شعار قسم مدونات

ليون الإفريقي أم ليون الإسرائيلي؟

blogs رواية ليون الإفريقي

رحالة مغربي من أصول أندلسية يدعى حسن الوزان، عاد من رحلة حج إلى الأراضي المقدسة في مكة المكرمة سنة 1518، فوقع في أسر قراصنة من صقلية، اقتادوه إلى إيطاليا ليتم تعميده فيما بعد على يد البابا الإيطالي ليون العاشر، ويتحول إلى يوحنا ليون دومديتشي أو ليون الإفريقي، لتبدأ رحلة شيقة وغير مألوفة، طبع بها هذا الرحالة المثير للجدل فترة مضطربة من العصور الوسطى، هي القرن السادس عشر..

 

كتابنا لهذا الأسبوع هو رواية "ليون الإفريقي" أو (Léon L’Africain) للكاتب الفرنسي من أصول لبنانية أمين معلوف، صدرت لأول مرة عام 1986، عن دار "Éditions Jean-Claude Lattès" الباريسية، فيما تولت إصدار ترجمتها العربية دار الفارابي في لبنان، وصدرت الطبعة المترجمة الأولى سنة 1997، وهي رواية تاريخية تستخدم أسلوب السيرة الذاتية المتخيلة لشخصية حقيقية هي الرحالة حسن الوزان المعروف أيضا باسم ليون الإفريقي، الذي أبصر النور بمدينة غرناطة الأندلسية، سنوات قليلة قبيل سقوط الحكم الإسلامي فيها، لتتناول الأحداث سردا لطفولته، ثم هجرته إلى المغرب، وبعدها رحلاته المتكررة والممتدة بين مجموعة من الفضاءات الشاسعة ابتداء بمالي والجزائر وتونس ومصر وبعدهما تركيا وإيطاليا، مع اختلاف دوافع السفر، بين السفارة والتجارة والنفي والاختطاف.

 

قام الكاتب بتقسيم الرواية إلى كتب متخيلة دون خلالها ليون الإفريقي مذكراته الممتدة بين عامي 1488 و1527 وهي؛ كتاب غرناطة، كتاب فاس، كتاب القاهرة وكتاب روما، وهو ما أرى -من وجهة نظري الخاصة- أنه يشبه إلى حد ما طريقة تناول محمد حسن علوان لشخصية محيي الدين بن عربي في رواية موت صغير الفائزة بجائزة البوكر لسنة 2017 عبر ثيمة الرحيل والسفر المتكرر، وأيضا تقسيم العمل إلى أسفار، وربطها بتسلسل زمني أوصل المخطوط إلينا في العصر الحالي. (ربما ساهمت قراءتي للروايتين في وقت متقارب في وصولي إلى هذا الاستنتاج).

 

 معلوف يتفوق على كل المبدعين الذين عاصروه بمراحل، فقد تمكن هذا الأديب الموهوب من الربط ببراعة بين الماضي والحاضر، الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية، في أعماله الروائية
 معلوف يتفوق على كل المبدعين الذين عاصروه بمراحل، فقد تمكن هذا الأديب الموهوب من الربط ببراعة بين الماضي والحاضر، الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية، في أعماله الروائية
 

أعتقد بأن النقطة المفصلية التي تتمحور حولها الأحداث وربما الهدف الأساسي من الرواية هي وقوع حسن الوزان في قبضة البابا ليون العاشر الراغب في الاستفادة من علومه الغزيرة، في وقت كانت تشهد فيه أوروبا أولى بدايات نهضتها، بالتزامن مع مشاهد مهمة طبعت هذا القرن السادس عشر المليء بالأحداث المحورية، ليتدخل هنا معلوف برسالته الأبرز على لسان الوزان:

 

"ختنت، أنا حسن بن محمد الوازن، يوحنا ليون دومديتشي، وعمدت بيد أحد البابوات، وأدعى اليوم "الإفريقي": ولكنني لست من إفريقية ولا من أوروبة ولا من بلاد العرب. وأعرف أيضا بالغرناطي والفاسي، ولكنني لم أصدر عن أي بلد ولا عن أي مدينة، ولا عن أي قبيلة، فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعا.

 

لقد عرف معصماي على التوالي دغدغات الحرير وإهانات الصوف، ذهب الأمراء وأغلال العبيد. وأزاحت أصابعي آلاف الحجب ولونت شفتاي بحمرة الخجل آلاف العذارى، وشهدت عيناي احتضار مدن وفناء إمبراطوريات.

 

ولسوف تسمع في فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامية الإيطالية لأن جميع اللغات وكل الصلوات ملك يدي، ولكنني لا أنتمي إلى أي منها. فأنا لله وللتراب، وإليهما راجع في يوم قريب."

 

هي إذن رواية متميزة تستحق الاطلاع عليها، كما أنها قد تكون دافعا للغوص أكثر في تاريخ القرن السادس عشر المليء بالدروس والعبر.

 

رواية ليون الإفريقي (مواقع التواصل)
رواية ليون الإفريقي (مواقع التواصل)

لا شك في أن معلوف يتفوق على كل المبدعين الذين عاصروه بمراحل، فقد تمكن هذا الأديب الموهوب من الربط ببراعة بين الماضي والحاضر، الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية، في أعماله الروائية، ويبدو واضحا أنه يملك بين يديه كل عناصر الصنعة الروائية؛ من اشتغال واضح على الحبكة، واهتمام كبير بأدق المعلومات التاريخية، وتطعيم جميل للأحداث بلغة رائقة، وربط بين الشخصيات والأماكن والأحداث بتشويق حقيقي لا يمكنه إلا أن يدفعك إلى مواصلة القراءة حتى آخر صفحة، هي قراءتي الثالثة لمعلوف بعد سمرقند وصخرة طانيوس الحاصلة على جائزة غونكور الفرنسية سنة 1993، وفي كل مرة يزداد يقيني من الرأي الإيجابي الذي كونته عن أدبه.

 

ولكن.. تذكرون أنني ناقشت في تدوينة الأسبوع الماضي (عن لغز الكاتبة الإيطالية المجهولة إيلينا فيرانتي) إشكالية العلاقة بين إبداع الكاتب وحياته الشخصية، والجدل الذي يخلقه الالتباس بينهما، ويبدو أنني سأعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى هنا.

 

تتمركز أعمال معلوف الروائية كما أسلفنا الذكر حول ثيمة التسامح وثنائية الشرق والغرب والأدب والتاريخ، وهي القيم نفسها التي تطبع شخصيته باعتباره كاتبا منفتحا على ثقافة الآخر، وسيجد المتأمل في أعماله الأدبية محاولة حقيقية لردم هذا البرزخ وإقامة جسر حقيقي للتواصل بين الحضارات من خلال أعماله الأدبية، إذ يرى من خلال وجهة نظره العالم من خلال الأفراد وليس من خلال الكليات، قائلا: "لقد أقام الأجداد علاقات رغم الأحقاد فلماذا لا نفعل مثلهم؟".

 

الخلود لم يكن مرتبطا في يوم من الأيام بحصولك على جائزة -والتواصل في سبيل الحصول عليها مع من يعتبرونك في نهاية المطاف عدوا- بل بالأثر الذي خلفته أعمالك في وجدان القراء

كل هذا جميل، ولا يختلف عليه اثنان، ولكن، هل يمكن إقامة علاقة ود واحترام حقيقيين مع من يقتل ويغتصب ويشرد ويساهم في تقطيع أوصال المنطقة منذ سبعين سنة، أم أن كل هذه الدعوات تتحول إلى مجرد كلام فارغ؟

  

خلق أمين معلوف الجدل عام 2016 عندما ظهر في برنامج "ثقافي" إسرائيلي، هو الفرنسي ذو الأصول اللبنانية العربية، الحدث الذي لم يستسغه كثيرون فشنوا حملة شعواء ضد معتقداته وأفكاره، بل نعتوه بـ"ليون الاسرائيلي"، معتبرين أن الأمر بمثابة خيانة للوحدة العربية وتحالف مع الكيان الصهيوني إلى آخر هذا الكلام.

 

بعيدا عن هذه الشعارات الرنانة -خاصة في واقع عربي مزر يتنفس الهزيمة والذل والهوان مع كل شهقة، واقع تحولت فيه الخيانة والتطبيع إلى وجهة نظر- أعتقد بأن للأمر تفسيرا مغايرا..

 

خلال السنوات الأخيرة، تكرر ظهور اسم أمين معلوف في ترشيحات الصحافة والإعلام للفوز بجائزة نوبل للآداب، وهي الجائزة التي أرى بكل تجرد وموضوعية أنه يستحقها نظير مجمل مساره الإبداعي الحافل، والذي قدم خلاله أعمالا راقية جمع فيها ببراعة بين سحر الأدب وعمق الفلسفة وعبق التاريخ، ولكن يبدو أن ما يقوله البعض عن ضرورة المرور بـ"الفيلتر" الإسرائيلي قبل التتويج بنوبل أمر واقعي وغير مجانب للصواب..

 

من حق المبدع السعي للتتويج بأرفع جائزة أدبية عالمية على الإطلاق، ولكن الانبطاح من أجل الحصول عليها قد يضره أكثر مما يخدمه. تضم قائمة الفائزين بنوبل عشرات الأسماء، كثيرة منها لا نذكرها، لكننا نحفظ أسماء مبدعين آخرين لم يفوزوا بها لكنهم تركوا بصماتهم وحفروا أسماءهم في صخرة التاريخ رغما عن أنف الجميع.

 

الخلود يا عزيزي لم يكن مرتبطا في يوم من الأيام بحصولك على جائزة -والتواصل في سبيل الحصول عليها مع من يعتبرونك في نهاية المطاف عدوا- بل بالأثر الذي خلفته أعمالك في وجدان القراء على مر العصور، وأعتقد بأنك تفهم ذلك أكثر مني..

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.