقاعد، وتنسيه أسطوانة الغاز كلمة صباح الخير عندما تعد له زوجته القهوة وتطيل غليها

لم يسألها أحد عن مشاعرها وهي تغيب بين جموع المسافرين، لم يكن متوقعا ألا تكون فرحانة وهي تغادر الوطن إلى زوجها، فالطبيعي أن تفرح وتطير سعادة على الأقل بالتجربة الجديدة، والبلاد الجديدة، وفي الحقيقة لم يكن هناك شيء مهم، طالما أن الجميع يتوقع لها كل ذلك. أما هي فكان الرحيل وجعا يمنع ابتسامتها في وجه طفلها، إحساس له طعم مر وهي تودع ناسها والأماكن التي اعتادتها والحياة البسيطة الوادعة بين أهلها وإن كانت تنغصها الأوضاع المادية الصعبة عندهم.

الرحيل عن وطن متهالك يؤرق فيه رغيف الخبز أباها الموظف المتقاعد، وتنسيه أسطوانة الغاز كلمة صباح الخير عندما تعد له زوجته القهوة وتطيل غليها. وطن لم يحضن فيها طموحها ولا حتى طفلها الذي كانت إذا مرض تستجدي الاهتمام والرعاية من مركز صحي بائس في منطقتها. وطن اضطر زوجها الجامعي للذهاب إلى أميركا وتدبير زواج زائف للحصول على الجنسية لكي يتمكن من العيش بكرامة في غير بلاده.
الرحيل كان صعبا، لكنه يحمل لها أملا وتغييرا ما في الأفق.. على الأقل أقنعت نفسها بذلك وهي تمسك بطفلها في حضنها وتشد عليه حزام الأمان والمضيفة تبتسم في وجهه الصغير.. ثم تركت تفكيرها وهمومها تطير على أجنحة الطائرة ناحية السماء.