كيف تصبح روائيا في سبعة أيام؟

"كيف تصبح روائيا في سبعة أيام؟" ربما كان العنوان مبتذلاَ، فقد اعتدنا أن نرى العشرات من الكتب على نمط هذا العنوان، ففي كتب تعليم اللغة أو التنمية البشرية تشتهر مثل هذه العناوين، حيث نجد عنوانا مثل: "تعلم اللغة الصينية بسبعة أيام من دون معلم"، أو "كيف تصبح مليونيرا خلال خمسة أيام"؛ إلا أنني وبالرغم من العنوان المبتذل والتقليدي، فإنني سأحقق حلم كل من أردا يوما من الأيام أن يكتب رواية، ومن خلال بعض الخطوات البسيطة، وبعيدا عن المقولات والأقوال المثبطة للهمم كتلك التي تقول: "إقرأ ألف كتاب قبل أن تفكر بتأليف كتاب"، فالموضوع هنا مختلف تماما ولا يحتاج إلى مثل هذه التعقيدات.
   
من الملاحظ في أيامنا هذه انتشار ظاهرة الرواية، ففي كل يوم نسمع عن العشرات من الأسماء والعناوين، بعضها قد يكون نافعا، غير أن أغلبها طفولي وساذج؛ بل تافه!. والغريب أن هذا النمو الكبير محصور في الرواية والخواطر (ربما كتبنا عن الخواطر في مقال آخر نظرا لمنافسته الشديدة للرواية)، فلا نجد نمواَ كهذا في العلوم الفلسفية أو الاجتماعية مثلا. وبعيداَ عن المقدمات الطويلة، ولأننا كتبنا بما فيه الكفاية -كمقدمة- لذا؛ سندخل في الموضوع مباشرة.
  
فالرواية؛ كغيرها من الفنون الأدبية الأخرى كالقصة والمسرح….إلخ، تعتمد على عدة مكونات، فهي تحتاج إلى عدة شخصيات وكيفية ربطها ببعضها، وعدة حوادث تلتقي في النهاية بالهدف الرئيسي للرواية. تحديد مكان الرواية وزمانها، بالإضافة إلى كتابة ملخص في مقدمة الرواية وآخرها. والعديد من المكونات الأخرى التي لا تعد مهمة مقارنة بما سنذكره هنا! وحتى تكون روائيا ناجحاَ لا بد أن تحتوي الرواية على العديد من عوامل نجاحها، كما أن لشخصية الكاتب أثرا مهماَ في نجاح الرواية، ومن هذه العوامل:
   

من المهم أن تستخدم في روايتك بعض الكلمات الغريبة والطويلة، فمثل هذه الكلمات توحي للقارئ بأن ما يقرؤه شيء عظيم

أولا: لكي تكون الرواية على درجة عالية من المهنية، لابد من توافر بعض الشروط، والتي سنتحدث عنها الآن: أترك صفحتين فارغتين في بداية الرواية، وكذلك في آخرها، فهذه الخطوة تعمل على جعل الرواية أكبر حجماَ، مما يوحي للقارئ بأهميتها، طبعاَ هذا بالإضافة إلى صفحة تحتوي على العنوان فقط وصفحة تحتوي على بيانات دار النشر وأخرى تحتوي على الإهداء، وبهذا الشكل ربما خرجنا بعشر صفحات، مما يزيد من حجم الرواية ويشعر الكاتب بأنه قد أنجز شيئا مهماَ وضخماَ!. بالإضافة إلى ذلك ،التركيز على العاطفة بشكل كبير، واستخدام عنوان عاطفي جذاب للرواية ، فمثلا: "دمعة الخائن التائب"، أو "خنتها وندمت"،أو "تجربة حب فيسبوكية"، فمثل هذه العناوين المهمة تجذب فضول القارئ وبالتالي يزيد من أرباح الرواية وشهرتها.

   
كما أنه يجب استخدام الكلمات العامية في الرواية بشكل كبير، فهذا الأسلوب يعزز شعور الكاتب بأنه تخلص من قيد الفصحى وتعقيداتها، وكذلك بعض الإيحاءات الجنسية لا تضر فهي كذلك تخلق شعورا عند الكاتب بأنه تطور ولم يعد محافظا ومقيدا بالعادات والتقاليد، وبالتالي فهي تعمل على تشجيع الكاتب في الكتابة وعدم يأسه في منتصف الطريق.
   
ومخالفة ما هو شائع، هذه الخطوة مهمة جدا، فمثلا لو اتفق المجتمع على أن الحليب أبيض فيجب على الكاتب الناجح أن يثير بعض الشكوك، كأن يقول: لا، ربما كان الحليب أصفر، وخلق حوارا على هذا الأساس، وتكمن أهمية هذه الخطوة في جعل -الطرف الآخر- يعمل على الرد على هذا الحوار، وبالتالي تصبح الرواية مهمة كونها تعرضت للأخذ والرد والنقد….وأيضا من الأمور المهمة هو استخدام بعض الكلمات الغريبة والطويلة، فمثل هذه الكلمات توحي للقارئ بأن ما يقرؤه شيء عظيم، فعند الحديث عن التعددية والعيش في مجتمع متنوع الأعراق والطوائف ..إلخ، يمكن استخدام كلمة "كوزموبوليتاني"، للتعبير عن مثل هذا التنوع، وأخيرا، يجب على الكاتب الناجح استظهار مجموعة من الأسماء الكلاسيكية -وإن لم يكن قد قرأها-، وحشوها في الرواية وجعل تلك الأسماء متداولة بين شخصيات الرواية، وتكمن أهمية هذه الخطوة بخلق شعور لدى القارئ بأن الكاتب قد غاص في أمهات الأدب العالمي؛ وأنه على سعة واطلاع واسعين ..
       
يجب على الكاتب أن ينشر لقرائه كيفية قيامه بالكتابة أو ما يمكن أن نسميه "طقوسه"، ولا يهم إن كان على شكل صورة أو في أحد "بوستاته" على صفحته

         

ثانياً: طبعا هذه الخطوات التي ذكرناها تساعد على كتابة الرواية ونجاحها؛ إلا أن شخصية الكاتب لها دور مهم، فلا يصح أن يكون الكاتب منعزلا أو غير مرئي للقراء والجمهور، لذا وجدنا أن هنالك بعض الخصائص التي يجب أن يتمتع بها الكاتب ومنها على سبيل المثال: عمل صفحة على الفيسبوك بشكل مسبق والقيام بنشر -الخطوات السابقة- عليها بشكل دوري، مثل: العامية ومخالفة الرأي السائد، واستخدام العاطفة. إلخ، فهذه الخطوة تعمل على جعل شخصية الكاتب غامضة ومثيرة لكثير من المخالفين وربما المؤدين أيضا. استخدام صورة للكاتب وهو يحمل كتابا ويبتسم في الآن معا مع خلفية لمكتبة ضخمة جدا واعتمادها كصورة رئيسية على الصفحة.

   
والخطوة التي ربما أراها الأهم من بين كل ما ذُكر؛ تتمثل في لباس الكاتب، فيجب عليه أن يرتدي  "البالتو" و"لفحة" حول العنق يضعها الكاتب كيفما اتفق، مع شعر منكوش وذقن غير مرتبة أو استخدام ذلك النوع من القبعات التي يستخدمها الرسامون، أعتقد بأنها ستكون جذابة بشكل أكبر، مع عدم الاهتمام إن كان الفصل صيفا أو شتاء. ومن المهم أيضا، أجواء الكاتب أثناء كتابته لروايته وكيفية تصديرها للجمهور القارئ، فيجب على الكاتب أن ينشر لقرائه كيفية قيامه بالكتابة أو ما يمكن أن نسميه "طقوسه"، ولا يهم إن كان على شكل صورة أو في أحد "بوستاته" على صفحته، وسأرسم صورة لقارئي الكريم عن هذه النقطة لتوضيحها بشكل أكبر، فمثلا يجلس الكاتب على مكتبه وحوله الكثير من الأوراق المبعثرة مع فنجان قهوة أو شاي يخرج منه الدخان، ويضع الكاتب يده اليسرى على جبينه مع وجود سيجارة بين أصابعه بينما تكون اليد اليمنى في حالة الكتابة، ولا يضر إن كانت اليد اليمنى على الذقن، فهذه علامة على التفكير والتأمل!
    
وبالطبع ، فهنالك العديد من الخطوات التي يحتاجها الكاتب ليكون "كاتبا عصريا"، إلا أنني ذكرت بعضها لتكون أساسا أو منطلقا، مع مراعاة خيال الكاتب وطبيعة مجتمعه والموضوع الذي سيكتب عنه. وأخيرا، كعادتي، عندما أقوم بكتابة مقال عن فئة معينة من فئات المجتمع، كما في مقالي المنشور هنا  "شخصية بائع الكتب"؛ فإنني لا أقصد الإساءة لأحد؛ وإنما أقوم بالكتابة بهدف الفكاهة والدردشة ورسم الابتسامة.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

لا مكان للحروب والصراعات العنيفة في رواية "في أثر غيمة" لحسن داود، بل اشتغال على دواخل الإنسان برحلة الحياة وإمكانية التغيير والبحث عن الحرية وسط تخبط البعض وسعيهم المفترض للسعادة.

صدرت عن دار مسكلياني بتونس رواية "الحدقي" للكاتب الموريتاني أحمد فال بن الدين، وتروي الرواية حياة الأديب النقادة، والاجتماعي الناثر أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.

الأكثر قراءة