الربيع العربي.. الدين والعرف في مواجهة قانون الدولة!

blogs الثورة
في هذه التدوينة نحاول فهم وتحليل لماذا لجأت الشعوب في دول الربيع العربي إلى اختراع قوانينها الخاصة في المراحل التي تسبق السقوط النهائي للأنظمة القمعية، وربما أيضا في مراحل لاحقة على هذا السقوط، حيث لوحظ وجود محاولات جادّة لإعادة الاعتبار إلى التقاليد والأعراف ومبادئ الشريعة الإسلامية في حل النزاعات بين المواطنين كبديل عن القوانين التي شرعت بواسطة النظام القمعي.

فقد نُودي في ليبيا سابقا إبان الثورة على العقيد الليبي معمر القذافي، باعتماد دستور اجتماعي وتنظيم الأعراف الاجتماعية وتفعيل الإجراءات الأمنية والضبطية، واعتبار ما يصدر عن العرف مرادفا للقانون، أو العودة إلى ما كان يعرف في تاريخ ليبيا الحديث بـ"شريعة الصحراء"، وفي مصر لا يزال القانون العرفي ناظما لحياة المواطنين البدو في سيناء في ظل غياب الدولة، أما في سوريا فقد لعب العرف ومبادئ الشريعة الإسلامية دورا هاما في حل النزاعات بين المواطنين بشكل مثير، وقد استمر ذلك حتى بدأت محاولات فرض المحاكم الشرعية المتناقضة أحكامها ومراجعها من قبل قوى المعارضة السورية على المواطنين .

(في ليبيا: الدستور الاجتماعي العرفي الذي تم اقتراحه ناقش الظواهر الاجتماعية مثل الترحيل والتهجير والدية، والاعتداءات المصاحبة للقضايا، والسبب والسببية والسوايا العرفية واليمين العرفي، وحوادث السيارات والقتل بالخطأ أثناء استعمال السلاح وغيرها)

في ظل الثورة لم يعد للقوانين التي يعاديها المجتمع أي قيمة، وبالتالي انتقلت فكرة المشروعية من سطوة القانون القمعي لقوة قواعد العرف والدين التي تنظم المجتمع 

في البداية ، لا يمكن فهم القانون بمعزل عن كونه "ظاهرة اجتماعية"، فالقانون هو مجموعة من القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، ليس كذلك فحسب، فالقانون حسب الفيلسوف الألماني أهرنج؛ لا بد أن يرتكز على قوة الدولة، وربما قد بالغ أهرنج في الاعتماد على القوه كعنصر أساسي من عناصر القانون حتى قال "لا معنى للحق بدون قوة".. وهذه القوة حسب آلفن براتند عالم الاجتماع الأميركي تكون شرعية فقط إذا ما تمت ممارستها في إطار معايير المجتمع ، فحتى لو كانت هذه القوة "قهرية" في جوهرها فإنها تهدف بشكل أساسي إلى ستقرار المجتمع.

لكن ماذا لو كانت القوة التي يرتكز عليها القانون؛ هي قوة غير شرعية، وتمثل شكلا من أشكال القهر وإرهابَ الدولة في مواجهة المجتمع؟

لقد مثل الربيع العربي فرصة حقيقة لفهم كيفية تعامل الشعوب العربية مع القوانين التي فرضت عليهم عبر الأنظمة غير الديمقراطية، فهذه المجتمعات نظرت إلى القانون على أنه قانون الدولة الذي يجب أن يرحل مع رحيل الدولة. ومع تعثر رحيل بعض الأنظمة، أو الدخول في حالة احتراب داخلي بعد سقوطها بشكل لم يسمح بعودة الديمقراطية من جديد؛ لوحظ أن هذه المجتمعات لجأت إلى الأعراف المجتمعية أو القواعد العامة للشريعة الإسلامية كقانون ينظم العلاقات فيما بينها، وكقواعد عامة لحل النزاعات.

يعود ذلك إلى عدم ثقة هذه المجتمعات في قوانين الأنظمة غير الديمقراطية بوصفها تمثل الأنظمة القمعية، وتحافظ على مصالحه فقط، ومن هنا نشأت العلاقة العدائية بين الشعب والقانون النافذ، والتي تطورت فيما بعد لتصبح جزءا من المطالب السياسية لهذه الجموع الغاضبة مثل: المطالبة بإلغاء الدساتير وحل البرلمانات وإلغاء قوانين الطوارئ وغيرها؛ بل وفي بعض الأحيان تغيير شكل الدولة بأكمله .

ولأن قانون الدولة لم يكن اللاعب الوحيد الذي يحكم تصرفات الأفراد في المجتمع، ذلك أن هناك مجموعة أخرى من القواعد تشترك مع القانون في تحديد سلوك الإنسان مثل الدين، والأعراف الاجتماعية، لذلك نظر السكان المحليون في هذه المناطق إلى مبادئ الشريعة الإسلامية في حل النزاعات، إلى جانب قيمتها "الروحية" في الشعور الجمعي، على أنها قانون الإله العادل في مواجهة قانون الدولة الظالم . 

 

إصلاح النظام القانوني في دول الربيع العربي يتطلب السماح للمواطنين في هذه الدول بحرية اختيار النظم التي يرغبون في العيش في ظلها، بدون فرضها من الخارج
إصلاح النظام القانوني في دول الربيع العربي يتطلب السماح للمواطنين في هذه الدول بحرية اختيار النظم التي يرغبون في العيش في ظلها، بدون فرضها من الخارج
  

أما العرف القائم على ركنين أساسيين، فإن ركنه المادي يتطلب ممارسة المواطنين لسلوك معين بشكل مستقر وثابت لفترة طويلة من الزمان، وأما ركنه المعنوي فيتطلب اعتقادهم بأن هذه القواعد العرفية هي ملزمة لهم، ومن خلال هذا الاعتقاد فقط؛ نشأت قوة هذه القواعد في مواجهة القوة التي يرتكز عليها القانون لدى الأنظمة القمعية، وهو أمر وطيد الصلة بما يطلق عليه فقهاء القانون مبدأ "المشروعية".
 

مشروعية ماذا؟

يعني مبدأ المشروعية أن تصرفات الدولة لا تتمتع بأية حماية قانونية، وليس لها أية قيمة ما لم تكن متوافقة مع قواعد القانون النافذة، حيث ترسم هذه القواعد حدود التصرف الإداري، لكن في ظل الثورة لم يعد للقوانين التي يعاديها المجتمع أي قيمة، وبالتالي انتقلت فكرة المشروعية من سطوة القانون القمعي لقوة قواعد العرف والدين التي تنظم المجتمع؛ كونها تصدر عن غريزة اجتماعية، كما أنها تلقائية لا تصدر عن سلطة معينة ولا يفرضها عليهم نظام بعينة، إنما دعامتها الأساسية هي تقبل الناس وأمتثالهم لها.

العودة إلى القانون .. ماذا يتطلب؟

يقول إهرنج بأنه يوجد في كل مجتمع مجموعة من المصالح المتصارعة، وأن هذه المصالح تختلف في مدى أهميتها وقيمتها الاجتماعية إلى الحد الذي يمكن معه أن يقال بأن بعضها مناهض للمجتمع، وفي ظل هذا الصراع بين المصالح يبرز دور القانون بوصفه حكما غير متحيز، يسعى إلى ربط النظم القانونية بالاحتياجات والمصالح الفعلية. وهذه الغاية لا يمكن تحقيقها إلا في حال كان القانون يعبر عن المجتمع، لا أداة قمع وخصما له، ويضيف "إن القانون ليس هو المبدأ الأسمى الذي يحكم العالم، إنه ليس غاية في ذاته؛ بل هو وسيلة لتحقيق غاية. إن الحياة فوق القانون؛ وعندما يصبح المجتمع في موقف الخيار بين احترام القانون والحفاظ على الوجود، فلا محلّ للتردد، وعلى القوة أن تضحّي بالقانون لتنقذ الأمة".

لذلك يشرح إيرلخ هذه الفكرة بالقول؛ إنه إذا استطاع القانون أن يحظى بقبول الجماعة فإن احترام القانون يكون تلقائيا، دون حاجة لقوة قهرية، وبالتالي فإن إصلاح النظام القانوني في دول الربيع العربي يتطلب السماح للمواطنين في هذه الدول بحرية اختيار النظم التي يرغبون في العيش في ظلها، بدون فرضها من الخارج، وإلا فإن الوقت فقط سيكون كفيلا بوضع المجتمع في مواجهة أخرى مع "قانون الدولة!".