سوريا من الوحشية الأسدية إلى محمية روسية

blogs الأسد وبوتين

لقد عاشت سوريا سنوات عجافا مظلمة إبان حكم الضباع المفترسة التي احتكرت السلطة لأكثر من خمسة عقود، وارتكبت جرائم شنيعة، واقترفت مجازر دموية يندى لها الجبين، إنها "العصابة الأسدية" الخلية الإرهابية التي حكمت البلاد بقبضة من حديد وجعلت منها ملكية خاصة لا أحد يستطيع المساس بها وأحرقت كل من يعارضها ويقف كالشوكة في خاصرتها ويهدد مصالحها، لقد كسرت هذه العائلة المجرمة كل القواعد السياسية والوطنية بل سيطرت بوحشية ضارية على جميع مفاصل الدولة السورية.

لقد كان آل الأسد أشبه بعائلات المافيا الإيطالية، العراب حافظ الأسد وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري قاده في 1970 واستولى بذلك على زمام الأمور، حيث ارتكب في ظل اغتصابه للرئاسة مجازر طاحنة أبرزها واقعة حماة في 2 فبراير/شباط عام 1982 حين أمر بقمع الانتفاضة الإسلامية وقتل عشرات الآلاف من الشعب السوري البريء، بالإضافة إلى مجزرة سجن تدمر الصحراوي التي راح ضحيتها قرابة 1850 قتيلا، زد على ذلك القيام بأعمال رهيبة وهمجية ترتقي لجرائم حرب ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق البشر على رأسها هجوم خان شيخون الكيماوي وسقوط 87 مدنيا، واستخدام غاز السارين المدمر للأعصاب على يد قوات نظام الطاغية وقاتل الأطفال "بشار الأسد" أكثر شخصية متهمة بقتل شعبها حيث تنسب له وحده مسؤولية الحرب في سوريا بأكملها وكل الدمار والخراب الذي حل بها منذ اندلاع احتجاجات شعبية مطلع عام 2011.

بعيدا عن العمليات العسكرية والصراع الحربي الدائر في البلاد هناك أوراق للمعارضة تستطيع تحريكها لصالحها؛ خاصة في ظل المناورات الدبلوماسية ومحادثات جنيف الماراثونية والعقيمة

لكن القذارة الأسدية تنفي ذلك وتدعي أنها جماعات مسلحة مدعومة من الخارج في إشارة منها إلى نظرية الأيادي الخارجية، وعندما تأزم الوضع على بشار بفعل القتال المحموم من طرف الفصائل السورية المعارضة دأب العميل الأسدي على الاستعانة المُخطط لها سابقا والاستنجاد بتركيا وإيران وروسيا، فالتهبت المنطقة بنيران الصراع العسكري المرير وصولا إلى المفاوضات المزعومة ومناطق خفض التصعيد وجلب المرتزقة والميليشيات المتطرفة من ثمانين دولة حول العالم. 

تحالفت القوى شبه الاستعمارية الغاشمة والمصلحية (تركيا، روسيا، إيران) ذات الأطماع التوسعية التي بسطت نفوذها الهمجي الغائر على سوريا وقامت بتطويقها كلياً وتقويض أراضيها بالكامل ذلك بمعية عملائها الأدناس من الأيادي الأسدية اللعينة التي قدمت لها دمشق على طبق من ذهب وعبدت لها الجسور الناعمة نحو التغلغل في عصب الجمهورية العربية السورية وسفك دماء شعبها. 

اجتمعت هذه الأطراف الثلاثية في مؤتمر سوتشي في حضرة الدب الروسي فلاديمير بوتين لتقاسم الكعكة السورية المعجونة بأرواح المدنيين الأبرياء، هذا المؤتمر الإمبريالي الذي يرجح كفة بشار الأسد ويشترط استمراره في الحكم الجهنمي ويدعو إلى بقائه سفاحا كيماويا يسفك دماء الأطفال ويشرد العائلات ويقصف الأحياء ويدمر البنايات بكل حقارة ونذالة وانحطاط خلقي لا مثيل له، قل نظيره في التاريخ الإنساني.

وأبلغُ مثالٍ على اصطفاف الحلفاء في سوريا هو حصارهم المفروض والجائر منذ سنوات على إدلب وبلدات الغوطة الشرقية مناطق وجود المعارضة، فرغم اتفاق خفض التصعيد؛ فإن هذه البؤرة تشهد أوضاعا إنسانية متردية وجوانب معاناة يومية متفاقمة للمدنيين، ونقصا حادا في الغذاء والدواء جراء القصف الدامي والعنيف من طرف القوات النظامية والميليشيات الأجنبية، بالإضافة إلى الغارات الكثيفة والقنابل العنقودية والبراميل المتفجرة الملقاة على المدنيين كهطول المطر الغزير.

إن المعارضة المسلحة وسعت نطاق سيطرتها وحققت تقدما ميدانيا للرد الواضح منها على مطالب حلفاء سوتشي، فبعيدا عن العمليات العسكرية والصراع الحربي الدائر في البلاد هناك أوراق للمعارضة تستطيع تحريكها لصالحها؛ خاصةً في ظل المناورات الدبلوماسية ومحادثات جنيف الماراثونية والعقيمة، لمن ستكون الكلمة الأخيرة لحقن الدماء السورية على ضوء السقوف التفاوضية بين وفد النظام السوري وفصائل المعارضة الرافضة لمؤتمر سوتشي الذي يهدف لسحب البساط من جنيف 1 وبيان الرياض 2، وهذا ما قد يؤدي إلى اشتعال جبهات أخرى في المستقبل القريب.

علاقة الروس والميليشيات الشيعية الطائفية بالرئيس الأسد هي مجرد زواج متعة واستخدامٍ له كجسر للعبور نحو المياه الدافئة والسيطرة على مفاصل الدولة، فبقي الشعب ضحية لتجاذبات سياسية وعسكرية
علاقة الروس والميليشيات الشيعية الطائفية بالرئيس الأسد هي مجرد زواج متعة واستخدامٍ له كجسر للعبور نحو المياه الدافئة والسيطرة على مفاصل الدولة، فبقي الشعب ضحية لتجاذبات سياسية وعسكرية

وعلى صعيد آخر اقتحمت روسيا الأراضي السورية واستقدمت البوارج الحربية والطائرات والصواريخ بهدف القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتدمير معاقلها، لكن الروس ربما انتابهم الحنين إلى زمن الظلامية والتشريد والتهجير وما فعله الاتحاد السوفياتي في أفغانستان والشيشان، حيث عمد فلاديمير بوتين إلى جعل سوريا محمية روسية والعمل على احتلال أراضيها من خلال تأسيس قاعدة حميميم الجوية الروسية بمحافظة ريف اللاذقية، هنا في هذا الحيز الصغير من التراب السوري المسلوب أهين الرئيس الأسد من طرف ضابط روسي، أيعقل في التاريخ الحديث أن رئيسا تتم إهانته بهذه الطريقة المخجلة في موطنه وبلاده من طرف غرباء؟!

عندما تتشدق روسيا بأفضالها في توفير غطاء عسكري لبشار الأسد ويصرح وزير الخارجية الروسي قائلا: "لولانا لسقط الأسد"، وتغض موسكو الطرف عن جرائمها الكيماوية وفي الأخير تدعي أنها قامت بوضع دستور للسوريين، نستنتج أن علاقة الروس والميليشيات الشيعية الطائفية بالرئيس الأسد هي مجرد زواج متعة واستخدامٍ له كجسر للعبور نحو المياه الدافئة والسيطرة على مفاصل الدولة؛ ليبقى الشعب ضحية لتجاذبات سياسية وعسكرية. اليوم حيث تتصاعد حدة المعاناة والقهر والعذاب؛ أضحت سوريا حقل تجارب للأسلحة الكيماوية، لقد نفذ الطيران الروسي ما يقارب الـ90 ألف غارة منذ عام 2015 ولا يعترف أبدا بقتله لنصف مليون سوري.