فيلم "خلاويص".. وفنان يتحدى جدار الخوف

رغم تحفظي على فكرة السطو على حقوق صانعي أفلام السينما بتسريبها عبر الإنترنت إلا إنني لا أنكر شغفي انتظارا لتسريب الفيلم الأخير للفنان الصادق أحمد عيد "خلاويص" حتى أتمكن من رصد رسالته الجديدة إلينا في ظل النظام القمعى الذي استطاع في بضع سنين أسر 100 مليون مصري وإعادة بناء جدار الخوف الذي حطمه الشباب الثائر في يناير 2011 .

ليس فقط لأن الفنان أحمد عيد صاحب موقف واضح من الثورة، وليس أدل عليه من مداخلته الهاتفية الشهيرة في أحد البرامج التي حاولت تشويه الثورة والثوار ثم حاولت تغيير جلدها تماهيا مع الاحتفاء الطاغي بالثورة بعد تنحي مبارك، فإذا به يفاجأ بنفس الإعلامي السيد علي وزميلته هناء السمري يحاولان ركوب الموجه لضمان استمرارهما على الساحة، ولكن مداخلة أحمد عيد فضحت زيفهما على الهواء مباشرة وأجبرتهما على التوقف لفترة بعد عبارته الشهيرة لهما على الهواء "شكلكم وحش قوي".

هذا الموقف الشجاع لم يكن فقط هو سبب اهتمامي بمشاهدة فيلم "عيد" الأخير ولكن لمجمل أعماله التي حملت رسائل هامة من فنان أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه جد مهموم بقضايا أمته وهي في مفترق طرق تاريخي يحتاج فيه الناس إلى رموز تضيء لهم عتمة الحيرة وتضبط بوصلتهم صوب سبل النجاة.

قبل شهر صدر فيلم "خلاويص" الذي يعد معولا هاما بجدار الخوف الذي نجح نظام السيسي ببنائه، حيث كان الفيلم مبنى على قصة حقيقية تم الحكم فيها على طفل في الرابعة بتهمة مقاومة السلطات

فمن ينسى الرسالة الهامة في "فيلم ثقافي" الذي أنتج عام 2000 والتي قيلت مباشرة لشباب مصر المحروم من أبجديات الحياة الطبيعية "العيب في النظام يا كوركات" وربما كلمة النظام بمعناها السياسي لم تكن متداولة بهذا الزخم وقت صدور الفيلم.

ومن ينسى فيلمه الأروع "ليلة سقوط بغداد" عام 2005، الذي حمل فيه هموم المثقف الحقيقي الذي دمي قلبه بالغزو البربري الهمجي على بغداد المنصور والرشيد، وبشر بأن هذه البربرية الغربية لن تتوقف عند حدود العراق، بل سنراها قادمة دون شك للقاهرة، ربما تحت قناع مختلف، ولكنها بلا شك قادمة، بل بلغت الجرأة والشجاعة بصناع هذا الفيلم أن أخبروا الأمة بأن أعداءها قد وضعوا مجموعة من السفهاء في مراكز صناعة القرار فيها، فلا أمل لتطور أو ابداع أو حتى كرامة. 

كما حاول "عيد" في عام 2007 تقديم قراءة حيادية وجادة بشأن الشباب الذي يختار الانضمام إلى التيارات الإسلامية في فيلمه "أنا مش معاهم" وبين كيف أن الدولة تتساهل بل تتسامح مع متعاطي المخدرات في الوقت الذي تضرب فيه بيد من حديد على من تسول له نفسه الاقتراب من السمت الإسلامي سلوكا أو حتى شكلا، كما وضح الفيلم الحدود الفاصلة بين الإرهاب الذي تديره أجهزة خارجية هدفها بالأساس تشويه الإسلام وبين الشباب الذي يختار الفكرة الدينية منهاج حياة. 

وربما تكون فكرة الاعتصام في الميادين كوسيلة للاحتجاج السلمي أصبحت من الأمور التي يعرفها ويفهمها العامة بعد اندلاع الربيع العربي، ولكن هذه الفكرة كانت غريبة على الأذن والوجدان عام 2008 حين قام الفنان أحمد عيد ببطولة فيلم رامي الاعتصامي، والأروع ليس قيامه باستشراف المستقبل، أو التنبؤ بثورة الشباب التي ذابت في ميادينها الطبقية البغيضة فرأينا نفس الخيمة في الميدان يجتمع بداخلها من كان يقضي وقت فراغه في نادي الصيد مع من كانت قهوة "بعره" هي وجهته ومحور علاقاته، بل لأن الفيلم توقع الطريقة التي ستحاول بها الدولة القضاء على زخم الميدان بإحداث الوقيعة والفتنة بين الشركاء ومحاولة عزل التيار الإسلامي وتوريطه في أحداث عنف، وأظن أن السيناريو الذي توقعه الفيلم هو نفسه ما شاهدناه بعد يناير 2011 حتى نجحوا في القضاء التام على الحراك في الشارع .

وبعد الثورة جاء فيلم حظ سعيد احتفاليا بهذا الزلزال الذي ضرب الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي حاول النظام العسكري تأميمه لعقود، ويبدوا هذا واضحا من اسمه، ورغم بساطة الفيلم إلا أنه يحمل رسالة هامة لأعضاء حزب الكنبة الذين يظنون أنهم يؤثرون السلامة ويعظمون مصالحهم الشخصية بالابتعاد عن الحالة الثورية، ولكن الفيلم يحاول أن يثبت لهم أن نجاتهم تمكن في الوفاء لمصر بدعم شبابها الثائر، وليس بالمزايدة عليهم أو الإتجار بنضالهم، وبذكاء قام "عيد" باستدعاء كل مشاعر الغضب ضد الطبقة التي سرقت مصر بعد حرب أكتوبر التي يولدها فيلم سواق الأتوبيس للراحل نور الشريف طوال مدة عرضه، باستعارة نفس جملة النهاية "يا ولاد الكلب" وكأن ثورة يناير كانت هي اللكمة التي وجهها نور الشريف ضد لصوص هذا الوطن في فيلمه القديم.

فيلم خلاويص للفنان أحمد عيد (مواقع التواصل)

وبعد الانقلاب كنت أشفق على عيد، وأتساءل في نفسي، ماذا سيقدم للناس، هل سينتحر فلسفيا ويقوم ببطولة أفلام "سُبكية" الطراز، أم سيبتعد حتى تزول الغمة، ولكنه بفهم من يحمل هموم الوطن على كتفيه ويناضل بفنه، وأيضا بذكاء الفنان الذي لا تنعدم حيله الفنية مهما كانت سطوة الأنظمة القمعية، عاد إلينا بعد ابتعاد عن السينما دام لمدة خمسة أعوام بفيلم "ياباني أصلي" ليذكرنا بأننا نخسر المستقبل بلا مبالاة غريبة، وأن الفجوة بيننا وبين العالم المتحضر تتسع يوما بعد يوم، وأننا صرنا نحيا على هامش الحضارة الإنسانية، وأن اهتمام هذا النظام بتنشئة أبنائنا تماما مثل اهتمامه بحقوق الإنسان في مصر، وكيف أن المواطن في البلدان المتحضرة يمكن أن تحتشد من أجله الدولة وسفاراتها في الخارج، بينما في مصر، تحتشد الدولة فقط لتأمين مواكب المسؤولين أو لتمرير المزيد من الأكاذيب ضد مواطنيها، وأننا نستطيع إحداث التغيير فقط إذا أحسنا إدارة مفرداتنا البسيطة.

وقبل شهر صدر فيلم "خلاويص" الذي يعد معولا هاما في جدار الخوف الذي نجح نظام السيسي في بنائه، ليس فقط لأن الفيلم مبنى على قصة حقيقية تم الحكم فيها على طفل في الرابعة بتهمة مقاومة السلطات، وليس لأن الفيلم يذكرنا بكل قصص الانتهاكات التي حدثت للأطفال من معتقل "التي شيرت" الشهير للمخترع الصغير وجميعها مآسي حدثت بعد الانقلاب، ولكن لأن الفيلم بين كيف تُرك المواطن رهينة لدى الشرطة التي تستطيع تدمير حياته كلها، ثم تشويهه بعد تدميره بمساعدة أذرع النظام الإعلامية فقط إذا ظن النظام أن هذا المواطن قد يكون سببا في فضح خطاياه المتكررة في حق العدالة.

ورغم عيوب البناء الدرامي لبعض الشخصيات ومنها شخصية "توفيق" المسؤول الأمني الرفيع الذي رأيناه يأسف لأن المواطن المصري يتنازل عن حقه بسهولة ويقبل برفع أجرة الميكروباص دون وجه حق، ثم نجده يتحول فجأة إلى شرطي أشبه بالدور الذي أداه باقتدار الراحل محمد وفيق في فيلم الهروب، كما ظهر الشرطي الشاب "طارق" فجأة دون تمهيد درامي كافي في بطولة أشبه بتراجيديات الدراما الإغريقية حين قرر إنقاذ المواطن "حسن" غير عابئ بافتضاح خاله الشرطي الكبير على الرغم من أنه الشاب كان جزء من المؤامرة ولم تبد الشخصية أي نوع من الامتعاض أو الرفض، أيضا المشهد غير المفهوم والذي أضعف الشخصية الرئيسية "حسن" التي قام ببطولتها "عيد" الذي رأيناه يأم المساجين في الزنزانة في أحد المشاهد، ثم يقوم بعدها بسلب بعض الحلوى من صاحب أحد أكشاك البيع بعدما اعتراه الخوف حين شاهد صورته كمجرم في أحد برامج التوك شو.

 

والكوميديا ليست مبررا على الإطلاق لإضعاف دراما الشخصية الرئيسية للفيلم، ولكن يمكن قبول ذلك كله في سبيل رسالة الفيلم الهامة التي حاولت استقطاب شباب الشرطة وتأليف قلوبهم صوب قيم العدالة المفقودة في هذا الوطن الذي وضع غالية مواطنيه بين خيارين أحلاهما مر إما الموت في الداخل قهرا وكمدا، أو الضياع في الغربة غرقا.

إن مسيرة الفنان الرائع أحمد عيد لا سيما فيلمه الأخير الشجاع "خلاويص" تُلزم أي فنان يحاول تخدير الشارع الحجة وأي حجة، لأنها تخبره عن رحلة عطاء صادق تحمل هموم الوطن والمواطن دون كبر أو استعلاء. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اتهمت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية موسكو بعدم العمل بجدية لفرض احترام قرار وقف إطلاق النار في سوريا، مؤكدة أن إقرار الأمم المتحدة للهدنة أمر حيوي لإغاثة المنكوبين، خاصة بالغوطة الشرقية.

الأكثر قراءة