"الساموراي الأخير".. سأخبرك كيف عاش؟

blogs الساموراي الأخير
الساموراي الأخير، وهذا الاسم بالطبع يعود لفيلم توم كروز والذي عرض لأول مرة في عام 2003، وأذكر وقتها أنني شاهدت هذا العمل مع أختي في إحدى دور العرض في عمان، وقد كنت أبلغ من العمر الخمسة عشر عاما، وبلا شك فحداثة السن ملأت المكان حينذاك، ولكن تجاوزي لما ترك هذا الفيلم من أثر في نفسي كان ضربا من ضروب المستحيل، ولا أذكر تماما عدد المرات التي شاهدته فيها بعد ذلك، وطرحي هنا صدر عني بعد أن ظهر على وجهي القليل من تجاعيد هذا الزمان.

ناثان آلجرين، هذا كان اسم توم كروز في الفيلم، إلى جانب كاتسوموتو والذي أدّى دوره الممثل الياباني كين واتانابي، الفيلم في صميمه هو فيلم صوفي وروحاني بالمطلق، ناقش التضحية، الحب، والإخلاص في أسمى معانيها، وارتقى بالمشاهد لحالة لم يعهدها من قبل.

بدأَ الفيلم بعرض وتحليل شخصية توم كروز (ناثان آلجرين) بعد انتهاء الحرب الأهلية في أميركا؛ والتي قد شارك فيها برتبة "Captain"، فنرى كمّ الأسى والدمار الذي يعيشه جراء الأفعال الشنيعة التي قام بها أثناء هذه الحرب، فقد خلفت هذه الحرب إنسانا محطما تماما، نادما على ما اقترفته يداه من قتل وتخريب، وجاعلة منه إنسانا سكيرا يشرب على الدوام لينسى ما فعله، ولينام مبتعدا عن كوابيس مخيفة تطارده كلما غط في النوم، نراه على هذه الحال، إلى أن يتم استدعاؤه من صديق له في الحرب، وفي هذا المشهد نرى أن توم كروز قد كان أيضا من القيادات اللامعة، واستدعاؤه هذا كان يتجلى في تدريبات قد طلبتها الإمبراطورية اليابانية لجيشها، كي تخوض حربا ضد الساموراي، والذي كان يشكل خطرا وتهديدا على حد زعم الإمبراطور وأعوانه.

الصوفية والتضحيّة التي رآها آلجرين في الساموراي ضربته من كلّ جانب، وعلى الأرجح كانت ملاذه وخلاصه، فقد عاش حياته في تراجيديا ومأساة، والروحانيات التي أحاطت به أعطته شيئا من السلام الداخلي
هذا التهديد من قبل الساموراي لم يكن تهديدا، وإنما كان زيفا وكذبا، كان حجة مفادها فرض الحداثة الغربية على اليابان، والساموراي كان أحد أهم الأعمدة لحضارة اليابان وتراثها، ووجوده سيمنع هذه الحداثة من أخذ أي شكل من الأشكال في اليابان، ولهذا فقد كان لا بد من اقتلاع الساموراي، واقتلاع حضارتهم أيضا.

بدأَ ناثان آلجرين تدريباته للجيش الياباني، الجيش الذي بدا عليه الخوف وعدم الجاهزية لخوض أي حرب، وقد لاحظ آلجرين أن الخوف مسيطر على هؤلاء الجنود، وقد رفض أن يزج بهم في ساحة المعركة، ولكن المستشار الأعلى للإمبراطور أصرّ على خوض هذه المعركة، وبالفعل بدأت المعركة ضد الساموراي، والتي انتهت بانتصار الساموراي بأول جولة، وأخذ آلجرين كأسير لديهم، بعد أن قتل أحد أهم قياداتهم، ألا وهو زوج أخت كاتساموتو (زعيمهم).

حياة جديدة كليا خاضها ألجرين بين هؤلاء الأوباش -كما كان يعتقد هو- والذي كان يظن أنه سيقتل قريبا، خاصة بعد قتله لشخص ذو شأن بينهم! وصل إليهم مثخنا بالجراح، والمرأة التي قامت بعلاجه والاهتمام به هي زوجة القتيل، وأخت زعيمهم كاتساموتو، ليبدأ آلجرين في رؤية تعاليم هؤلاء القوم من الساموراي، ويسجل مذكراته يوما تلو آخر، مسترسلا في كل ما يراه، ويذكر ويقول في أثناء تجواله في مزارعهم كيف أنه لم ير في حياته نظاما كنظامهم، وكيف أنه لم ير التزاما وبحثا عن الكمال في كل شيء مهما كان صغيرا وحتى في النفس، رأى منهم تضحيات لا يفهمها العقل، ولعل أغربها هي اهتمام زوجة الذي قتله به! رأى أثناء أخذه للأسر وهو ممدد على حصانه رجلا ينهي حياته على طريقة الهاراكيري، وهذه طريقة ينهي به الساموراي حياته لمسح عار لحق به، أو عندما يؤسر ويحاصر ولا يستطيع الهروب، فينتحر ليموت بشرف بعيدا عن ذل أعدائه.

الصوفية والتضحية التي رآها آلجرين في الساموراي، ضربته من كل جانب، وعلى الأرجح كانت ملاذه وخلاصه، فقد عاش حياته في تراجيديا ومأساة، والروحانيات التي أحاطت به أعطته شيئا من السلام الداخلي، ومن أجل كل هذا ترك كل شيء وراءه، لينضم إلى صفوف الساموراي، ويحارب الإمبراطور على نهجهم، وليصبح المحارب الأحمر، بعد أن ارتدى درع الذي قتله!

استخدم آلجرين بعض التكتيكات للوقوف في وجه أسلحة جيش الإمبراطور الغاشمة، وكانت الجولة الأولى جيدة إلى حد ما، ولكن سرعان ما انقلبت الموازين فجأة حين ظهور المدفع الرشاش، والذي بدأ بقتل الجميع ليتساقطوا واحدا تلو آخر في مشهد مأساوي، وقد كان مؤذ في مأساويته، مات الجميع تقريبا، بقي آلجرين مع كاتساموتو، وفي هذا المشهد يطلب كاتساموتو من آلجرين أن ينهي حياته بسلام؛ لينتقل الفيلم إلى المشهد قبل الأخير وليعرض لقاء آلجرين مع الإمبراطور الشاب.
بكى الإمبراطور حين رأى آلجرين، وطرد المبعوث الإنجليزي الذي كان طول الوقت في اليابان، يتابع أولا بأول مجريات القضاء على الساموراي، لتصدير ماديته ورأسماليته إلى هذه الدولة -والتي بالفعل أصبحت حضارة ملحدة فيما بعد- وسأل بعدها آلجرين، هل كنت معه حين مات؟ وقل لي كيف مات؟ ليرد عليه آلجرين لا، سأخبرك كيف عاش؟

هذا الفيلم عرض بألمعية وعمق منقطعي النظير أسلوب حياة الساموراي، وكم هي مليئة بالالتزام، والتضحيّة، مليئة بالتمسك بالمبادئ وعدم العدول عن أي موقف مشرف
هذا الفيلم عرض بألمعية وعمق منقطعي النظير أسلوب حياة الساموراي، وكم هي مليئة بالالتزام، والتضحيّة، مليئة بالتمسك بالمبادئ وعدم العدول عن أي موقف مشرف
 

هنا نرى مدى العمق الذي وصل إليه آلجرين في استيعاب حياة الساموراي، (سأخبرك كيف عاش؟) وبالفعل، فلا يهمنا كيف مات فلان، بقدر ما يهمنا كيف عاش؟ وكيف أمضى حياته؟ وماذا ترك من أثر؟ فالإنسان سيرحل يوما ما! وسيبقى ذكره وما تركه من أثر!

هذا الفيلم عرض بألمعية وعمق منقطعي النظير أسلوب حياة الساموراي، وكم هي مليئة بالالتزام، والتضحية، مليئة بالتمسك بالمبادئ وعدم العدول عن أي موقف مشرف، الساموراي في نظري هو إسقاط لكل مفهوم منبطح وانهزامي، هو إسقاط لكل مفهوم مادي رأسمالي عفن، هو إسقاط لكل قلق، خوف، وارتياب من المستقبل، فنهاية الفيلم كانت في رؤية آلجرين وهو يبتسم وقد وجد حفنة صغيرة من السلام أو "A small measure of peace"، الساموراي هو رمز للتمرد ضد أي تخاذل وعمالة، وما أجمل من أن تشاهد هذا كله، مصحوبا بمقطوعات موسيقية من العبقري "Hanz Zimmer"، ومما لا شك فيه أن الساموراي هو حالة فيها من الحماسة ما فيها، ولكن عندما تشاهدها مع "Hanz Zimmer" فستصل لمقام ما بعده مقام، ولهذا قلت في بداية المقال؛ "هذا العمل هو صوفي روحاني بالمطلق"، وكل شيء فيه على هذا النحو، وحتى في عرض حياة آلجرين قبيل اعتراكه مع الساموراي.

وسأنهي مقالي هذا بسؤال وجواب بين كاتساموتو وآلجرين…

You believe a man can change his destiny?
I think a man does what he can until his destiny is revealed.