وإن قتلوك.. لن تموت!

blogs الغوطة

هل رأيت دما يتدفّق في الطرقات بلا حُمرة؟! أم رأيت النار تستعر غضبا ومِنْ جليدٍ في جوفها الجمرة؟! أرأيت الغيم يمطر كسفا من السماء؟! وخريف العمر يورق؟! وبلا زهرٍ تنتصب الشيخوخةُ على الأغصان كالثمرة؟! لا تلتفت حولك، أنا أتحدث إليك أنت، أجل أنت! أنتَ الذي تصدّق كلَّ شيء، وتستبدل بالحلم الذي سكنك أي شيء! تبحث عن انتصاراتٍ تُنسيك هزائم روحك، وأنت تنفض غبار الغزاةِ عن كتفيك دون أنْ تتوقف عن الانحناء.. ألم تصدّقهم حين قالوا لك: "صالح! سيتوقّف نزف روحك، وسيهدأ -كالجداول التي تُخيفها الريح- تدفّق دمك"؟! ألم تصدّقهم حين قالوا لك: "جيران نحن! والدم الذي بيننا وبينهم يمنحنا ويمنحهم الدفء وهيبة المحاولة"؟!

 

صدّقتهم جميعا! الفاتحين والكاذبين وضحايا الصمت والجلادين، صدقتهم جميعا، وكذّبتَ نورا كم أطلّ مِن بهاء جبينك، فلم تصدِّق أنك وحدك مَن يلوِّح باليقين! لم تصدّق أن الظلم عتمةٌ يبدّدها فجرٌ يشرق مِن بين قضبان الصدور والزنازين.. قالوا لك: "مَن أنتَ لتحتكر الحقيقة؟ ففزعتَ منها وألقيتها بعيدا كي تصير أوهامهم حقائق لديك، وحقيقتك التي كم رفعَتَك فوق رؤوسهم صارت كرةً لا تملك أنْ تُمسك بها، وقد تدحرجت بعيدا، وما عادت بين يديك!".

 

يبالغون في إذلالك! وهم يتفرّجون على دمك المنسكب في الغوطة، وليس لديك سوى قلب محموم يتقلّب على جمر الصور والأصوات المستجيرة! يسخرون مِن قدرتك اللامتناهية على الصمت، ورُكونك المهين إلى الأرض

لا أدري إنْ كنتُ أبكيك أم أبكي شخصا آخر! فأنت لم تعد أنت، وبقيتُ وحدي ألوّح ليقظتك دون أنْ ألمسَ منك حراكا.. ذابت بيارقي، وتبعثرت مع خيام التشرّد أوراقي، وما عادت تضيء كعادتها النجوم! وصغاري جائعون، يلملمون ما بقيَ من قُوتي وصبري.. ملَّ الأمل انتظارهم، غير أنهم بالوجع كانوا ينتظرون، فأتاهم الوعد فجرا أنار أكفَّهم الصغيرة، وانتشر الشعاع في المضارب الهزيلة، علّها تتفتَّح العيون! الشمس التي وعدتك بها أضاءت الأرض، وفي سباتك أحرَقَتْني! أيُّ طينٍ أنت أيها النائم على شظايا روحك؟ وأيُّ ماءٍ كدرٍ يجري في عروقك؟ يؤلمك أنّي أتحدّث إليك كما يفعل جلادوك؟! فأيُّ ألمٍ يخلِّف في أفئدةِ الصغارِ صمتُك، وأيُّ قهرٍ يورث الصابرينَ قهرُك..

 

افتح عينيك أيّها المسكين.. لا تخف! لن ترى غير نفسك ممددا وشوكٌ ينبتُ بين عينيك وفي فمك! انظر إلى قيدك اهترأ، وتحرَّرت أطرافُك غير أنك لا تتحرك! فروحُك مقيّدة أغلالها بالخوف، وهيهات أنْ تتحرَّر أيها الساكن مِن قيدك! أيّها الممدَّد على جمر الرضوخ! هناك مَن يقبضُ على جمر روحه ولا يحترق! هناك مَن عرف للحريةِ طريقا، فكان دمه علاماتٍ للطريق! وأنتَ في برد روحك تكتوي وترفض -رغم وجعك- أنْ تفيق.. سيفك الخشبي أكله العفن! بينما تهوي وحيدا وأنتَ مَن انتظر المطر طويلا! تهوي بظمأ روحك ولا شيء ينتظرك سوى القعر السحيق.. هناك.. ستواجهك اليقظة، وستفتح عينيك لن تبالي، غير أنّ الشمس لا تكسو غير الواقفين على أرجلهم! تهبهم الضوء، وتعدُهم بالمطر، وتترك العتمةَ للقابعين في الحفر!

 

القدس تنسلّ من بين أصابعك، فهلا قبضت بالعزم كفّيك! سقَطَت الخيارات القديمة، فلم تعد تخدع أحدا، وما قالته تراتيلُ الحذر أصبح واقعا بحروفٍ عبريّةٍ يُكتب! إنْ لم تُغيّر حروفه بيديك! السلطة الفلسطينية لم تكن ضمادا لجرح فلسطين بل هي سكّينه! ورجال التنسيق الأمنيِّ "حمايةُ الاحتلالِ وأدواتِه" كلّ ما يفعلونه! جنينُ الخطيئةِ أوسلو لفظَ أنفاسه الأخيرة، وسط ضجيج المحتفلين بإعلان تاريخ نقل السفارة الأميركية لزهرة مدائنك، وقِبلة روحك الأولى.. يبالغون في إذلالك! وهم يتفرّجون على دمك المنسكب في الغوطة وليس لديك سوى قلب محموم يتقلّب على جمر الصور والأصوات المستجيرة! يسخرون مِن قدرتك اللامتناهية على الصمت، ورُكونك المهين إلى الأرض..

 

هم يعرفون.. بأنّ أشلاء الصغار في الغوطة وقد صارت زهرا للدم يمكنها أنْ ترسمَ عروبة ضميرك وقلبك، أنْ تجسّ نبض هذا العالَم المتواطئ والمتخاذل والحالم بقطعةٍ من كعكةٍ كبيرة تُقسَّمُ اليوم بصفقاتٍ جديدة، لا مكاسب فيها لمَن يرغب بإظهار ملامح إنسانيته.. إنْ لم تُحرّكك دماء الشام والعراق ومصر، ومن قبلُ في خريطة أرضك المغتصبة، فمتى يرتعش في عروقك دمك! متى تكتشف بأنّ الحياة لا تمنحُ زهرتها للذين يُخيفهم الموت، ويُثنيهم الوجع عن التقدّم صوب خياراتِ أرواحهم؟! متى تُصدّق بأنّك آيةُ هذا النصر؟! متى تتلو نفسك على الساحات المتعطّشة للكرامة؟! ومتى تُكبِّر ملء قلبك مِن فوق المآذن التي نادت لصحوك طويلا؟! 

 

أطفال الغوطة فوق ركام منازلهم  (رويترز)
أطفال الغوطة فوق ركام منازلهم  (رويترز)

هذا وقت الصحو فانتصب وقاتل! لا تنشغل بكتابة وصيَّتك الأخيرة، فأنتَ وإنْ قتلوك لن تموت! وسيموت مَن آثر الغياب وإنْ ظلَّ على خرائط الذلّ يتنفّس.. هذا وقتٌ تتسابق فيه أجزاؤك للسلاح! ولن يزيدَ جراحَك إلّا نزفاً الكلام! فالقدس آخر المعارك، وأوّل مفردات الصدق حين يتساقط طاهرا مِن فم الأيام..

 

أيّها المسكون بتناقضاتك.. تكاد هذه اللعبة المميتةُ أنْ تنتهي.. لعلّ ما عدَّه عزيزُ مصرَ في الرؤيا أعواما، تَعُدُّه أنتَ عقودا.. ولعلك في عِقْدِ نكبتك السابع تُبرئ جرحك وتستريح! لعل الأعوام تَجرُّ لك مرغمة -حين تُطلّ عليك مِن غيمة الضيق- أمطارَ الفرج! فهامةُ الصبر يا ابن النوائب لا تنحني! وتنحني لها هامةُ البلاء! والله لا يخذلُ مَن تمسّكَ بحبله، واعتصم بالرجاء.