"حياتي أنا والجيش".. هل أعلن السيسي انتصاره؟

blogs السيسي

جاءت كلمة عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح حقل ظهر لإنتاج الغاز الأسبوع الماضي لتحدث ردات فعل واسعة، نظرا لما شملته من نبرة حادة وبعض العبارات التي حملت معنى التهديد والوعيد، وانقسم الناس حولها ما بين معتبر إياها دليلا على القوة، وما بين معتبر إياها دليلا على الخوف والضعف، وعدها آخرون تأسيسا لمرحلة جديدة أو مؤشرا أننا أمام "بشار أسد" جديد من حيث الاستعداد لتنفيذ سياسة حرق الأرض حال استدعى الأمر ذلك.
  
وعلى الرغم من وجاهة تلك المقولات أو الرؤى لكلمة الرجل، إلا إنني أذهب أن أغلب ما جاء في كلمته -ما عدا شق وحيد سأفصل فيه لاحقا- لا ثمة جديد يحمله لنا، فالعبارات أغلبها نسخة مكررة من خطابات سابقة وتعكس سلوكا ومنهجا قديما أضافت إليه طبيعة الأحداث وكثافتها في الفترة الماضية الخاصة بالانتخابات الرئاسية في مصر بعضا من السخونة والترقب.

  

فبالنظر إلى ما قاله الرجل عن التفويض "حقول للمصريين أنزلوا تاني أدوني تفويض قدام الأشرار أي أشرار" هو تذكير معاد ومكرر بأن الرجل لا يفعل ما يفعل إلا بتفويض من الناس ودعم منهم وبموافقة ضمنية من "الجماهير"، وأنه على استعداد لتجديد ذلك التفويض، ومن ثم لا أحد يحمله مسؤولية ما يقوم به أو ينوي أن يقوم به، ويؤكد فيه أيضا أن من سيواجهه سيواجه مؤيدين له يقبلون ما سيقدم عليه وهو أمر كثيرا ما كرره بأشكال متكررة.
 

شخصية السيسي شخصية غير سوية؛ لديها جنون عظمة كرد فعل على شعور سابق بالدونية في حياته، الأمر الذي يعني أننا أمام ديكتاتور غير عادي، وهو لا يشبه من سبقوه من حكام مصر

أما حديثه عن الاستقرار والأمان بقوله "الاستقرار والأمان معناه اللي إحنا فيه غير كده معناه ضياع" فهو أمر أشار إليه سابقا بعبارات أخرى، وهو أيضا ليس غريبا على خطاب من سبقوه من ديكتاتورين حكموا مصر، فخطاب الاستقرار والخشية من "الضياع" هو نغمة معادة لا تضيف نبرة صوته المرتفعة أي بعد جديد فيها.
 
ولا يضيف حديث السيسي عن أي إجراءات جديدة وعدم الخشية إلا من الله أي بعد جديد؛ فحينما قال الرجل "إجراءات أخرى ضد أي حد يعتقد أنه ممكن يعبث بأمنها وإحنا موجودين، مش بخاف غير من ربنا وعليها هيا بس" -أي مصر- يؤكد فقط حالة "الهوس" التي تسيطر على الرجل باعتقاده أن الله أعطاه الحكم من عنده، وأن وصوله إلى منصبه هذا لم يكن نتاج مؤامرات دبرها وأبرياء قتلهم وزج بهم في السجن، بل هو نتيجة رؤى ومنامات رأى نفسه فيها مكان السادات مثلما كشفت تسريباته في حواره مع ياسر رزق قبيل ترشحه من 4 أعوام. وبالتالي، هو جاء كمخلص لمصر مسؤول عن أمنها ولا يخشى سوا من وهبه الحكم وينزعه منه "أي الله".
 
لذا فإن كل ما سبق، وحتى حديثه في الشق الخاص بحياته حينما قال "أمنك يا مصر ثمنه حياتي أنا" فهو ليس بجديد، وحتى من ذهبوا بأن الرجل يصرح ويعلن أن حياته ثمن ترك السلطة، لا أراه جديدا. وفي هذا المقام، أتذكر أنني منذ عام هنا في واشنطن حضرت غذاء في منزل صديق مصري وحضره بعض أصدقائه العرب من دول مختلفة، وطلب مني أن أتحدث عن مستقبل مصر بصفتي صحفيا مصريا، فقلت آنذاك "إن جميع المؤشرات وأحاديث السيسي والطريقة التي وصل بها للحكم لا تؤشر إلا لشيء واحد وهو أنه بشار جديد، وإن تركه السلطة يعني أنه يسلم رقبته للإعدام هو ومن شاركوه في الاستيلاء على الحكم وقتل الناس، فضلا أن شخصية السيسي شخصية غير سوية؛ لديها جنون عظمة كرد فعل على شعور سابق بالدونية في حياته، الأمر الذي يعني أننا أمام ديكتاتور غير عادي، وهو لا يشبه من سبقوه من حكام مصر، لكنه أقرب لهتلر وستالين".
 
ومن ثم أعتقد أنني وغيري ممن تابع ما سنه بشار الأسد وحاوله من قبله القذافي قبل قتله، وتتبع مسار التصريحات والأفعال السابقة للسيسي وحجم التنازلات التي يقدمها في سبيل ترسيخ شرعية وجوده ومشروعية استمراره وتصفية حلفائه قبل خصومه وإبعادهم، يعلم جيدا أن مسألة ذكر حياته كثمن لترك السلطة ولو بشكل غير مباشر أمر ليس بجديد ولا يشكل مفاجأة متوقعة.
    

لا شك لدي أن السيسي على استعداد أن يكون بشارا آخر، وأن يذهب إلى مستويات أعلى من البطش، لكن في نهاية المطاف لا ثمة إجراءات استثنائية في الأفق
لا شك لدي أن السيسي على استعداد أن يكون بشارا آخر، وأن يذهب إلى مستويات أعلى من البطش، لكن في نهاية المطاف لا ثمة إجراءات استثنائية في الأفق

  
إذن ما الجديد في خطاب السيسي وما الذي قاله يحتاج لتفسير؟ أعتقد أن ما قاله السيسي بشكل واضح ولم يذكره فيما سبق بهذا الوضوح وبهذه المباشرة هو "حياة الجيش"، فهذه أول مرة يقول فيها السيسي "أمنك واستقرارك يا مصر ثمنه حياتي أنا والجيش"، نعم هذه أول مرة يربط فيها حياته واستمراره بحياة الجيش، وفي رأيي يحمل رسالة مباشرة مفادها أنه انتصر على من -ربما- يتحركون ضده لصالح سامي عنان، رئيس الأركان الأسبق المعتقل، والذي ما زال على ذمة الجيش بوصفه فريقا مستدعى كما وصفه بيان القوات المسلحة، أو ربما هؤلاء المتململون مما يفعله بسبب تيران وصنافير، ولعلنا في هذا المقام نذكر قضية عام 2016 والتي كشف فيها عن اعتقال عدد من ضباط الجيش، ناهيك عن الأخبار المسربة عن إقالات بالجملة أو تغييرات واستبعادات لضباط في الجيش؛ آخرهم صهره رئيس الأركان محمود حجازي.
     
حينما قال السيسي بلهجة حازمة "حياتي أنا والجيش" كان برأيي يعلن انتصاره على من يعتقد أنهم مساندو عنان، وحينما نربطها بتلك الجملة التي أشار فيها أنه "ليس سياسيا" وأن "ما جرى في مصر منذ سبع سنوات لن يتكرر"، فهو لم يكن يقصد الفوضى بل كان يقصد انحياز الجيش لفكرة إقالة الرئيس تحت وطأة المظاهرات حتى لو كان ذلك لمصلحته في التخلص من سيناريو التوريث، وهو أمر يمكن ربطه أيضا بفكرة التحركات الواسعة والدعوات التي خرجت لمقاطعة الانتخابات والتي عدها البعض إرهاصات لفكرة العصيان المدني ضد الآلية الرسمية لاستجلاب الشرعية ولو في شكل ديكوري.
     
لا شك لدي أن السيسي على استعداد أن يكون بشارا آخر، وأن يذهب إلي مستويات أعلى من البطش، لكن في نهاية المطاف لا ثمة إجراءات استثنائية في الأفق إلا إذا كانت هناك تحركات لأطراف داخل الدولة تهدد السيسي بشكل حقيقي، وهو ما ليس واضحا حتى الآن، أو إذا ما كانت صفقة القرن تقترب من تنفيذها عمليا باقتراب الحرب على غزة، والتي أشرت لها سابقا نقلا عن مصدر يقيم في أوروبا منذ بضعة أشهر، بأن عام 2018 مرتب له حرب كبيرة على القطاع المحاصر، وهو ما سيلعب فيه السيسي دورا قويا، ويمهد من الآن لإخماد أي تحرك ضده.