"الإنسان" في رواية مرايا الجنرال

blogs رواية مرايا الجنرال
تسافر بنا بعض الروايات إلى عوالم تنعش فينا فضولنا لاستكشاف ما يدور في خيال الروائيين، تسافر بنا بواسطة لغة جذابة صوب منابع الكلمات، وتأخذنا نحو مضامين تتشابك فيها المواضيع والأحداث والأشخاص، لتعطينا في النهاية عملا لا نندم على اقتنائه، أو بالأحرى على قراءته.

 

يأخدنا الكاتب المبدع صوب أراض لغوية خصبة، ويقف بنا في محطات تكاد لا تنسى، لينتج في النهاية فكرة تترسخ في ذاكرتنا، وتدفعنا بشكل أو بآخر للتساؤل حول ماهيتنا، خصوصا عندما يكون المضمون مرتبطا بالإنسان. طارق بكاري واحد من هؤلاء الكتَاب الذين تمكنوا من ترويض اللغة لتنصاع لقريحتهم، وتمنحهم فرصة التعبير عما يجول في خيالهم، هذا الكاتب المغربي أبدع في روايته الأولى "نوميديا" شكلا ومضمونا، وها هو يتحفنا من جديد بروايته الثانية "مرايا الجنرال" التي صدرت عن دار الآداب سنة 2017.

شخصيات رواية "مرايا الجنرال" مرتبطة ببعضها البعض على نحو ما، هذه الشخصيات تتشابك في ما بينها، لتعالج مواضيع شائكة، مواضيع تنقل لنا الكائن الإنساني بشكل يبدو أقرب إلى الغموض

اعتاد طارق بكاري في كتاباته أن يغوص في أعماق الإنسان بأسلوب روائي مميز، أسلوب لا تملك أمامه إلا الانصياع للقراءة، وطلب المزيد من الأحداث، وهو أسلوب يمتزج فيه الأدب بالفلسفة، ويأخذك صوب منابع الكلمات، ويذكرك بليالي ديستويفسكي البيضاء، وبعبد الرحمان منيف، وعبثية ألبير كامو، كل ذلك يؤكد أن الرواية تستدعي الإحاطة بعالم الروائيين، ومن ثم ستجد لنفسك أسلوبا خاصا بك، هذا ما حاول بكاري الانطلاق منه، ولعل أحداث روايته التي بدأت فوق سطح باخرة ذكرتني برواية لاعب الشطرنج، التي تدور أحداثها فوق سطح الباخرة، من هذا المكان انطلق بكاري في تخليد أحداث "مرايا الجنرال".

تتعدد الأبعاد والمواضيع التي تناقشها رواية "مرايا الجنرال"، وتتشابك لتؤكد على أن فهم الكائن الإنساني أعقد مما نتصور، هذا الكائن يصعب احتواؤه، باعتباره يتشكل من عدة جوانب تكاد تلتقي، وفهمه لا يتم إلا بالإحاطة بهذه الجوانب المتشابكة، وبقدر ما تتشابك تُعقد من مهمة فهم الإنسان، تلك مسألة صعبة، لكن طارق بكاري حاول من خلال جنراله قاسم، والطبيبة ليلى، وجواهر وسيمون، أن يسلط الضوء على طبيعة الإنسان، من أجل أن يبرز مدى صعوبة احتواء حقيقته.

يصعب تحديد المجال الذي تنتمي إليه "مرايا الجنرال"، ذلك أنها تحاول دراسة الإنسان في علاقته مع ذاته، وفي علاقته بالمجتمع، ودور الذاكرة في تحديد طبيعته، والدور الذي تلعبه السياسة في اختيار مساره، ولعل رواية "مرايا الجنرال" تعالج هذه الناحية من طبيعة الإنسان، باعتبار أن المسألة السياسية أخذت حيزا مهما من الرواية، ولطالما كان للسياسة الدور الأبرز في تحديد ما يجب أن يكون.

حقيقة أن الطفولة تلعب دورا مهما في حياة الشخص، كما أكد ذلك سيغموند فرويد، جعلت بكاري ينطلق منها لتحديد شخصية الجنرال قاسم الذي اغتصبت أمه أمام عينيه، وقتل أبوه بنفس الطريقة، وتعرضت ذاكرته لمحاولة المسح، لكن تلك الأحداث كانت مخبأة في أعماق ذاكرته، ولقد لعبت الدكتورة ليلى دورا مهما في إعادة إحياة هذا الجزء المنسي من الذاكرة، ذلك الجزء كان يتلاعب بلاوعي الجنرال قاسم، ويجعله يتلذذ بالتعذيب والاغتصاب، وما زاد الطين بلة هو أن ذلك الطفل تم طمس ذاكرته من طرف المستعمر، وصنعوا منه آلة بشرية تستجيب لرغبات المستعمر.

الكاتب طارق بكاري (مواقع التواصل)
الكاتب طارق بكاري (مواقع التواصل)

شخصيات رواية "مرايا الجنرال" مرتبطة ببعضها البعض على نحو ما، هذه الشخصيات تتشابك في ما بينها، لتعالج مواضيع شائكة، مواضيع تنقل لنا الكائن الإنساني بشكل يبدو أقرب إلى الغموض، ومن ثم كان أمر فهم الإنسان بعيد المنال. لقد لعب الحب دورا بارزا في تحريك أحداث الرواية، الحب بين اليهودي سيمون وجواهر، هذا الحب رفضه المجتمع لا لشيء إلا لأنه جمع شخصين من ديانيتين مختلفتين. ليلوح في الأفق حب قاسم لجواهر، هذا الحب فيه نوع من الخضوع والطمع، ولم تجد جواهر أمامه إلا الانصياع، خصوصا بعد اعتقال حبيبها سيمون، هذا الحب الثلاثي كان سببا في ميلاد الدكتورة ليلى.

تأخذ الأضداد حيزا مهما من الرواية، وتتمثل في الصراع بين الخير والشر، والسيد والعبد، والحب والكره، هذه الصراعات تساير أحداث الرواية، لتؤكد على فكرة مفادها أن الإنسان شرير بطبعه، ويقول طارق بكاري في هذا الصدد: "الشر فطرة، والخير استثناء الوديعين". والإنسان في النهاية ما ينفك تنازعه أهواء الخير والشر، وفي الغالب تكون الغلبة للشر، إلا من حاول الارتباط بالخير.

اختيار عنوان "مرايا الجنرال" كانت له دلالات خاصة، إنه تعبير عن الرغبة في اكتشاف الذات، وفي استنطاق الذاكرة، وفي غرفة الجنرال قاسم، تجد المرايا مكانا مناسبا لها، لتذكره بحقيقة غامضة، حقيقة ظل يجهلها، وبسببها أصيب بانفصام يصعب احتواؤه، بين طفل غجري بريء، وجنرال تم تحديده من طرف المستعمر، هذا الجنرال وجد نفسه يتأرجح بين العودة إلى الذات، وبين السير على منوال المستعمر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان