عارف أفندي

BLOGS حوار

قلما يتغيب عن مجالسنا عارف أفندي، تراه أحاط بما في الخافقين من علوم وفنون، لا يرد في قاموسه مطلقا: "لا أعرف"؛ فهو أبو العريف. قد يضيق صدرك من حين لآخر بمداخلاتهم في أمور لا علاقة له بها من قريب أو بعيد، وعنده لكل معضلة الحل الذي غاب عن الأولين والآخرين! يحل مشكلة البلقان والشيشان، ويتبرع بتقديم الاستشارات لحل أزمة الغوطة والأكراد، ويجد تبريرا لمحاكم التفتيش الإسبانية، ويخلع عليها الأهلية والقدسية، ويضع أجندة عمل للحد من المد الأحمر في مياه البحار والمحيطات!

بكبسة زر ومساعدة جوجل يقذف في وجهك التوصيات والمقترحات، ولو أمعن فكره للحظة واحدة أو أدار نظره في وجوه الحاضرين؛ لأدرك أن بينهم من هو أهل للحديث عن الموضوع المثار. الحديث بشكل متواصل "عمّال على بطّال" مرض يستدعي زيارة الطبيب، والناس تلاحظ ذلك على الشخص ولكنه لا ينتبه يعانيه، وهنا تكون المعضلة المستعصية على العلاج.

قرأت للدكتور أحمد خيري العمري قصة في هذا الإطار جاء فيها: "كان لوالدي زميل متثاقف، لا يمرر فرصة دون أن يثبت للآخرين عمق ثقافته وسعة اطلاعه. لم يكن يدع مقولة أو حادثة تفلت دون أن يعلق عليها باسم كتاب (مرجع) للمقولة أو الحادثة، وكان يذكر أيضا رقم الصفحة؛ تأكيدا على موسوعيته. لم يتقبل بعض الأصدقاء هذه الطريقة؛ فتطوع أحدهم لكشف زيف هذا المتثاقف، وكشف لمن حوله عن نيته وأنه سيشكك المتثاقف في معلوماته مع أنه لم يقرأ ما يتحدث عنه المتثاقف أصلا. حانت اللحظة الدرامية، وساق المتثاقف سيلا من الأدلة وذكر رقم الصفحة؛ فذاكرته تأبى أن يغفل رقم الصفحة! فقاطعه الرجل بقوله: ليس في الصفحة التي ذكرت بل في صفحة كيت وكيت في السطر رقم كذ! فإذا بالمتثاقف يعتذر ويؤكد صحة ما أشير إليه".

عارف أفندي حالة مرضية ممتدة على امتداد الحياة، وقد ضاق الناس ذرعا بعارف أفندي، ولا بد من استئصال جذري لمرض عارف أفندي

من السهل جدا أن يكشف الناس الأدعياء، وإن طالت مدة خداعهم للناس؛ فإن مرارة مخاتلتهم للناس واستخفافهم لا تُمحى. عارف أفندي يجلس في استوديوهات القنوات الفضائية، يجمع بين العلم والطب والأدب وكل ما لا علاقة له ببعضه البعض، عارف أفندي "فنان شامل" وعالم متأدب، وفيلسوف في كل مجالات الحياة. عارف أفندي تسمعه يفتي بالحج إلى طور سيناء أو جبل قاسيون، عيد الفالانتاين عند عارف أفندي حلال، كل ما يخطر على بالك من منكرات ومحرمات يستطيع عارف أفندي أن يجد لك منه مخرجا؛ فهو محيط المعاجم والمعارف. عارف أفندي هو نجم الفضائيات وأصغر طبيب قلب في العالم، وحاصل على كأس العالم في أمراض القلب وجراحة الكيس الدهني!

عارف أفندي حالة مرضية ممتدة على امتداد الحياة، وقد ضاق الناس ذرعا بعارف أفندي، ولا بد من استئصال جذري لمرض عارف أفندي. النسخة القديمة من عارف أفندي عرفها الناس باسم "الخنفشاري"، ومنها استُنسِخ عارف أفندي! فقد ذكر التلمساني في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" أن رجلا ظهر في الناس يفتي في كل ما طلعت عليه الشمس، لا يغب عنه علم ولو أعيا الثقلين؛ فأدرك طلبة العلم خطره على العامة، وألفوا كلمة لا معنى لها ليسألوه عنها، وفي مجلسه الممتد سأله أحدهم: يا شيخنا! ما الخنفشار؟ فطرب الرجل للسؤال وقال بثبات: نعم! الخنفشار نبتٌ طيب يخرج في أطراف اليمن، إذا أكلته الإبل أمسك ضرعها، ومنه قول الشاعر "لقد تمكَّن حبُّكَ من فؤادي كما أمسك اللبن الخنفشارُ"، وقال فيه العتابي والخطابي والصولي، وقال فيه الفاروق والصديق، وقال فيه رسول الله؛ فقال له طلبة العلم: أمسك! كذبتَ على كلّ هؤلاء؛ أفتكذب على رسول الله؟!

عارف أفندي خليفة الخنفشاري! وخطره أفدح على الناس من غيره؛ فهو يتحدث بثقة تنطلي على العوام، ويتوهمون أنه على حق ويتحدث عن حكمة وبصيرة! "أبو لمعة"، و"الخواجة بيجو"، و"أبو العربي" لا يعادل تأثيرهم في حياة الناس قيد أنملة من تأثير عارف أفندي؛ فالناس تدرك يقينا أن هؤلاء شخصيات فنية لا تخرج عن إطار التسلية، أما عارف أفندي فهو يلبس عباءة العلم والحكمة، وهذا مصدر خطره الداهم على البشرية. 

مشكلة عارف أفندي ملخصها في أنه مهزوز اجتماعيا، يبحث عن شهرة اجتماعية بأي وسيلة، يريد إضفاء هالة من الموسوعية على شخصه وفكره، يتضور جوعا لوجاهة اجتماعية
مشكلة عارف أفندي ملخصها في أنه مهزوز اجتماعيا، يبحث عن شهرة اجتماعية بأي وسيلة، يريد إضفاء هالة من الموسوعية على شخصه وفكره، يتضور جوعا لوجاهة اجتماعية
 

من أبرز سمات وعلامات عارف أفندي أنه يتطوع للحديث في أي موضوع، ويتبرع لعرض أي قضية وتشريح أبعادها من كل اتجاه، كما يمسك منفردا بزمام الحديث ولا يترك لغيره مجالا للمداخلة أو المناقشة. يتعين على الحضور التأمين على كلامه والإذعان له دون قيد أو شرط، لديه معلومات حصرية لا تنتهي، ويمتلك حصيلة من المعلومات الصادمة جمعها من مصادره غير المحدودة والمؤثرة! تشعر في وجوده بغيبوبة عقارب الساعة كأنها فيل مشلول.

مشكلة عارف أفندي ملخصها في أنه مهزوز اجتماعيا، يبحث عن شهرة اجتماعية بأي وسيلة، يريد إضفاء هالة من الموسوعية على شخصه وفكره، يتضور جوعا لوجاهة اجتماعية يرى أن الوصول إليها يأتيه من خلال الخوض في كل مجال وركوب كل موجة تعنّ له. يضفي عارف أفندي على الجو لمسة من المرح المقبول لو أنه يميل لاستخدام الفواصل، لكنه يخيب ظنك إذ لا وجود للفواصل في ثقافته. عارف أفندي بلاء نستعيذ بالله منه، ونستعين بالله عليه.