شعار قسم مدونات

طقس في حياة الكتابة وكتابة الحياة

blogs كتابة

العلاقة بالكتابة علاقة روح تبحث عما/عمن يكتنه سرها، ويجلي حقائقها الخبيئة، علاقة روح تبحث عن جسر للعبور نحو دنيا الناس، علاقة يكون فيها المخيال ذا عزم على التجسد أفقا للرؤيا، هكذا هو الارتباط بالكتابة.. طقس للحياة، فهي الحياة الأخرى إذا ما أرهقتنا أثقال الحياة، هي الوسيلة لترميم ما انهار من الوجدان، هي حكمة الصمت الناطق إعجازا إذا ما ترجمت الحروف معانيها الحسان بشفيف البيان، لذلك لم تكن معانقة الكتابة عندي خطاطة برمجية تسعى الذات إلى خوض مسيرها، ولكنها غواية الحرف ألقت شباكها لتجذب الروح والقلم واللسان إلى شراكها، فهي إذ تنسج وشائجها مع خلانها الأوفياء، تصطفي الخلص ممن تتفرس فيهم النباهة والنبل، في كينونتها نقيم بياتنا مأسورين بين عالمها المخملي الجميل، ففيها وبها نلملم شتات الروح ونعيد لها بهجتها، نحاول بلسمة جروح الإنسانية الغائرة، ننفض كسل الأرواح، ونرمم خرائب العالم.

مذ سلك الحرف إلى الأنامل سبيلا، والتهبت شذرات الفكر نورا مقتحمة خلوة الذهن لتستوطن المخيال، منذ استحال اليراع فكرا يسيل على أطراف الذاكرة، ويمتح من نبع الروح رؤاه الزاهرة، مذ حبت الأنامل فوق السطور وهي من فراغ الحرف شاكية، حينذاك أمكنت الكتابة مني مراميها وصيرتني ناطقا بما يضنيني ويضنيها، حين استجمعت أمشاج الذاكرة المعشوشبة بالصور وبالفكر كان الإيذان لأرواحنا بالبوح، لتكشف الكتابة عن معانيها الخبيئة، ويصير تدبيج الحرف.. نشوة الروح ومتعة للجسد، كذا هو قدري في الكتابة أن أعلو فوق حد الحرف شاهرا ما هو في الأعماق مستتر.

قدر الكتابة أن تحمل عنا ثقل الفكرة من غير أن تتهيب مراودتها.. أن تفتح للذات طاقة للحلم المحاصر بين مصائد الحياة الموشومة بالمكابدة، فيها تتجدد الرؤية وينتعش الخيال

لا تطلب الكتابة غير ذاتها، فهي الوفية لكيميائها الداخلية المكتفية بكينونتها، تمارس عنفوان التجربة والتمثيل وصوغ العوالم والوقائع على سجيتها، غير مدينة للأشياء وللأمكنة بسموق ورفعة عطاءاتها، فحالتي مع الكتابة غير متطلبة لأكثر من تهريب الذهن والذاكرة من ضوضاء اليومي وسطوة المبتذل، الذي صار يحيا مصاحبا لنا، أما عن رصف الحرف فوق أمداء البياض الجلي صفاء فهو طلق من أي تقييد أو غصب الأزمنة والأمكنة. ففي حضرتها لسنا ملزمين سوى باستحضار نبل الإصغاء إليها في تفاعلاتها، ولسنا ملزمين بممارسة غرابة الطقوس، جنوحا نحو الغرائبية.

غير مطواع حد الابتذال هو الإلهام. غير ممتنع حد الاستعصاء، فهو يروي كل عاشق من فيوضاته شلالات معنى، تنسكب لتتخير منها الذائقة ما يروق وما يليق بجلال اللقاء.. إنه يمارس طقس الإغراء على الروح ولعبة الإفتان للمتخيل، ليسحب طاقة التثاقل والكسل من أعماقنا، وليفجر منبع الحرف كي يقول ما يتوارى بعيدا عنا. فحينما نمارس طقس الكتابة، ونرسم سواد الحروف في بياض الصفحات نكون كمن ينصب الفخاخ لاصطياد المعنى، من أجل إعلاء رايته عنوانا للوجود.

لا أنشد في الكتابة سوى ملامسة مواطن الجرح، مقاربة لأوجاع هذا الوطن بمسحة من برقع خيال شفيف، من غير السقوط في تقريرية فجة، تغتال ليونة اللغة وانسيابيتها الرقراقة، فكل الوقائع المتجسدة في حلبة الواقع مطروحة للتناول عندي، إذا ما كانت تحمل أنفاس الإنسان وتختزن مواجعه، إنما محاولة استكناهها وسبر أغوارها هو ما يمثل رهان نوعية المقاربة ولون الكتابة حين تأرجحها بين الشدة والليونة، بين صورة كربونية مستنسخة لواقع قائم تجف عند أطرافه اللغة، وبين استيهامات يستبد بأمر صوغها اللغوي الخيال الجانح/الجامح.

يسكنني التوق الجارف إلى إعادة تركيب وصياغة رواية الإنسان عبر كتابة تنبض حلما، وأن يكون الإنسان متوطنا فضاءات كتاباتي دون أن تذيبه تفاصيل وتقنيات الحكي
يسكنني التوق الجارف إلى إعادة تركيب وصياغة رواية الإنسان عبر كتابة تنبض حلما، وأن يكون الإنسان متوطنا فضاءات كتاباتي دون أن تذيبه تفاصيل وتقنيات الحكي
 

قدر الكتابة أن تحمل عنا ثقل الفكرة من غير أن تتهيب مراودتها.. أن تفتح للذات طاقة للحلم المحاصر بين مصائد الحياة الموشومة بالمكابدة، فيها تتجدد الرؤية وينتعش الخيال.. في أفيائها نصوغ ذواتنا من جديد نعيد تركيب لعبة الحياة والوجود.. نجترح مسارب تقتنص عبرها الذاكرة كل عصي على أن يكون قبض أيدينا، دون أن نملي على القلم من أي البحور يغترف، فكل البوح الخفي والمعلن هو تمرين على مقارفة السعادة وتحصيل لنشوة الحضور، ونحن إذ نخوض غمار الكتابة ندخل مملكة الحكي دونما اشتراطات معلنة، فسيدة الكلمات تملك أمر معبدها وتمنح عطاءها الجزل لكل من هو حفي بكرمها.

ما تجود به اللحظة في توتراتها الداخلية والخارجية لا يأبه لتصنيفات الأجناس الكتابية، بل وحي الموقف هو ما يشكل هوية المنتج، فالذات تنكتب جلية عبر بوح الحروف، حتى وإن كانت اللغة مخاتلة تراوغ سر الروح.. تشكله.. تعجنه.. تطوعه. في الكتابة الفلسفية والسياسية أمارس شغب الكلمات وأجدل ظفائر مقالاتي على مكث، حتى تستوي الفكرة في محاضنها وتختمر، لتعلن إنبجاسها فوق سطوح القراطيس، مترجمة لي ومعبرة أصدق ما تكون عن رؤاي.

يسكنني التوق الجارف إلى إعادة تركيب وصياغة رواية الإنسان عبر كتابة تنبض حلما، وأن يكون الإنسان متوطنا فضاءات كتاباتي دون أن تذيبه تفاصيل وتقنيات الحكي، ليتوارى خلف حجاب اللغة، ويصير المضيع كما في الكثير من السرديات التي أحجمت عن تمثل صورة الإنسان كحضور مائز ومتوجب على كل ذي ملكة وسوست لصاحبها إدمان الكتابة.