العبودية الطوعية.. كما تكونوا يولى عليكم!

blogs العبودية الطوعية

"أيتها الشعوب المسكينة والبائسة والحمقاء، أيتها الأمم المكابرة في دائها والعمياء عن نعمتها، أنتم تتراخون فتدعون الأجمل والأنقى من رزقكم يختطف من أمامكم، فحقولكم تنهب وتسرق، وبيوتكم تعرى من الأثاث القديم الذي كان لآبائكم، وتعيشون على نحو لا يسعكم معه الزهو بأنكم تمتلكون شيئا. يبدو أنكم إذا ترك لكم نصف ممتلكاتكم، ونصف عائلاتكم، ونصف حياتكم، تعتبرون ذلك سعادة كبرى".

– لا بويسي

 

بالرغم من أنّ "لا بويسي" كتب هذه المقالة في عام 1548م أو 1549م، في وقت كانت فرنسا تمر بأزمة خانقة تميزت بالظلم والاستبداد. إلا أنها تمثل الحقبة التي نحنُ فيها بكل تفاصيلها ومستجدتها.

 

مع الكتاب باختصار شديد

يخلصُ المؤلف إلى أن مشكلة الاستبداد والطغيان تعودُ بالأساس إلى الشعوب التي تقترفُ "الذل" وَ "الاستكانة" وَ "الخضوع".. ومن ثمَّ هي من تَخلقُ طغاتها، على اعتبار أن "القطيع" هو من يُوجدُ "الراعيَ" ذا العصا الغليظة. الكاتبُ يحاول أن يردَّ المشكلة التي تتمظهرُ سياسياً إلى "الثقافة" لأنها -كما يرى- هي المسئولة عما لَحِقَ "الوعي" من تضليل، إذ عدمُ إدراك الناس لحريتهم التي فُطروا عليها هو ما جعلهم -بشكلٍ تلقائي- ينخرطون -عن اختيار محض- في التخلي عنها، وهذا واضح، لأنك لن تتحرك بالمطالبة بشيءٍ إلا بعد وعيك بأنه من حقوقك، أما كونك تعتقد أن هذا ليس لكَ بحق؛ فلن تنهض يوماً بالمطالبة به.

 

"نقد النقد" ممارسة فكرية عالية المستوى. ولأننا نعرفُ اللهَ تعالى عبرَ وحيه المصون وهو القرآن الكريم، وهو ينصُ صراحةً على وحدة المنبت البشري؛ فإن الناس سواسية كأسنان المشط

وعلى سبيل التقريب فكما يحصل كثيراً أن نجهل بعض الأنظمة في مراجعاتنا للدوائر الحكومية، فإننا غالباً نسير وفقاً للمعتاد ولا نطالب بخلاف المعهود من الإجراءات، لكننا إذا علمنا أن النظام ينصُ على أن ثمة حقوقاً لنا هي في واقع الحال مهدرة؛ فسوفَ ستستيقظُ فكرة "المطالبة وَ "عدم التنازل" في أذهاننا، وربما خامرتنا رغبةٌ في "التمرد" وَ "الاعتراض".

 

إذن يتركّز التفكيرُ هنا في إعادة بناء "الوعي" حول فكرة "الحقوق" نفسها: ما أصلها؟.. وما الذي يحدد نطاقها؟.. ومن أين تستمدُ شرعيتها؟.. وأينَ الدين من هذا كله؟.. وهل الدين مسئول عن تزييف وعي الناس بحقهم؟.. ثم هل للعقل قدرة على استنباط أصلٍ لفكرة الحق؟.. ومن أين يستنبطه؟..

 

وهذا ما أدى لاحقاً إلى نشوء فكرة "الحق الطبيعي" باعتبارها شرعية بديلة عن "الحق الإلهي"، وكون الطبيعة هي "المتن" الذي ستستنبطُ منه الأطر الحاكمة للأخلاق والقوانين والنظم.. بل والقيم، بعدَ أن تم إلغاء -أو استبعاد- "المتن الديني" بكافة ملحقاته التفسيرية البشرية باعتباره خطاباً بشرياً منسوباً إلى الله سبحانه، وأدى إلى مساندة الظلم والخرافة ضد الحق والعلم. وهنا يجب أن ننتبه إلى السياق التاريخي يتحدث عن تجربة المسيحية في أوروبا.

 

مجملُ القول: إن المقالة -الكتاب- تنطلقُ من مشكلة سياسية إلى تقرير قضية حقوقية يتمُ تشخيصها باعتبارها أزمة وعي بفكرة "الحقوق" ذاتها.

 

والآن.. وبناءً على ما مضى تأكيدُه من ضرورة استحضار فكرة "السياقات" في قراءة التجارب الحضارية، فإن "نقد النقد" ممارسة فكرية عالية المستوى. ولأننا نعرفُ اللهَ تعالى عبرَ وحيه المصون وهو القرآن الكريم، وهو ينصُ صراحةً على وحدة المنبت البشري، وأن الإنسان مخلوقٌ مكرمٌ، وأن معيار التفضيل الإلهي هو "التقوى" لا غير، هذا في الآخرة أما في الدنيا؛ فإن الناس سواسية كأسنان المشط، هذا هو ما يُفهم من الخطاب القرآني.

 

كتاب كتاب "مقالة العبودية الطوعية"  (مواقع التواصل)

ولم يسبق -فيما أعلم- أن كان للدين في تاريخ المسلمين مؤسسات قائمة بذاتها ولها سلطة الأمر والنهي، ولم يسبق أن كان الدين -عبر مؤسسات- عقبة أمام تفكير أو إبداع، صحيح كانت هناك فتاوى تدّعم موقف سلطة معينة، لكنها معارضة بفتاوى أخرى، ثم هي مسالك فردية، وكان للناس قدرة معينة في التمييز بين الأمرين عبر التحاكم إلى النصوص الواضحة، فتمَّ تقسيم العلماء في الوعي الشعبي إلى: "علماء سلطان" وَ "علماء آخرة".. إلى غير ذلك من المظاهر التي تؤكد أن الدين -الإسلام تحديداً- لم يكن يوماً عبأً على الحقوق أو مشرعاً للظلم، بل إن الثورات ضد السلطات الحاكمة كان مبعثُ كثيرٍ منها هو "الدين".

 

ومن هنا أنا ضد التساهل مع نقول تستخف بـ"الله" عبرَ نقدها للخطاب الذي يُنسبُ إلى الله وهو "الدين" وهذا ما تؤكده مقالة العبودية الطوعية. إن الخطابَ يُنسبُ إلى الناس باعتبار اعتناقهم إياه، ويُنسبُ إلى الله تعالى باعتباره من أنزله، وُينسبُ إلى الآراء والاجتهادات باعتبارها تنطلقُ منه وفي حدوده، مع أنها ليست معصومة، والنصُ نفسه يمنحنا شرعية نقدها وفقاً لمنهجية معينة.

 

يجبُ أن نحتفي بالاسم الكريم "الله"، وألا نسايرَ غيرنا في ابتذاله -مهما كان الأمر-، لأننا نعي مكمن الخطأ عندهم، فـ"الله" جلَّ جلاله أنزلَ وحيَه الذي تضمّنَ كلَ عدلٍ وخيرٍ ورحمة، "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ"، فكونُ الأفهامُ البشرية تخطئ في فهم رسالات الله لا يسوغُ لها النيل من اسمِ ربِ العالمين عبر إطلاقات غير مسئولة..

خلاصة القول: "كما تكونوا يولى عليكم".



حول هذه القصة

صور حصرية للجزيرة لعمليات الجيش المصري بسيناء

حصلت الجزيرة على صور حصرية لعمليات الجيش المصري بشمال سيناء، تُظهر قصفا مدفعيا باستخدام الدبابات، وتجريفا للمنازل وأشجار الزيتون. وتتصاعد شكاوى أهل شمال سيناء من خسائر جمة جراء عمليات الجيش.

Published On 27/2/2018
الغوطة الشرقية.. القصف مستمر وموسكو تعلن هدنة إنسانية

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية الاثنين أنها لن تلعب أي دور في مراقبة انتهاكات الهدنة التي أعلنها مجلس الأمن بسوريا لـ30 يومًا، بينما تحدثت موسكو عن تطبيق هدنة يومية لخمس ساعات.

Published On 27/2/2018
JERUSALEM, ISRAEL - JULY 28: Police are on high alert during a demonstration on July 28, 2017 in Jerusalem, Israel. Religious leaders announced that following a recent terror attack the holy site of Al Aqsa mosque which was then partly closed will open for prayer while tensions grow in the city after recent clashes and protests. (Photo by Ilia Yefimovich/Getty Images)

أصدرت محكمة إسرائيلية حكما بالسجن على يهودي اعتنق الإسلام بالسجن 38 شهرا بعد إدانته بمحاولة الالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

Published On 27/2/2018
عودة الهدوء الحذر إلى مدينة سبها الليبية

أطلق الجيش التابع لحكومة الوفاق الوطني الليبي أمس الاثنين عملية “بشائر الأمان” لحماية جنوب البلاد، بينما تجددت الاشتباكات بمدينة سبها (جنوب) بين مسلحين من قبائل التبو وقبيلة أولاد سليمان.

Published On 27/2/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة