أيّتها الصحراء

BLOGS الصحراء

أيتها الصحراء التي كسَرَت كِسْرى كسرا لا جبر بعده، والتي مرَّغَت أنف هرقل في التراب، والتي أنجبت من الرجال ما يملأ الأزمنة والأمكنة مروءة وشهامة وكرما. أيتها الصحراء التي بَلَغَتْ بإبلها ما لم تبلغه سفن الفضاء من الثرى ومن الثريّا، والتي وصلت إلى حيث لن تصل مَرْكَبة ولا مطيّة ولا فُلك. أيتها الصحراء التي فاضت بلاغة وبيانا وصِدْق لهجة ومَضَاء عزم وتوقّد ذهن وإشعاع نور، والتي دفنت تحت أديمها الجهالة والتبلّد والغباء والحماقة.

 

أيتها الصحراء التي حُقَّ للمروج الخضراء أن تغار منها، ولا تُلام على غيرتها؛ والتي ذهبت الأنهار الجارية تنهل منها، ولا تُبكَّتُ على نهلها؛ والتي صدحت القمم الشمّاء بأنّها -وإن كانت هي تشرف على الدُّنى وتطلّ على السهول وترقب كل شيء- ليست من العلى في شيء، وأنّ العلى لا يليق إلا بك، وأن الرفعة تتلمذت على يديك، وأن المجد تعلّم منك كيف ينبغي له أن يكون.

 

أيتها الصحراء التي جعلت من قلّة الشيء معراجا صعد بها إلى حيث أصبحت قُطبَ الرّحى للعلوم وللآداب وللحِكمِ، والتي لم يمنعها شحّ عيون الماء من أن تكون الينبوع الذي يَرِدُهُ كل أولئك الذين يشتدّ بهم الظمأ، فما إن يتضلّعوا منه، حتّى يصبحوا المتصدّرين الذين لا يبزّهم منافس ولا يفوقهم مُزاحم ولا يسبقهم خصم.

 

أيتها الصحراء، أَعْلِمِيهم أن الرخام لا يعمر المساجد، وأن الأكواب اللدائنية لا تروي ضيوف البيت، وأن الأبراج لا تأخذ بيد الأمم إلى العلياء، وأن الراحة ليست في المرافق ولا في المنافع

أيتها الصحراء التي صارت مقصد الناس، في هذا العصر، لما تختزن في جوفها من كنوز، ولما تحفظ في أعماقها من خيرات، فنسوا أن الجواهر ما كانت إلا فوق ترابك، وأن الأحجار الكريمة وفيرة بين صخورك الملساء. أيتها الصحراء، ها قد تكاثر البنيان المتشامخ المتطاول في كل حواضرك، وها قد غَزَت ناطحات السحاب داخلك وساحلك، ونُسِيَ ما يعمر البلدان حقا، وهُجِر ما يجلب العزّ والرفعة، وتُرِك ما يصنع المجد والكرامة. 

 

أيتها الصحراء، أُسْدُ الشرى قد غادروا أجماتهم، ولم يعد لهم عرين إلا في بطون المعاجم وفي دواوين فحول الشعر، وفي قراطيس أفذاذ البلاغة، فأقفر منهم المكان، لكن الوجدان لا يزال بهم آهلا، واللغة لا تزال بهم ليثية ضرغامية حيدرية. أيتها الصحراء، أهيبُ بك أن أنطِقي ترابك لينهر إحساسا قد صار فينا ميتا، وليوبّخ نخوة قد أمْسَتْ فينا عاجزة، وليقرّع غيرة قد أضحت فينا ديّوثة، وليؤنّب عزما قد أصبح فينا كليلا ذليلا. 

 

أيتها الصحراء، أبلغيهم أن ذلك المنبر، ذا الدرجات الثلاث، في تلك الحَرَّةِ المظلَّلة بالنخيل، في ذلك المسجد المسقوف بجذوع النخل وسَعْفها، قد خرج منه مِنَ المواعظ البالغة والحِكَمِ الخالدة والخُطَبِ الفَصْل، ما يعجز باذخ المنابر العالية، ذات الدرجات الكثيرة، وما يفحم كلّ المتشدّقين والمُتَفَيْهِقين.

 

أيتها الصحراء، أَعْلِمِيهم أن الرخام لا يعمر المساجد، وأن الأكواب اللدائنية لا تروي ضيوف البيت، وأن الأبراج لا تأخذ بيد الأمم إلى العلياء، وأن الراحة ليست في المرافق ولا في المنافع ولا في الوسائل، وأن الوأدَ -الذي نال من حجارةٍ شهدت ما شهدت- لا يزال يستدرّ بسخاء مدامع التراب في الموسم، ولا ينقطع في سائر الأشهر، الحِلِّ منها والحُرُم. أيتها الصحراء، أنبئيهم أن الحَرَمَ حَرَم، وأنّ السوقَ سوق، وأنّ المرء لا يستطيع أن يخدم الاثنين معا. فإمّا أن تخدم الحَرَمَ، وإمّا أن تخدم السوقَ. أمّا أن تدّعي خدمتهما معا، فهذا ممّا لم ينزل به كتاب، ولا تقرّه مهجة صادقة، ولا يَرْضَى به ضمير حيّ.

 

أيتها الصحراء، أعيدينا من حيث بدأنا لنحضر بعد طول غياب؛ أرشدينا، فغَيُّنا قد طغى علينا واستحكم فينا؛ أنيري دروبنا، فدياجينا مُدلَهمة، وظلماتنا عامة شاملة
أيتها الصحراء، أعيدينا من حيث بدأنا لنحضر بعد طول غياب؛ أرشدينا، فغَيُّنا قد طغى علينا واستحكم فينا؛ أنيري دروبنا، فدياجينا مُدلَهمة، وظلماتنا عامة شاملة
 

أيتها الصحراء، لم تعد البيوت كالبيوت، ولم يعد الرجال كالرجال، ولم تعد الأسماء كالأسماء.  فالصخور تئنّ، لكن هدير السيارات وصخب الآمّين وضجيج الرافعات والآلات يصمّ الآذان عن سماع أنينها. والغار يبكي بصمت، فما لهذا خرج منه ما خرج باسم ربّه، وما لهذا تحنّث الأمين وهبط الروح الأمين ومضت قوافل المهاجرين في سبيلها المبين.

 

أيتها الصحراء، كيف يذهب راكبو الخيل والجِمال والبغال والحمير أبعد من راكبي السيارات والطائرات والقطارات؟ وكيف يكون ساكنو بيوت الطين والشعر أكثر سكينة من ساكني القصور الفسيحة والشقق الفخيمة؟ وكيف يكون الأميون والكاتبون على الجلود والعظام أذكى وأنبه وأحفظ من خرّيجي الجامعات وأصحاب الألقاب السامية؟ وكيف يكون مُمْتَشِقُو السيوف وحاملو النِّبال والرماح أشجع من مالكي الأساطيل وترسانات الأسلحة؟ 

 

أيتها الصحراء، ذكّرينا، فكلنا في النسيان سواء؛ وعِظينا، فكلنا في الإثم شركاء؛ ونبّهينا، فكلنا في الغفلة غُرَقاء. أيتها الصحراء، أعيدينا من حيث بدأنا لنحضر بعد طول غياب؛ أرشدينا، فغَيُّنا قد طغى علينا واستحكم فينا؛ أنيري دروبنا، فدياجينا مُدلهِمة، وظلماتنا عامة شاملة. ويا أيتها المواقيت، لن ينال الحجيج البِرّ ولن يُشْكَروا السعي طالما هم خارج الوقت، وطالما هم منحرفون عن مسار الزمن.