معركة شدّ اللحاف

blogs المنبة

هل سألتم أنفسكم مرّة: لماذا ينهضُ إنسانٌ في ساعات الفجر الباكرة وفي ليالي الشتاء الباردة، خارجًا من نعيم الدفء تحت اللحاف، تاركًا خلفه أحلامه العذبة.. لماذا يترك كلّ ذلك ويمضي إلى ماء بارد يسكبه على أجزاء من جسده، ثم يركع ويسجد لربّه؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج منّا أن نسأل سؤالا معاكسًا تماما: ما الذي يحدث لو استسلم الإنسانُ لنداء الغفلة، ومضى مع امتداداته إلى أبعد مدى؟ ما الذي يحدث لو ظل الإنسان نائمًا، مُعرِضًا عن كل صيحة عقل أو يقظة روح؟

 

ولنأخذ هذه اللحظة إلى سياقات أخرى وامتداداتها، ليس في النوم فحسب، بل في الأكل والجنس واللهو وغيرها. فلو أنّ ذلك الإنسان أكل وأكل وأكل ولم يكبح نهمه. ولو أنّه استغرق مع شهوة الجنس دون أن يغلب على فكره شيء غيرها. ولو أنّه انغمس في اللعب واللهو دون توقف.. لا شكّ أنّ كل عاقل سيحكم بأنّ مصيره الهلاك لا ريب، في الدنيا قبل الآخرة؛ فأما الاستغراق في النوم فسيحوّله إلى جسد بليد مسجى على فراشه كما يسجى الميّت في تابوته. وأمّا الاستغراق في الأكل والاستجابة لكل نهمةٍ فسيقوده إلى السمنة وأمراض الجسد القاتلة. وأما الاستغراق في شهوة الجنس فسيقوده إلى الخيانة وإلى إحراق ماله ووقته.

 

وهكذا، يدرك العاقل أنّ الاستغراق في الاستجابة لما تُمليه الأهواء عليه هو طريقه إلى الهلاك. إنّ الحيوان لا يفعل ذلك، فبرنامجه الطبيعي الذي قدّره الله في كيانه يمنعه من أن يتحوّل إلى كتلة أهواء غير قادرة على أداء دورها في الحياة، ولكنّ الإنسان معرّض لذلك؛ لأنّ الله سبحانه قدّر أن يجعل ضبط برنامجه بيده، ابتلاءً له بحكمته وتكريمًا له من جهة أخرى، وها هنا المحك.

 

الطغيان هو انفلات الإنسان من ضابط الشريعة وانقطاع صلته بالروحية بالخالق، ومن ثم يبقى عقلُه الضعيف فريسة لأهوائه

ومن هنا، بقدر ما يكون الإنسانُ ضابطًا لشهواته ومتغلّبا على أهوائه؛ يحقّق معنى إنسانيّته. وبقدر ما ينساق خلف شهواته وأهوائه؛ يَنقُصُ من إنسانيّته. وإنّ اللحظة التي يعزم فيها الإنسان على نزع اللحاف عن جسده الدافئ الغارق في الأحلام، والنهوض بقوة نحو الوضوء والصلاة؛ هي اللحظة التي يحقق فيها إنسانيّته بأجمل ما يكون التحقّق! إنّها اللحظة التي يقرّر فيها الإنسان الاستجابة لنداء الروح والعقل، كابحًا لأهواء تدفعه دفعًا للاستغراق في لذّة النوم ونعيم الغفلة.

 

ما الإنسان؟

إذا كان الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن يؤذي نفسه حين يستسلم لأهوائه وشهواته، والوحيد الذي يحتاج أن يبذل جهدًا اختياريّا إراديّا واعيًا لضبط هذه الأهواء؛ فعلينا إذن أن نتساءل: ما الإنسان؟

 

ولقد تكفّل القرآن بالإجابة في آيات عديدة، نختار منها هذا السياق القرآني من سورة السجدة: "ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ".

 

والسياق يدلّنا على ثلاث مراتب تشكّل معًا كيان الإنسان:

– الكيان المادي: الذي تجري عليه قوانين المادّة، وفيه تعتمل الغرائز والشهوات.

– الكيان الروحي: الذي يجعله على اتصال بخالقه من خلال الشعائر التعبّدية.

– الكيان العقلي: الذي يجعله متميّزا بالوعي والإرادة وحرية الاختيار.

 

وإنّ قضية الإنسان تتلخّص في التوازن بين هذه الكيانات الثلاثة: فأما الكيان المادي فهو – كما أسلفنا – غير منضبط عند الإنسان ببرنامج ذاتي قهري يقيه الإفراط في استعمال الغرائز والشهوات كسائر الحيوانات، ومن هنا تتولّد "الأهواء"، والتي يؤدّي اتباعها إلى الشقاء في الدنيا والآخرة. ومن ثم جاءت "الشريعة" كنظام ضابط لهذه الأهواء: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ".

 

ولكن هذه الشريعة لا تعمل وحدها تلقائيّا، بل تحتاج إلى كيان عاقل مُريد يتعلّمها ويضعها موضع التطبيق في حياة الإنسان، وهو الكيان العاقل الاختياري في الإنسان. ولكنْ أنّى لهذا الكيان أن يقاوم الأهواء دون إعانة؟ ومن هنا كان الكيان الروحي للإنسان الأداة الرئيسية لضبط أثر الأهواء وإعانة الكيان العاقل على إقامة الشريعة في حياة الإنسان، وكان غذاء هذا الكيان الروحي بأنواع التعبّدات كالصلاة وتلاوة القرآن والذكر والدعاء، فهي التي تبقي الإنسان على اتصال بخالقه، قال سبحانه: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ".

 

إذا استسلم الإنسان لأهوائه التي تدعوه للاستنامة والبقاء بالفراش؛ فهو حينئذ كيان مادّي لا يختلف عن السرير الذي ينام عليه! وأمّا حين ينزع عن جسده الدافئ غطاء الغفلة فهو حينئذٍ إنسانٌ مكتمل الإنسانية
إذا استسلم الإنسان لأهوائه التي تدعوه للاستنامة والبقاء بالفراش؛ فهو حينئذ كيان مادّي لا يختلف عن السرير الذي ينام عليه! وأمّا حين ينزع عن جسده الدافئ غطاء الغفلة فهو حينئذٍ إنسانٌ مكتمل الإنسانية
 
الإنسان والأهواء

إذا عرفت ما الإنسان، فعليك أن تعلم بأنّ قضيّته الرئيسية في هذه الحياة هي مقاومة الهوى، قال سبحانه: "فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ". والطغيان هو انفلات الإنسان من ضابط الشريعة وانقطاع صلته بالروحية بالخالق، ومن ثم يبقى عقلُه الضعيف فريسة لأهوائه، تلك الأهواء التي أوْدَتْ بالإنسان إلى ما رأيناه في التاريخ من مهاوي التهتّك وظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وما نراه في واقعا الحالي من انحدار أخلاقي وحروب مدمّرة كان فارسها الوحيد "الشيطان" ممتطيا جواد الأهواء!

 

ومن هنا تأتي أهمية الشريعة والالتزام بها باعتبارها النظام الوحيد الصالح لضبط الأهواء؛ لأنّه النظام الذي جاء من عند الله خالق الإنسان. يقول الإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات": "المقصدُ الشرعيّ من وضعِ الشريعة إخراجُ المكلّفِ عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا". وهي عبارة نفيسة تدلّ على فقه عميق لطبيعة الإنسان ولحقيقة هذا الدين.

 

فأما كون الإنسان – كلّ إنسان – عبدًا لله اضطرارًا فهي حقيقة لا يجادل فيها أحد، ولو تأمّلنا في حقيقة الإنسان سنجده على المستوى المادّي مؤلّف من "ذرات" لها قانونها الذي قدّره الله ولا اختيار للإنسان فيه. ثم على مستوى أكبر نجد "الجينات" التي حدّدت شكله والكثير من صفاته دون أن يكون له في ذلك أي اختيار. ثم على مستوى أكبر نجد "الخلايا" ونظامها الخاص الذي لا يتحكّم الإنسان فيه أيضًا. وعلى مستوى أكبر نجد القلب والجهاز الهضمي وسائر ما يحصل من عمليات حيوية داخل الجسم ليس للاختيار الواعي للإنسان فيها ناقة ولا جمل. ثم إذا خرجنا من جسم الإنسان نجده محكومًا اضطرارا بسنن الكون التي قدّرها الله دون أن يكون قادرا على اختيارها أو تغييرها، فهو عبدٌ لله اضطرارًا، سواءً كان مؤمنًا أو مشركًا أو ملحدًا!

 

يعبّر الحكيم الترمذي في كتابه "تحصيل نظائر القرآن" عن ذلك بقوله: "والعبدُ من ربّه بين أمرين:

1) بين أمرٍ حَكَم الله عليه به: مثل: العزّ والذلّ، والغنى والفقر، والحبّ والكره، فاقتضى له الوفاء بأن يطمئنّ إلى حُكمه كما اطمأنّ إليه فيرضى بما حكَم. فإنْ جزع؛ حوسب، وإنْ رضي؛ أُكرم وأُثيب على وفائه.

2) وبين أمرٍ أمرَهُ أن يفعله: مثل الفرائض واجتناب المحارم، فإذا وفّى بهذا فهو مسلم؛ لأنّه قد سلّم نفسه إليه عند كلّ أمرٍ ونهي، وما ضيّع منه فالحساب لازم، وهو موقوف بين عفو أو عقوبة".

 

أما الإمام ابن تيمية فيعبّر عن الفكرة ذاتها في كتابه "الفرقان" بقوله: "فالإرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلةٌ في مشيئته وإرادته الكونية، والارادةُ الدينية هي المتضمّنة لمحبّته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعًا ودينًا".

 

وفي مطلع سورة الرحمن نجد كلام الله سبحانه يوجّهنا إلى هذه الحقيقة، وإلى مسؤولية الإنسان عن تحقيق إرادة الله الشرعية بما وهبه سبحانه من "البيان"، يقول تعالى: "الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ".

 

المسلم لا يفهم فرائض الدين باعتبارها تكاليفَ يجب القيام بها فحسب دون تفكير بغايتها. بل يُدرك أنّ نهوضه للصلاة فجرًا هو ممارسة تعبّدية تؤكد إنسانيّته بكامل امتداداتها
المسلم لا يفهم فرائض الدين باعتبارها تكاليفَ يجب القيام بها فحسب دون تفكير بغايتها. بل يُدرك أنّ نهوضه للصلاة فجرًا هو ممارسة تعبّدية تؤكد إنسانيّته بكامل امتداداتها
 

فأمّا الشمس والقمر والنجم والشجر فهي طائعة لله بإرادته الكونية سبحانه، وأما الإنسان فإلى جانب خضوعه للإرادة الكونية وعدم إمكان الخروجَ عنها؛ فقد وهبه الله "البيان"، وتختلف تأويلات المفسّرين لمعنى البيان، بين من يجعله الفهم والعقل، أو المنطق والكلام، أو الخير والشرّ، أو الحلال والحرام، أو الهداية، أو إبانة ما في نفسه ومعرفة ما بُيّن له. ولكنّها مع اختلافها تتفق جميعها تقريبًا على كون "البيان" أداة رئيسية في تكليف الإنسان وفي تحقيقه لإرادة الله الشرعية، تنتمي إلى "الكيان العقلي" للإنسان والذي شرحناه سابقًا. والآيات من سورة الرحمن تدلّنا على ذلك، فقد وهبه الله البيانَ ليكون قادرا على الاستجابة لقوله {ألّا تطغَوا في الميزان * وأقيموا الوزنَ بالقسطِ ولا تُخسِروا الميزان}. فهذا أمرٌ شرعي وليس أمرًا كونيّا، يحتاج الإنسان لتطبيقه إلى فهم وعقل، وإلى معرفة الشريعة التي يؤدّي تطبيقها إلى القسط، وهو ما تدور حوله معاني البيان.

 

الإنسان إذ يشدُّ اللحاف

بعد هذه الجولة في معرفة حقيقة الإنسان ومعركته في مقاومة الأهواء والمقصد الأول للشريعة؛ نعود لمعركة شدّ اللحاف.. المعركة التي على صغر حجمها تمثّل مشهدًا يوميّا من مشاهد تحقيق الإنسان لإنسانيّته؛ لأنّه المشهد الذي يفعّل فيه الإنسان كيانه الروحي وكيانه العقلي، وهذا ما يميّزه عن الجمادات والحيوانات. فأما إذا استسلم لأهوائه التي تدعوه إلى الاستنامة والبقاء في الفراش؛ فهو حينئذ كيان مادّي لا يختلف كثيرًا عن السرير الذي ينام عليه! وأمّا حين ينزع عن جسده الدافئ غطاء الغفلة، مشدودًا بإرادته وبكيانه الروحي ليحظى بنعيم القرب من ربّه في الصلاة، مدركًا بعقله أنّ مصلحته تكمن في الاستجابة لنداء ربّه وإلجام أهوائه؛ فهو حينئذٍ إنسانٌ مكتمل الإنسانية، بما حقّق من سمات الإنسان التي تميّزه عن الجماد والحيوان.

 

ومن هنا، فإنّ المسلم لا يفهم فرائض الدين وشرائعه باعتبارها أعباءً وتكاليفَ يجب القيام بها فحسب دون تفكير في غايتها ودورها الحيوي في حياة الإنسان. بل يُدرك أنّ نهوضه للصلاة في حلكة الظلام فجرًا هو ممارسة تعبّدية يومية يؤكّد من خلالها إنسانيّته بكامل امتداداتها، فهو الإنسان الذي منحه الله قوة الإرادة لمخالفة الهوى. وهو الإنسان العاقل الذي يعرف مصلحة نفسه وبأنّها في الاستقامة على شريعة ربّ العالمين ومجانبة الهوى. وهو الإنسان الأوّاه الذي يفزع إلى ذكر ربّه والسجود له ليظلّ قلبُه حيّا بنور الإيمان.