تحت ظل آية (5)

"وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام) (163).

 

"لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَسْرَعَ إِلَيْهِ فَجَاءَهُ أَوَّلَ النَّاس"

– العلّامة الطاهر بن عاشور

 

إنّ الأوّلية ليست صفةً بقدر ما هي إعلانُ التزام، ومبادرةٌ إلى التصريح الجهري بالتوجّه وقبول اشتراطاته وتحمّل مسؤولية الانتساب إليه، بكل ما يعنيه ذلك من قطيعةٍ مع ما قبله وإخلاصٍ كامل وانقطاعٍ تامّ إلى ما بعده، حتى قيل أنّ الهمّة في الطلب هي استيلاءُ الغايةِ على نفسِ مريدها وتسخيرها له في دوامِ السعي والبحث والتنقيب عنها، مع إدراكِ ما يجلبه ذلك على نفسه مِن واجباتٍ والتزامات خاصّة لا تجب على غيره من الناس.

 

لا يعنى ذلك اشتراطا للأوّلية المادّية على المؤمنِ في كلّ شيء، لأنّ الصدارة أحياناً قد لا تتاح للجميع لاختلاف ظروفهِم واستطاعتهم ولكنّ المُرادَ أن يعيش المسلم بعقلية الأوّل والنبّيلِ والخاصّة، ورّوحِ وضغطِ وحِرصِ المُرشّح للفوزِ والسّبق في كلّ شيء ينافِسُه، وفي كلّ مضمار يقتحمُه.

 

فالمهم في ذلك السّير مسافةُ القلب التي تقطعها في سبيل الاستخلاف واستحقاقه، فإذا تعذّر عليك قطعها مادّيا وحالت بينك وبينها ظروفٌ قاهرة وأسوارٌ عالية، فصحّةُ طلبك وإخلاصك لها يرفعك إلى مقامِ بالِغيها، ومن ذلك ما قالَه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض أهل المدينة الذين تعذّر عليهم المشاركَة في تبوك: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، قَدْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ".

 

كانت الأمم قديما تتخيّرُ من أبنائها أسرعهم بديهة وأجملهُم خلقة وأحسنهم خُلُقا وأرهفهم حسّا وأشرفهُم نَفسا، حتى يكون رسولاً لها عند الأمم الأخرى، حتى لا يُزرى بها ولا يُحطُّ مِن قدرِها

فلا يَصرِفْكَ غيابُ القدرة على الفعلِ عن وجوبِ التمسّك بطلبه وإرادته والرغبة الجامحة في بلوغه وتحقيقه، لأنّ تلك الإرادة العميقة التي تسكنك وتتجذّر فيك تنعكس على جميع مناحي حياتك دونَ أن تشعُر، فتنقّيك وتُرقّيك حتى تصبح من أهلّها وإن لم تصِلها، وتجعلُك رجلاً بنفس مَلِك وإن رآك الناسُ مثلَهُم لا تفضلُهم في شيء ظاهِر.

وقد جاءت إحدى النساء إلى جَمعٍ فيه أحدُ أئمة أهل البيت تطلبُ الصدقة، ولم تتوجّه إليه بالطلب لأنها لم تعرِفه، فأتاها بكيس مليء بالدراهم، فلما شكرته وانصرفت عاتبه من معه قائلين: "لو أنّك أعطيتها القليل، ما الذي يُلزمَك بأن تجزلَ لها العطاء فهي لم تعرِفك "، فقال: "لكنني أعرفُ نفسي".

 

هذا ما يجعَل الأوّلية أسلوبَ حياة شديداً على النفس، لأنه لا يكتفي فقط بحرمانها من الممنوع، بل يحجِبها عن جميعِ ما يمكنُ أن يخرمَ من مروءَتها أو يخدشّ في رقيّ ذوقِها، وإن كانَ مُباحاً، ليسَت مضطرّة لتركه مُلزَمة باجتنابِه. قاعِدتها في ذلك قولُه تعالى "وَلَا تَقْرَبُوا"، فالمرادُ منها يتجاوزُ الحرص على عدم السقوط في المناطِق المُحرّمة، إلى تجنّبِ كلّ المساحات والطرق المحيطة بها والمؤدية إليها، واتّخاذِ مسافَة أمانٍ تعصمُك عن حقلِ جاذبيتها واستدراجِها، لأن التنازُلَ ككرة الثلج، وحقولُ الألغام تأتي مُمّوهَةً. والداخل إلى مجال الرسالة والدعوة بمعناها الشامل والفسيح، مثله كمثل من يُستدعى لقصر الملك حتى يقلّده الولاية، فيشترطُ فيه التميّز عن سواه في استقامة الوقوف واعتدال الجلسة وأناقة اللباس وحسنِ اختيار اللّفظ، فالداعية كالوالي نائب عن الملك، ومُوقّعٌ عنه، ومُبدٍ لعزّته وهيبَته.

 

وقد كانت الأمم قديما تتخيّرُ من أبنائها أسرعهم بديهة وأجملهُم خلقة وأحسنهم خُلُقا وأرهفهم حسّا وأشرفهُم نَفسا، حتى يكون رسولاً لها عند الأمم الأخرى، حتى لا يُزرى بها ولا يُحطُّ مِن قدرِها فتُستقَلَّ وتُحتَقَر، فكيفَ إذن يُشترَطُ في حامِل رسالة الله والمحامي عن قضية الدين أن يكون وعلى أي هيئة. إن ديننا محرَّض على التسابُق والتباري في تقلّد الوظائف ونيلِ معالي الأمور "وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ"، وهو الطلب النفيس القليل الذي تتنافسُه الكثرة فلا يظفرُ به منهم إلا أحقّهم بها، وبالذل النفس لأجلِ نَيلِها وتحصيلها. كّلَ يومٍ تنزلُ بها محاظر التنصيب وإعلاناتُ الاجتباءِ والتوظيف، يترقّبها فيتلقّاها قوم ويغفل عنها فيُحرَمُها أقوامٌ آخرون، أما مقاييس الاختيارِ فيها فقد لا تتطلّب في أكثر الأحيان أكثرَ من الحبّ وصدق الرّغبة ووجودِ الحُرقَة والتشوّق.

 

ومن ذلكَ عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصف للصحابة صفاتِ بعضِ أهل الجنّة، فقالَ أحدهم: "يا رسول الله أدعُ لي أن أكونَ منهُم"، فأجابَه" أنتَ منهُم"، فقالَ آخر "يا رسول الله أدع لي أن أكونَ منهُم"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سَبقكَ بها عُكاشَة". فانظُر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلّمَ يعلّمهم عقلية التنافُس والمُبادرة والسّبق إلى الأوّلية حتى في التفاصيل أو الرغبات التي تبدو مُستحيلَة، ويدعوهم إلى عدم التفريط في أي فرصة سانِحَة للارتقاء والارتفاع درجَةً أخرى، لأن الرّفعة صفةُ المؤمن "وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ".

 

سعيٌ حثيث وتّوقٌ شديد نحوَ الأعلى، يشبهُ ما كان عليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي كان يقول : "إنَّ لي نفسًا توّاقة، تاقت إلى فاطمةُ بنت عبد الملك فتَزَّوَجتُها، وتاقت إلى الإمارة فَوليتُها، وتاقت إلى الخِلافة فأدركتُها، وقد تاقت الآن إلى الجنة، فأرجو أن أُدركَها"، ما يجنّبُ نفس المؤمن القناعة والاكتفاء من الإنجاز وترك الأثر، الذي يصيبه بالرّكود وتكرارِ نفسِه واجترارِ أيّامِه، فالتعلّق بأعلى الغايات يخوّلنا أن نجد دائما ما يدفعنا إلى طلب المزيد والقيام بعد التعثّر ولمِّ الشّتاتِ بعد التبعثُر، وفي الحديث "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْس". وكذا في صيدِ ابن الجوزي أنّ من الواجبِ على من له أنَفةٌ أن يأنفَ عن التقصيرِ الممكنِ دفعهُ عن النّفس، فلو كانت النبوّة تأتي بالكسب، لَم يجُز له أن يقتنع بالولاية، وإن تمكّن من نيلِ الخلافة، لَم يحسُن به أن يقتنع بالإمارة، والمقصودُ أن تأتي النفسُ كمالَها الممكِن.

 

كان القرآن واضحا غاية الوضوح في تبيين ملامِح ثنائية (التسامي / الإخلاد)، شفّافا جدا في طرح الفرصة والمّيزة للمنافسَة والسّعي، تاركاً الباب مشرعاً للناس حتى يتمايزوا وينحازوا وينجذبوا إلى أيّ قُطبٍ من الأقطاب شاءوا
 

فسيفساء الأوائل

يقول طرفة بن العبد في معلّقَتهِ: إذا القومُ قالوا مَن فَتًى؟ خِلتُ أنّني عُنِيتُ فلمْ أكسَلْ ولم أتبَلّدِ. فالأوّلية توحي بأن على المسلمين تصدّر جميع مناحي الحياة بمقتضى دينهم وتوجيهاتِه الداعية إلى ذلك، فمصرُ الأوّلية والصدارَة والعمران لها أبواب كثيرَة، ويعقوبُ العصر ما يزال يوصي أبناءهُ "وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَة".

وبأننا في ديننا كما كان الأذان في بعض المساجد يرفعه سبعةُ رِجال، في دقّة وتزامُنٍ وتناسُقٍ بديع تخضع له الأسماع فيستجيب له الناس عن تلذّذٍ وانجذاب وطيبِ خاطر، وأذانُنا شاملٌ لشتى مجالات الحياة، يليقُ أن يتظافرَ فيه تأليفُ الكاتب مع خيالِ المُصمّم ومُشاهداتِ الرحّالة ونُبل الطبيب وإبداع المهندس وإخلاص المعلّم وحنكة السياسي.

 

وأن المسيرَة مِن "رَأَيْتُ" حتّى "قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ "، طويلَة شاقّة ومن تمنّى تعنّى، وهل يتمايزُ طالبوا عرش العزّة في هذا المصرِ أو ذاك إلا بطول النفس طلبا للوصول إليها، فمنهم من يخشى خوضَ غمار البحر فلا ينطلق، ومنهم من ترهبه أمواجهُ إذا خاضَه فيرجِع عنها ويكتفي، ومنهم مَن يُقاربُ المنتصفُ ثم تثقل عليه المواصلَة فيسرعُ إلى إعلانِ العجز والفشل ويعودُ أدراجَه.

 

لكنها تريد أمّةً تركب البحر المضطرب وتخترقُ الموج المتلاطِم وتصبر من طلب الريادَة والرُبّانية وتدفعُ لمعالي الأمور ضرائبها المُستحقَّة، ويقولُ آحادُها في عزم: "لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا". " ونحنُ أناسٌ لا توسّط عندنا لنا الصّدرُ دونَ العالَمينَ أو القبرُ تَهونُ علينا في المعالي نفوسُنا ومن خطبَ الحسناء لم يُغلِه المهر. " أبو فراس الحمداني. خُذها يا عُمَر: جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة"، وقالَ في آخر: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا".

 

وهي رسالةٌ بأن القافلة مستمرة في الانتقاء وأن كلَّ جيلٍ معني بالمسابقة، يلحقُ بها بعضه فيرتفع "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا"، ويتجاهلها الآخر الذي أتيح له تبنّيها والالتزامُ بها "لَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ" فيُخفض، وكان القرآن واضحا غاية الوضوح في تبيين ملامِح ثنائية (التسامي / الإخلاد)، شفّافا جدا في طرح الفرصة والمّيزة للمنافسَة والسّعي، تاركاً الباب مشرعاً للناس حتى يتمايزوا وينحازوا وينجذبوا إلى أيّ قُطبٍ من الأقطاب شاءوا.

 

وبذلك فإن دُعاءَ "اللهم أعزَّ الاسلامَ بأحدِ العُمَرين"، نداءٌ خالدٌ يتردّدُ صداهُ كلّ ليلة فوق ديار العالَمِين ثم يلقي بحبلِه لعلّ أحد العُمَرَين يقرّر تقبّل المهمّة، فكن ذا نفسٍ عُمرية وافعلها، والتحِق بالوظيفَة مِن حينِك. "عجبتُ لهم قالوا تماديتَ في المُنى وفي المُثُلِ العليا وفي المرتقى الصّعبِ فاقصِر، ولا تُجهِد يراعَك إنما ستبذرُ حبّا في ثرًى ليسَ بالخَصبِ فقلتُ لهم مهلا فليسَ اليأسُ شيمتي سأبذرُ حبِّي والثمارُ من الربِّ إذا أنا أبلغتُ الرسالةَ جاهدًا ولم أجِدِ السمعَ المُجيبَ فما ذنبي؟".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة