التعلم الممتع.. بوابة جديدة لكسب العلم

BLOGS تعليم و تلوين

العالم اليوم يتطور بسرعة كبيرة من حولنا، مما جعل الحاجة تكون ماسة إلى الابتكار والإبداع والتطور، ولن يتسنى لنا ذلك إلا من خلال تعليم قوي نحاكي من خلاله التطور الذي نسعى إليه. هذا ما جعل العديد من الدول تشد رحالها صوب البحث عن المناهج والطرق والمهارات الخاصة بالتعليم والمعلم، والتي بإمكانها أن توصل المتلقي إلى الدرجة القصوى من الاستفادة والفعالية. لكن السؤال الذي يطرح دائما هو: كيف نجعل التعليم ممتعا في ظل هذه المناهج التقليدية وطرق التدريس المبتذلة؟

نجد في المملكة المتحدة مثلا مدرسة سيلتون الابتدائية تقوم بتعليم الأطفال الرياضيات بطريقة الرقص، إيمانا منها بإفراز مادة الدوبامين في الدماغ خلال الحركة، وهذا يساعد الطفل على حل تمارين الرياضيات، كما أن الرقص والتعلم تجربة تعتبر فريدة وممتعة بالنسبة للأطفال، وهذا بدوره يعزز عملية التعلم لديهم. أما البرتغال فلها طريقتها الخاصة في تعليم الفيزياء والكيمياء، وهي طريقة يعتبرها الأطفال في معهد سانتا مريا دافيرا لعبة مسلية، حيث يقوم كل طفل بتأدية دور المحقق ويبحث عن الأدلة ليقوم بعدها بتحليلها في المختبر تحت إشراف الأستاذ ليكتشف عناصر الجريمة الوهمية.

التعلم بالمتعة غايته أن يكون الطفل مستمتعا بما يفعل فقط ولا يكترث للباقي، وهذا يمكن أن يحقق من خلال المدرس وطريقة تعامله وتفاعله مع تلاميذه، بغض النظر عن العناصر الأخرى

كما أن العديد من الدول قامت بتجارب من مثل هذا القبيل، لكنها للأسف لم تعمم في جميع المجتمعات التي تتسم بطريقة تقليدية في التعليم. ومن جهة أخرى، فهذه المحاولات التعليمة المنافية لما هو معهود به في الوسط التعليمي إن دلت على شيء فإنما تدل على أننا غير راضين عن طرق التدريس الحالية، والأكثر من ذلك هو أن هذه الطرق تثقل كاهل المتلقي بالجمود والروتين الذي تتصف به، مما يجعلها عملا صعبا بالنسبة له في بعض الأحيان، فيحاول الابتعاد عنها قدر الإمكان، لأنه لا يشعر بالراحة خلال مزاولته لتلك العميلة التعليمية.

لذلك، حاول العديد من المعلمين والأساتذة تخطي حاجز السائد، وإحداث طرق جديدة تجعل المتعلم مستمتعا بعملية التعلم لذاتها، بغض النظر عن الوسائل المستعملة فيها، فإذا نظرنا إلى عملية التعلم، نجد أنها عملية معقدة، فهي تعتمد على مجموعة من العناصر، منها: البيئة، الوسائل، المدرس، المدرسة، المنهجية، الطريقة، ومهارة التدريس وغيرها.

 

أما التعلم بالمتعة فغايته أن يكون الطفل مستمتعا بما يفعل فقط ولا يكترث للباقي، وهذا يمكن أن يحقق من خلال المدرس وطريقة تعامله وتفاعله مع تلاميذه، بغض النظر عن العناصر الأخرى، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنمية روح التعاون داخل الفصل، وجعل الطفل يفكر ويبحث ويشارك في الدرس، وهذا طبعا مرتبط بشخصية المعلم وعطائه وحبه لتلاميذه ولعمله، فتجده مشجعا ومحبا في كل الأوقات، ولا يطلب الكمال الزائد من تلاميذه، كما أنه يتقبل مشاعرهم وظروفهم بالحب والتشجيع.

فالمعلم الطموح الذي يسعى إلى تطوير نفسه وجعل المتلقي مستمتعا بما يقوم به، يلوم نفسه بدلا من لوم التلميذ الذي لم يستطع أن يفهم ما يقوم بتقديمه له، كما يجب أن يؤمن الإيمان الجازم باختلاف القدرات والذكاءات عند الأطفال، ومن الطبيعي أن تكون استجابة كل واحد منهم تختلف عن الآخر باختلاف ذكاءاتهم وقدراتهم الذاتية، مما يجعل تقبله لهم أكبر، وفهمه لهم أقوى، فيقوم بتشجيع وتعزيز قدراتهم وصقل مهاراتهم.

 التعليم بالمتعة لا يحتاج إلى أن نلتزم بقواعد معينة لنحصل على نتائج مثالية، بل يجب أن نفتح باب الإبداع أمام المدرس لنهج الطريقة التي تلائمه هو وتلامذته
 التعليم بالمتعة لا يحتاج إلى أن نلتزم بقواعد معينة لنحصل على نتائج مثالية، بل يجب أن نفتح باب الإبداع أمام المدرس لنهج الطريقة التي تلائمه هو وتلامذته
 

ومن الجميل أن يكون عنصر المفاجأة حاضر دائما، فلا يجب على المعلم الاقتصار على طريقة واحدة حتى ولو كانت ممتعة، فمع المدة من الممكن أن تصبح مملة وخصوصا مع صغار السن، بل يجب أن يبتكر طرقا أخرى جديدة، ويتشارك الأطفال في اقتراح ما يناسبهم من طرق، ونذكر أحدث الطرق في التعلم، منها: التعلم باللعب، التعلم بالموسيقى، التعلم بالرقص، التعلم بالمسرح، التعلم بالقصة، التعلم بالمشاركة، التعلم بالفكاهة، وغيرها من الطرق التي تجذب انتباه الطفل وتجعله مستمتعا بوقته.

 

فقد أكد مارتن سلجمان، الرائد في علم النفس الإيجابي، أننا نعمل أفضل إذا كنا سعداء، وأن الطفل إذا نشأ ووجد من يحيطه بالحب والرعاية والاهتمام والمديح، فسوف يساعده ذلك على إبراز مواطن القوة لديه، وسيكتشف ما ينبغي أن يتعلمه، وما يجب أن يخطو نحوه، وهذا المناخ سيساعده على البحث بنفسه وإخراج العديد من السمات الإيجابية التي يشعر بأهميتها، ويترك ما لا يحتاجه في سبيل تحقيق التوافق والتكيف. هذا ما دفع العديد من الدول كأستراليا وألمانيا… إلى أن تعمل على تعليم تقنيات علم النفس الإيجابي للمدرسين، أملا في جعل التعليم أفضل وأكثر إمتاعا بالنسبة للتلاميذ والطلاب.

وفي الأخير، أقول إن التعليم بالمتعة لا يحتاج إلى أن نلتزم بقواعد معينة لنحصل على نتائج مثالية، بل يجب أن نفتح باب الإبداع أمام المدرس لنهج الطريقة التي تلائمه هو وتلامذته، فالغاية هي التعلم، والوسيلة تختلف من مدرس لآخر ما دامت إيجابية ولها وقع ممتع على الأطفال، وهكذا يستطيع الاثنان الاستمتاع بعملية التعلم، وتصبح مكافأة في حد ذاتها لايمكن الاستغناء عنها.