بِخُلُق رسولنا الكريم من حلم وصبر، ورأفة ورحمة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، عمل على صقل أخلاق أصحابه وزوجاته، وغرز العقيدة والتوحيد، وما لبثوا أن تأثروا به من شتى بقاع الأرض، فدخلت الشعوب في دين الله أفواجا. جملة مختصرة للتذكير بأخلاق خير البرية وأثرها على الشعوب كافة من عرب وعجم، حتى أصل بكلامي هذا لك أنت أيها الرجل، الذي عَمِدْت إلى اختيار الطريق الصحيح بأن تقترن بزوجة المستقبل. فبأخلاقك الرفيعة أصبحت تبحث حتى وجدت ما اقتنع به قلبك وفؤادك، وأُسِرت به عيناك، وأُشبعت به غرائزك، ودق القلب فرحا.
فصار القبول، ولم يكن هذا القبول إلا من كريم أخلاقك وأدب طلبك وأصالة دينك حتى وافق الأهل أن يقدموها لك براحة وطمأنينة، لكونك الرجل الصالح الذي سوف يخاف الله في ابنتهم وقرة أعينهم، ومن تربت في أحضانهم السنين الطوال، فكان لها عندهم حسن المعيشة والاحترام، وكل دلال وحنان. أُمٌّ حملتها تسعة أشهر وربتها سنين، وأب صرف الغالي والنفيس ليرى السعادة ترتسم على وجهها. بكل شرف وتكريم قدموها لك يتوقعون منك بعض الكمال في الأخلاق، على أن تصون ابنتهم وتكرِّمها كما كرَّمها والداها من قبلك.
تُسلَّم لك في الأفراح والليالي الملاح، والمعازيم ترقص، والأطفال تلعب، والأم مهمومة، ولكنها سعيدة، ففلذة كبدها تنتزع، ودموعها على الخدود تُذرف، وعيون الأب للدَّمع تكبت. فتأخذها من يدها، وإلى عش الزوجية مُقبلة، يدق قلبها خوفا وهلعا من تجربة نهايتها مَخفِيَّة، ولكن تُأنِس نفسها بأنها سوف تعيش تحت ظل زوجها في كرامة واحترام، وفي سعادة وفرح دون انقطاع. ولكن، ما أن تلبث الأيام السعيدة تمر ويبدأ كل منكما التعرف على الآخر، فتظهر السلبيات والإيجابيات، والطبائع والعادات، فتبدأ الحياة تتغير من بعد سعادة وهمية إلى تعاسة واقعية.
| هل تتوقع تقلباتك المزاجية والفكرية ستجلب لك الاستقرار والسعادة، والمرأة المسكينة في حيرة من أمرها لا تعرف لزوجها حالا ولا سكينة، وما هي إلا في ترقب لدخولك عليها فترى حالك |
تتبدل حياة المرأة المسكينة من جنة خضراء إلى أرض قاحلة صحراء، فينضُب منها ماء الحياة، فيتحول عش الزوجية الذي كانت تحلم به بأن تحلق فرحا وترفرف سعادة، وتغرد في الصباح وتسكن بالليل باطمئنان وراحة بال، يتحول عش الزوجية إلى قفص مظلم، ظلامه مُستَمد من سجَّانِه، فتكون تحت رحمته، متى شاء أطعمها وأشبع جوعها، ومتى شاء منع عنها فجوَّعها.
فيتحول هذا السَّجان من رجُل إلى ذَكَر، فترجع الحياة الجاهلية في فِكْرِه، وتُنْقَلُ المرأة سِلعة من يد أب إلى أخٍ إلى زوج، فما لاقت المرأة حينها سوى الدُّونِيَّةِ والمَهانة، وما كانت إلا للمُتعة والوِلادة، لا كرامة لها ولا مَكانة، والطفل الذكر له الرفعة والعزة، والبنت تحت التراب موؤودة، عقلية الذكر فيها محدودة لا تفكير سليم ولا له من الحياة سوى المتعة والرفاهية، والاستمتاع بتعذيب من حوله هو مسؤول، أو من عبيد ممن اشترى واقتنى.
يا عزيزي، يكفيك شرفا بأن كرَّمك الله بخلقك بأحسن صورة، وألبسك رسوله بلباس الأخلاق والأدب والاحترام، فأنزل الله كتابه الكريم لتلتزم بشرائعه من حلال وحرام حتى تكون شخصا فارقا بين الإنسان والحيوان.
ليس لك بإهانة من كرَّم الله وكرَّمك، وأنزل شرعه كما هو عليها عليك. ليس لك أن تحرِّم عليها ما تريد أنت أن تحرِّمه، وتُبيح لك ما تريد أن تبيحه. ليس لك أن تعاملها باسم الدين وأنت من التمسك به ببعيد. تتدخل في ترتيب متاع وطبخ وغسيل وقد وظفك الله للعمل خارج المنزل لتُؤمِّن المأكل والمشرب، ولها حسن التدبير في مملكتها وحسن التربية. ليس لك كَبت حرِّيَّتها فيما قد حرره الله ورسوله من بعد الجاهلية، أم لك الحرية في السهر مع الأصحاب والأصدقاء فيتعالى صوتك بالضحك، في مهزلة مجالس لا ذكر فيها ولا تذكير؟!
وفي نهاية المطاف، وعند الإحساس بالاقتراب من عش الزوجية، تتقمَّص العبوس والوجه الأسود المشؤوم، ونبرة صوت خافتة، لا حنان فيها ولا مودة، ولكن فيها أوامر وتعال بتجهيز العشاء لملئ البطون، وممارسة الشهوة الحيوانية من غير تلذذ ولا شعور. كيف لك أن تَّدَّعي التزامك بالدين وأنت تشجع زوجتك على البعد عنه إن كان بلبس أو تبرُّج أو اختلاط غير محدود؟! فلا تدَّعي التمسك بكتاب الله وتتناسى بل وتتجاهل ما في سنة رسول الله.
أَتخالف قول المصطفى الصحيح: "لا هجرة فوق ثلاثةِ أيامٍ، من هجر فوق ثلاثٍ فمات دخل النَّار"، وأنت في فترة عتاب تحرمها الكلام والنطق باللِّسان لأيام عديدة، وهجر للمكان لا سهرة ولا مجلس وِئام، تبقى الزوجة وحيدة وهي في بيت فيه أرواح عديدة، وبعد ذلك كله، تقطع عنها المواصيل وتحرمها من الصديق والقريب، لا مكالمة ولا تفنيد لمشاعر، قلب مجروح مكبوت ومفجوع من صدمة واقعية بحقيقة عش الزوجية الوهمية؟!
هل تتوقع تقلباتك المزاجية والفكرية ستجلب لك الاستقرار والسعادة، والمرأة المسكينة في حيرة من أمرها لا تعرف لزوجها حالا ولا سكينة، وما هي إلا في ترقب لدخولك عليها فترى حالك، فتكون هي كما أنت وإلاَّ غضب ولعنة وصراخ ونقمة. لو كانت معاملتك لزوجتك بالجزاء والعقاب كما أمر الله في كتابه ورسوله في سنته وبالأخلاق الحميدة، لما كانت الأيادي كَتبت، ولا الأقلام بُلَّت، ولا الأصوات ارتفعت، ولا المنابرُ اعْتلَت حديثا مُطولا عن الحديث الصحيح للرسول الحبيب: "خيرُكُم خيرُكُم لأهله وأنا خيرُكُم لأهلي".
أخي العزيز، نعم أنت.. لا تظن أن من الرُّجولة بمكان أن يكون نِدُّك من هو أضعف منك وترى في ذلك انتصارا..! فليس من الأخلاق الحميدة أن تتطاول على من رضِيَت بك على أمل أن تتحمل عيوبك من عادات وطبائع لأنك زوجها وحبيبها ووالد أطفالها. هل هو استغلال لظروف بأن لا مكان لها ولا مبيت، بيت أهلها صغير لا يتسع، أو أن ظروفهم المادية لا تتحمل أشخاصا آخرين يُعيلونهم حتى لو كانت ابنتهم وفلذة كبدهم، أو أنها وحيدة لا ملجأ ولا منجى لها إلا بك؟! أتستغل ظروفها الصعبة فتعمل على زيادة ومضاعفة الإهانة لها ولكرامتها، وتزيد غربتها في بيتها وأنت تعلم ذلك بكل تكابر وتظن أنك رجل حازم وشديد وأن النساء لا يأتون إلا بهذه الطريقة العصبية والتعصبية؟! ولأجل ذلك تبرر لعقلك وفكرك وتستخدمه كما كان في الجاهلية وتقول بعد ذلك إنك رجل وإنك المنتصر؟!

عليك أن تعلم أن الحياة الزوجية ما هي إلا مسؤولية كبيرة تقع على عاتقك ومسؤول عنها يوم القيامة، فإن زرعت خيرا حصدت خيرا، وإن زرعت شرا فلن تحصد سوى الندامة في الدنيا والآخرة. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيَّته.. ليس فقط مسؤول عنها بالمظهر والملبس أو بالخروج من المنزل بإذن أو من دون إذن كما يظن الكثير من الناس، بل أيضا وهو الأولى، فيما تُفْضي به يدك من معاملة وحسن عشرة وأخلاق حميدة، وكله بالمعروف كما أراد الله ورسوله، أو تسريح بإحسان مكرمة معززة بكامل حقوقها، وإلاَّ عليك بالتعقل وشاركها الحياة الهنيئة والسعادة الأبدية.
هذا كلام ليس لعامة الرجال بل لخواصهم، فهناك من الرجال من يوزن بالذهب والعكس من النساء، ولكن هي أحداث متوالية تعيشها المرأة المسكينة أكثر من غيرها، في واقع مرير لا حول لها ولا قوة إلا بالله الذي ترجو منه خلاصها، إما بالهداية له ولها وإما الملجأ والمنجى والخلاص بستر وعافية. اتق الله يا هذا.. في نفسك وزوجك، ولك في كتاب الله وسنة رسوله الأسوة الحسنة، فبهما النجاة والفلاح. فدع التَّعنُّت والتَّزمُّت في الآراء، واجعل الفكر أنقى وأطهر، واجعل النوايا تسبق أفعالك، فالحياة الزوجية ما هي إلا تفاهم وتناغم، ووئام وحب وصبر، وتضحية وتحكيم عقل، وليست غالبا ومغلوبا وحاكما ومحكوما.
وكن على يقين أيها الزوج وكلنا زوج، بأن ظروف الحياة قاسية، والمسؤوليات كبيرة ومتراكمة، فعليك أن تجد حليفا ليساعدك في أمرك، ويسهر على راحتك ويؤنس وحدتك، فلا ولد باق ولا بنت. واعلم أن شعورك بالضعف والنقص لا يعطيك الحق بأن تكون اليد الطولى، وتكون أنت الصفعة التي تفرِّغ بها ما بداخلك لأقرب الناس إليك، وتستخدم ظروفك كشمَّاعة تعلِّق بها خراب بيتك وتهين من تخلَّت عن أهلها وذويها من أجل ارتباط مقدس شريف معك، لتعيش ظروفك بحلوها ومرها. وتذكَّر بأن حقيقة معاملتك لزوجتك ما هي إلاَّ مرآة حالك، فلا تعكس ذلك على أخت لك فيكون حالها كحال زوجتك، فيمتد بعد ذلك الأثر على مصير أولادك فيأخذوا من طِباعِك، ويتوارَثونَه مِنك. عليك بتناسى وطَيِّ صفحاتك السوداء، وابدأ صفحة بيضاء نقية، ولا تنبش الماضي، وليكن المستقبل هو الأمل في حياة سعيدة تحت ظل زوجتك ومحبوبتك وقرة عينك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

