تنتشر في أيامنا هذه "ظاهرة" كاميرات المراقبة، والتي عادة ما يقوم المواطنون؛ تجارا كانوا أو أصحاب منازل، بتثبيتها على المنشآت التابعة لهم أو في محيطها بغرض توفير مزيد من "الأمن" للمباني.. ولكن ومع مرور الزمن أمست تلك الكاميرات عاملا في الإيقاع بـ"المقاومة الفلسطينية"، وأصبحت خنجرا يُدس في ظهرها، دون قصد من أصحابها بطبيعة الحال.
فقد دأبت قوات الاحتلال "الإسرائيلي"، مؤخرا، على "اعتقال" كاميرات المراقبة من المناطق الفلسطينية، لا سيما الأماكن التي تشهد عمليات اقتحام واعتقالات ومواجهات، أو في تلك القريبة من موقع هجوم أو عملية تنفذها المقاومة الفلسطينية ضد أهداف "إسرائيلية".. وأبرز دليل على ذلك؛ استمرار اقتحام قوات الاحتلال للقرى والبلدات والأحياء الفلسطينية شمالي الضفة الغربية المحتلة لا سيما محافظتي نابلس وجنين، ومصادرة تسجيلات كاميرات المراقبة؛ عقب العملية الفدائية التي نفذها مقاومون فلسطينيون قتلوا خلالها "حاخاما" مستوطنا (كان مجندا سابق في جيش الاحتلال) غربي مدينة نابلس، حتى نفذوا عملية الاغتيال لمقاوم فلسطيني قرب جنين فجر الـ 18 يناير/كانون الثاني 2018.
| تقع على عاتق الفصائل الفلسطينية المقاومة مسؤولية نشر الوعي الأمني، ليس فقط بين عناصرها؛ وإنما أيضا بين الشعب الفلسطيني لكي يكون على جاهزية تامة لحماية ظهر المقاومة |
هنا لا بد من الإشارة إلى أن تلك الكاميرات أوقعت الكثير من المتاعب للمقاومة الفلسطينية، وكانت السبب المباشر في اعتقال عشرات المقاومين، وإفشال العديد من العمليات البطولية طبعا إلى جانب عوامل أخرى لا مجال لذكرها، ولكن بعضها "هفوات" -إن جاز التعبير- غير مقصودة من قبل المقاوم نفسه، هذا لأن لكل جواد هفوة.
وقد انتشرت دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي -مؤخرا- لحذف تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة على المنازل والمصانع والمحال التجارية، لـ"حماية ظهر المقاومة"، وعدم السماح للاحتلال بالوصول إلى منفذي عمليات إطلاق النار قرب نابلس، وسبقها دعوات في رام الله والقدس المحتلتين، وعلى إثر ذلك اعتقلت قوات الاحتلال فلسطينيا من إحدى قرى نابلس بعد أن داهمت محله التجاري لتجده قد قام بحذف كل التسجيلات عن جهاز التخزين الخاص بكاميرات المراقبة.
وذكر النشطاء أن مصادرة الاحتلال لتسجيلات الكاميرات يقدم "كمية كبيرة جدا من المعلومات المجانية للمخابرات الإسرائيلية للحاق بمنفذي العمليات واعتقالهم". وقالوا إن قوات الاحتلال ترسم خريطة اقتحاماتها في قرى الضفة وفق تتابع خطي لملاحقة المقاومين، بعد تنفيذهم العمليات الفدائية.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق الفصائل الفلسطينية المقاومة مسؤولية نشر الوعي الأمني، ليس فقط بين عناصرها، وإنما أيضا بين الشعب الفلسطيني لكي يكون على جاهزية تامة لحماية ظهر المقاومة.. وإنما يدخل ذلك في خضم المعركة التي تقودها تلك الفصائل لمقاومة أطول احتلال حتى اللحظة، وقد سمحت المواثيق والمعاهدات الدولية للشعوب المحتلة أن تُقاوم الاحتلال وتدحره عن أرضها.. وحتى لا تُشاع أخطاء في ذلك فإن حماية المقاومة تدخل في إطار "المقاومة السلمية"؛ وذلك أضعف الإيمان.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق الفصائل الفلسطينية المقاومة مسؤولية نشر الوعي الأمني، ليس فقط بين عناصرها، وإنما أيضا بين الشعب الفلسطيني لكي يكون على جاهزية تامة لحماية ظهر المقاومة.. وإنما يدخل ذلك في خضم المعركة التي تقودها تلك الفصائل لمقاومة أطول احتلال حتى اللحظة، وقد سمحت المواثيق والمعاهدات الدولية للشعوب المحتلة أن تُقاوم الاحتلال وتدحره عن أرضها.. وحتى لا تُشاع أخطاء في ذلك فإن حماية المقاومة تدخل في إطار "المقاومة السلمية"؛ وذلك أضعف الإيمان.
ولكن وعلى المدى القصير، ربما قوات الاحتلال ليست بحاجة لكاميرات المراقبة الفلسطينية لإلقاء القبض على المقاوم الفلسطيني، فقد نقلت صحيفة "هآرتس" العبرية في 19 يونيو/حزيران 2017، خبرا قالت فيه إن الجيش الإسرائيلي شرع منذ بداية 2017 بتنفيذ خطة شاملة لنصب كاميرات على مفارق الطرقات والمحاور الرئيسية المتاخمة للمستوطنات في الضفة الغربية.

وذكرت الصحيفة العبرية، أن الخطة الإسرائيلية تستهدف رصد التحركات الفلسطينية والمراقبة على مدار الساعة، والكشف المبكر عن منفذي عمليات المقاومة ضد أهداف إسرائيلية. وأفادت بأنه تم منذ مطلع العام الماضي (2017) تركيب أكثر من 1700 كاميرا، مشيرة إلى أن الجيش ينوي نصب المزيد من الكاميرات، لجمع المعلومات الاستخباراتية الهادفة إلى إلقاء القبض على نشطاء المقاومة الفلسطينية.
وأشارت إلى أنه خلال الانتفاضة الثانية (2000- 2005) استعانت أجهزة المخابرات والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ووظفت التسجيل وآليات التنصت في ملاحقة أفراد المقاومة والتنظيمات الفلسطينية.
وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلية قد نشرت المئات من كاميرات المراقبة، في أعقاب عمليات المقاومة التي استهدفت مستوطنين وجنودا في عدّة مناطق في مدينة القدس ومحيطها خلال العامين الماضيين، وجعلت من أعمدة الكهرباء، أبراج مراقبة تحمل كاميرات عالية الجودة في كل مكان، ومنها بابي "العامود" و"الساهرة" وسط القدس المحتلة، إلى جانب عدّة شوارع رئيسية.
| كاميرات المراقبة هي الداء والدواء؛ الداء لأنها ساعدت كثيرًا الاحتلال على الوصول للعديد من المقاومين الفلسطينيين وربما قتلهم |
وكان الاحتلال الإسرائيلي، قد نفذ عام 1999 مشروعا ضخما تحت اسم "مباط 2000 – نظرة 2000″، وقام بتركيب مئات كاميرات المراقبة والرصد في كل أنحاء البلدة القديمة بمدينة القدس المحتلة، في شوارعها وأزقتها وبين بيوتها، وعند مداخلها الرئيسية وفي الشوارع المحيطة والمؤدية إليها، بهدف رصد تحركات المقدسيين بشكل دقيق، حيث يتم مراقبتها على مدار 24 ساعة عبر طواقم متخصصة.
وهذا دليل أن ما يقوم به الاحتلال لم يردع الشبّان الفلسطينيين عن مقاومته طيلة السنوات السابقة. وحول كيفية عمل كاميرات المراقبة، فهي تقوم باستقبال الأشعة الضوئية الناتجة عن انعكاس الضوء على المشهد، بحيث يستقبل أحد أجزاء الكاميرا الرئيسية – وهو ما يُعرف بـ"Image Sensor"- هذه الانعكاسات عن الصورة، ويتم من خلاله إدخال هذه الإشارة الضوئية إلى داخل الكاميرا وإلى داخل الدارات الإلكترونية الموجودة في داخل الكاميرا، وتتم معالجة هذه الصورة أو الإشارة الضوئية وتحويلها إلى إشارات كهربائية بحيث يسهل نقلها عبر نواقل الإشارات وهي الكوابل المتصلة مع أطراف الكاميرا الخارجية.
وقد أخذت أنظمة المراقبة الحديثة في التوسع والانتشار في هذا العصر بشكل كبير نظرا لمساهمتها في تقليل نسبة الجريمة والسرقات، من خلال إخضاع الأماكن العامة أو الخاصة لأنظمة مراقبة وخصوصا الكاميرات التي يشكل وجودها "ردعا" للمُقبلين على "الجريمة"، ولو حصلت، فإن هذه الكاميرات ستكون دليلا مساعدا وشاهدا على الأشخاص والكيفية التي تمّت بها هذه "الجريمة".. هذا هروبا إلى فوائد الكاميرا على المستوى المحلي والداخلي.
نهاية القول؛ إن كاميرات المراقبة هي الداء والدواء؛ الداء لأنها ساعدت كثيرا الاحتلال على الوصول إلى العديد من المقاومين الفلسطينيين وربما "قتلهم"، وآخر تلك المساعدة الوصول إلى المركبة المحروقة قرب مدينة جنين قبل أيام، ولربما هي من أوصلتهم إلى المقاومين لاغتيال بعضهم فجر اليوم (18 يناير).. والدواء لو استخدمت لهدفها وتم نصبها داخل محيط المنازل والمحال التجارية والمنشآت وليس على أسوارها من الخارج.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إعلان

