حركة الظل الإسلامفوبي

بدأت تتصاعد في الآونة الأخيرة، وفي عدد من البلدان الأوروبية، وأمريكا الشمالية، ظاهرة حركة الظل الإسلامفوبي، ما هي هذه الظاهرة، وما هي مهمتها هذا ما سنشرحه هنا. الإسلامفوبيا، هو مصطلح اختصر بالتعبير، عن نشر الكراهية ضد الإسلام، وهي كراهية وتحشيد سياسي واجتماعي، تقوم على شيطنة مباشرة للإسلام كرسالة دين. ترفض مطلقا، مجرد الاعتراف به كدين سماوي، في أوساط غربية متدينة أو وجودية، وتفترض في الإسلام، أنه رسالة توحش، ولا تقبل بمعادلة شرح منهجه أو رسالته، وبناءه الروحي والعمراني، ورحلته في التاريخ البشري، ثم مقارنة تجارب هذه المعاني والقيم، برحلة بقية الأديان والمذاهب الوجودية، في العالم الكوني.

 

ولا تَقبل حركة الإسلامفوبيا من حيث المبدأ، البلاغ الإسلامي الفكري، الذي يُبين أن حركات التطرف والتوحش العسكرية والمدنية لا تُمثله، كما أن هذه الحركة، لا تستمع ولا تسمح لأي منبر إسلامي، أن يشرح العوامل الأخرى، التي ساهمت في انتشار التطرف في الشرق الإسلامي، بسبب حروب عالم الشمال، وخططه الاقتصادية والسياسية التي دعمت الاستبداد، وهيأت للتوحش الذي ضرب المنطقة، في ذات توقيت الحروب الشرسة على الشرق وعلى مدنييه، التي لها إرث استعماري قديم.

 

هذه الحركة، ورغم تبنّيها من يمين عنصري، تزايد حضوره في أوروبا وفي أمريكا الشمالية، وبدأ يصعد حتى في كندا، ولم يتوقف حتى بعد قضية مقتل المصلين في مسجد كيبيك، في يناير 2017، وكان أحد أسباب عملية الاغتيال، التي نُفذت ضد مصلين عزل، هو شحن الشاب الكندي الجاني، بمفاهيم الإسلامفوبيا.

 

حركة الإسلامفوبيا، بدأت تواجه تحديات صعبة، بعد أن فطن المسلمون لخطورتها، وأدرك بعض نشطائهم، النموذج الحضاري المؤثّر في مواجهتها، والذي بدء يكتسب شعبية في أوساط المسلمين الغربيين والأمريكيين

وهي مفاهيم لا تزال فاعلة، وإن كان التحالف الإنساني الجيد في كندا، الذي يدعمه رئيس حكومتها، جاستن توردوا بقوة، يقلص مساحتها، وهو مالا يوجد له مثيل في أوروبا، حيث المناهضين للإسلامفوبيا، هم نشطاء مجتمع ورأي عام غربي، ومتعاطفون من المسؤولين، لكن ليس في مستوى وموقع رئيس حكومة، كما هو في اوتوا.

 

ولكن هذه الحركة، التي باتت تُربط بعمليات العنف والقتل، المتزايدة ضد المسلمين المدنيين العزل في الغرب، وعمليات العنف التي مورست عليهم، وحملات التحريض المباشرة، ضد المسلمين من مواطني، أو زوار أوروبا وأمريكا، باتت اليوم تحت مسؤولية المتابعة القانونية، أو التسليط الإعلامي عليهم، وفضحهم اجتماعيا، بناء على قواعد التعايش، وإعلان حقوق الإنسان العالمي.

 

وعليه فإن حركة الإسلامفوبيا، بدأت تواجه تحديات صعبة، بعد أن فطن المسلمون لخطورتها، وأدرك بعض نشطائهم، النموذج الحضاري المؤثّر في مواجهتها، والذي بدء يكتسب شعبية في أوساط المسلمين الغربيين والأمريكيين، ويكتسب معهم شريحة من أديان واتجاهات متعددة، آمنت بضرورة التضامن الإنساني والدستوري، ضد هذه الظاهرة.

 

غير أن هذه الجهود، والتحالفات الإنسانية، وتوثيق عمليات العنف، والتحريض والإساءة العنصرية للمسلمين، التي أوضحت أن الظاهرة في تزايد، تبين أن مثل هذه المبادرات الفكرية والاجتماعية والقانونية، لم توقف هذه التعديات.

 

والمتأمل في المسرح الغربي الجديد، الإعلامي والثقافي، يرصد حالة الميلاد الجديد، لحركة الظل الإسلامفوبي، وهي حركة من الواضح، أنها لم تولد بصورة ثقافية طبيعية، وتدخلت فيها الآلة السياسية، وهي حركة تستقطب أي شخصية تعلن خروجها من الإسلام، أو تعلن مواجهتها له، كدين غير انساني.

 

لكنها تربط ذلك، بأنها تتبنى إعادة مشروع صناعة الإسلام من جديد، كما يحتاجه فكر الغرب الاستعماري القديم، وتياراته العنصرية الحديثة، بصورة تضمن مصالح كل تطرف غربي، ضد حقوق المسلمين، وليس فهماً حضارياً أو توازناً إنسانياً، ولا بحثاً عن القيم المشتركة، بين الأمم والحضارات، أو ما تميزت به الرسالة الأخلاقية الإسلامية.

     

 إنها إذن عملية تعديل جراحي كلي، لا تُبقي شيئاً من الإسلام ولا أصول رسالته، وحين نقول إن الظاهرة سياسية، لأنها لم تولد كأي حركات الإصلاح الديني أو الاجتماعي، فاستثمار نسخها يُنفّذ بصورة سريعة، وهناك بالطبع، من لا يُحسن إلا التجديف عبر تويتر ضد الإسلام ورسوله، لكن هناك عمليات توظيف منهجي عميق، لذوي خطاب ثقافي كاره للإسلام، أو تجارب سيئة في بيئة المسلمين مروا بها بالفعل، أو صُنعت على ألسنتهم، فجعلوها حجة للتحالف مع اليمين العنصري، ضد المسلمين.

 

 المجتمع المسلم في الغرب، لا يزال محاطاً بتأثيرات كبيرة، لحملات البناء الفكري السابقة، التي تشددت في موقفها الفقهي، ورفضت من حيث المبدأ، الاعتراف بحاجة العقل المسلم الى نبراس الفكر
 

هذا التفويج للظاهرة، بات يُفرَد له مساحة واسعة من الإعلام الغربي، ومن الواضح أنه يساعد بعض الأحزاب السياسية، حتى التي لا تتبنى الإسلامفوبيا ظاهرياً، لكي يكون مبرراَ ضاغطاً على حقوق المسلمين المدنية، والتي ممكن أن تُكفل كمواطنة دستورية تعددية، كما هو الحق لأي أقلية، ضمن النسيج الوطني الاجتماعي للدول الغربية.

 

والمشكلة الحقوقية والسياسية والفكرية هنا، هو ليس حق عناصر الظل الإسلامفوبي من المسلمين السابقين، أو الذين يقولون أنهم يتمردون على الإسلام من الداخل، ففي الغرب هذه المساحات متاحة، ضمن الحريات الفردية، المشكلة هي أن يُعتبر حديثهم دلالة قوية، تأخذ من حصة مئات الآلاف من المسلمين، ثم يروج باسمهم كل حراك قانوني ودستوري، لتقليص حقوق المسلمين، في مواطنتهم الجديدة.

 

ونلاحظ هنا أمراً مهما، وهو أن دفع هذه الظاهرة عنوة، لأخذ منبر المسلمين، أو للرد بلسان مسلم، يحرض ضد مطالب الحقوق المدنية للمسلمين، ومنها حق التدين الاختياري، لا يُساعد أبداً في عملية التعايش والاندماج الوطني، الذي يحفظ حق المسلمين في اعتقادهم، ويشجعهم أكثر، على الشراكة الدستورية والسياسية، مع كل الأسرة الوطنية الجديدة في الغرب، وتبقى لهم رؤاهم كما كان ذلك فيمن سبقهم، في تقييم السياسة الخارجية لحكومات دولهم.

 

فهي هنا حالة عنف فكري، واختطاف حضاري، فالأصل أن تتاح الفرصة لفهم الإسلام كما هو، وتبنى مع المجتمعات الجديدة المنتمية له، شراكات دستورية وثقافية، ويشجّع المجتمع المسلم، على فهم قيمه الحضارية الأصلية، في دينه، ورسائل السلام والنهضة العمرانية، مع الشريك الإنساني والوطني، التي تحض عليها رسالة الإسلام، وخاصة قيم العدل والتسامح، والمساواة بين الضعفاء والأغنياء، في رحلة الحياة.

 

لا حاجة للمسلمين في موطنهم الغربي الجديد، استدعاء الصراعات، والأحكام المذهبية المتشددة بل هم في حاجة ماسة لفقه دينهم عن بصيرة، ووعي أحكامه ومقاصده، وأخذ ما هو أقرب لبيئتهم الجديدة
 

إن المشكلة العميقة هنا، هو واقع المسلمين في الغرب، ولا ننكر حجم التقدم الذي حققوه، لكن المأزق الكبير، هو أنه لا تزال مساحة الفراغ كبيرة جداً، وقدرات الوعي الفكري الحضاري ضعيفة للغاية، وإن كانت الأرضية الحضارية، مؤهلة للشباب لكن، لا يوجد نماذج فكرية تقود، وهناك فارق بين أجواء كندا وفرنسا، التي رفضت نموذج د. طارق رمضان الحضاري، وهو ما يستدعي ضرورة فهم، هذا الانعطاف الخطير، الذي لعبت فيه السلطات الأمنية الفرنسية، مع حركة الظل الإسلامفوبي، دوراً رئيسيا فيه.

 

وما هو دور الخطاب الحضاري الإسلامي اليوم، وبناءه داخل المجتمع المسلم، قبل المناظرات الفكرية، التي لا يتسع لها أبداً، الضمير الأوروبي الحديث، رغم كل الأحاديث عن حرية الفكر، وهي دلالة لا تقف عند تجربة د. رمضان وانما سبقته بمراحل، ولكن نعود للمشكلة الرئيسية، وهي الخلل الذاتي لدى المسلمين.

 

إن المجتمع المسلم في الغرب، لا يزال محاطاً بتأثيرات كبيرة، لحملات البناء الفكري السابقة، التي تشددت في موقفها الفقهي، ورفضت من حيث المبدأ، الاعتراف بحاجة العقل المسلم إلى نبراس الفكر، والذي يؤسس البنية للعلاقات الاجتماعية والسياسية الجديدة، مع العالم الحديث، ويُغطي لدى جيله الجديد مساحة المعرفة الحضارية، قبل أن تبهته الأحداث، وتختطفه منابر الظل الإسلامفوبي.

 

إن المساجد في أوروبا والمراكز الداخلية، تقوم بدور تربوي مهم، وروحي كبير، ولكن وجود ثقافة الصراع والحزبيات، والقالب المذهبي القوي الذي نُشر، في محيطها عبر مشاريع خليجية، وليس بالضرورة أن تكون كل ثقافته خطأً، لكن فيه من الأزمات الفكرية والصراعات المذهبية، ما تتخلف به بلداناً لعقود، ولا حاجة للمسلمين في موطنهم الغربي الجديد، استدعاء هذه الصراعات، والأحكام المذهبية المتشددة بل الحاجة الماسة لفقه دينهم عن بصيرة، ووعي أحكامه ومقاصده، وأخذ ما هو أقرب لبيئتهم الجديدة، وتحرير اجتهاداتهم الفكرية، لتتكون قاعدة فهم ووعي لدى الجيل القادم من شبابهم، فيَسقُط رهان حركة الظل الإسلامفوبي، في وراثة جيلٍ أعلن تخليه عن إسلامه، إلى جيلٍ يعي إسلامه ومواطنته الحضارية الجديدة، ويكون نبراساً في الغرب، يهدي لمعالم رسالة الإنقاذ الإسلامي للبشرية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نشرت صحيفة التايمز البريطانية بعددها اليوم الثلاثاء مقالين لاثنين من المفكرين المسلمين حول ظاهرة الإسلاموفوبيا أو كراهية الإسلام التي تعاني منها الجاليات المسلمة في بريطانيا خصوصا والدول الغربية عموما.

الأكثر قراءة