مارسوا الجنس لكن تجنبوا الأماكن العامة.. مهزلة وزير مغربي

مدونات - رجل وامرأة
في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية المغربية يوم 12/02/ 2018، وجوابا عن سؤال متعلق بالحريات الفردية، صرح وزير العدل المغربي السيد محمد أوجار في حكومة السيد سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بتصريح مثير للجدل في الأوساط المغربية، قال: العلاقة الجنسية الرضائية بين الراشدين لا تعني المجتمع ما اجتنبت المرافق العمومية.
 
في دولة إسلامية أصيلة ومحافظة، حيث تفوق نسبة المسلمين فيها 99 بالمائة، وفي زمن لم تبتعد الدولة بعد من دائرة المخاطر التي واكبت ثورات الربيع العربي، بل لا تزال بعض المدن تشهد حراكا شعبيا مستمرا يشكو الفقر وارتفاع نسبة البطالة وغياب الخدمات الأساسية للمواطن من تَمَدرسٍ وتطبيب وبنية تحتية…، ومدن أخرى تكتم أنفاسها تحت ضغط إجراءات غير مدروسة وسياسات مالية مجحفة في حق الطبقتين الفقيرة والمتوسطة لم يشهد المغرب مثلها عبر تعاقب الحكومات السابقة. في دولة بدأت تظهر فيها ظواهر غريبة وغير معهودة كعملية الانتحار بالحرق أو التردي من أعلى البنايات وانتشار الجريمة بشكل واسع ومخيف.
 
في واقع مؤسف للغاية، حيث أصبح الناس يستيقظون فيجدون على أرصفة الطرقات أطفالا متخلّى عنهم حديثي العهد بالولادة مُسَجّينَ في خِرقٍ وأثواب، فما زال عدد الأطفال المتخلى عنهم في ارتفاع حتى اكتظت الملاجئ والطرقات. في بيئة أصبحت تنبت لنا جمعيات الدفاع عن حقوق الأمهات العازبات، وحقوق الشواذ.. ويتحاشون الحديث عن أسباب عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق، وتفكك الأسر. في دولة أصبح شبابها بين الإدمان على المخدرات والأقراص المهلوسة، أو نزيل السجون أو راكبا عبَّارات الموت إلى الخارج، بحثا عن شغل يضمن لهم لقمة عيش.

السيد وزير العدل.. إن كنت صادقا في التخفيف عن الشباب فمطالبهم معروفة، فعليك بتحقيق ما تستطيع تحقيقه لعلك تُسْهم في التخفيف من الضغط والاحتقان، وتُجنّب البلاد ما لا تحمد عُقباه

مجمل القول، في دولة أصبحت قنبلةً موقوتة قد تعصف بالأرض ومن عليها، يخرج علينا السيد وزير العدل، متجاهلا كل الكوارث التي ذكرت بعضا منها، ليبشرنا بأن من حق المواطن المغربي الراشد القيام بعلاقة جنسية مع طرف آخر بشرط التوافق وتجنب العنف. ثم يواصل الحديث فيقول فيما معناه: وبما أن المغرب دولة إسلامية محافظة، فيجب على من يريد إقامة علاقات جنسية خارج نطاق الزواج أن يحترم عقيدة المغاربة وأعرافهم، وعليه، فيجب أن يتجنب المرافق العمومية احتراما لمشاعر المسلمين، لأن هذه العلاقات مسألة غير متوافَق عليها بين المغاربة. أما داخل الإقامات والمساكن فلا حرج وذلك لا يعني المجتمع بأي حال.

 
نعم، السيد وزير العدل، لقد فصلتَ في جميع المشاكل التي تواجه المواطن في التقاضي، لقد رفعت القضاء المغربي إلى مصافّ الدول الديمقراطية، حيث أصبح يُضرب به المثل، وأصبح العالم يثق بنزاهته وعدالته. لقد استجبت لكل مطالب أسرة القضاء المشروعة، حيث رفعت عنهم جميع المعاناة، ووفرت لهم المناخ المناسب للرقي بهذا القطاع الحساس والخطير، ولم يبق لك السيد الوزير إلا تبشير الشباب بأن لهم الحق في الممارسات الجنسية غير الشرعية. إننا نعلم أنك إنما تصف حالة واقعية، لكنها سيدي، حالة غير طبيعية بحكم تدُيّن الشعب المغربي، لكن تصريحك هذا هو بمثابة تشجيع على الفساد وتمهيد لشرعنته.
 
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن هذه التصريحات غير معزولة كما يمكن أن يتبادر إلى الأذهان، فقد سبقتها تصريحات كثيرة ودعوات ملأت القنوات الإعلامية والإذاعات والجرائد؛ منها دعوة برلمانية -تحت قبة البرلمان- إلى شرعنة الدعارة بحجة أنها تذرّ أموالا طائلة، وأخرى تدعو إلى مراجعة نظام الإرث ومساواة الأنثى بالذكر، والسماح لمن لا يرغب في الصيام بتناول وجباته في العلن..
  
الشباب، السيد الوزير، لا ينتظر إذنكم للغوص في وحْل علاقات جنسية محفوفة بالمخاطر تدمر المجتمع المغربي. الشباب -ما شاء الله- كلهم محافظون، لا يقربون الزنا، وقد مننتَ عليهم، وخففت عنهم، وأزحت العناء عن كاهلهم، ورفعت عنهم الحرج.
 
محمد أوجار وزير العدل المغربي (مواقع التواصل)
محمد أوجار وزير العدل المغربي (مواقع التواصل)

 
السيد الوزير، إن كنت تؤمن بالله وبكتابه الكريم وبنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأحسبك كذلك، فأنت تعلم جيدا أن الزنا حرام بنص قرآني قطعي الدلالة، وليس مسألة توافقية بين الناس، قال تعالى في سورة الإسراء:"وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" (32). إن الله عز وجل يقول في فاتحة سورة النور: "سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)". ثم يقول عز من قائل في نفس السورة: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)". ويقول عز وجل في السورة نفسها: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)".

  
وقبل الختام، أقول للسيد الوزير الذي يزعم أنه يدافع عن الحريات الفردية:

أقول للمجلس العلمي بالمغرب: ألم يستشركم السيد وزير العدل قبل إصدار فتواه؟ إن الشعب المغربي يذكر تدخلاتكم العنيفة في مسائل ربما خدمت الشعوب

أيها الوزير، مطالب الشعب المغربي معلومة، السياسية والاجتماعية، يرفعها في كل المناسبات؛ رفعها قبل حراك 20 فبراير 2011، ورفعها في مدينة الحسيمة، ويرفعها اليوم في مدينة جرادة، وسيظل متمسكا بها حتى ينالها، فإن كنت صادقا في التخفيف عن الشباب فتلك مطالبهم، فعليك بتحقيق ما تستطيع تحقيقه لعلك تُسْهم في التخفيف من الضغط والاحتقان، وتُجنّب البلاد ما لا تحمد عُقباه.

وأقول للسيد رئيس الوزراء:
أيها الرئيس، إن انتماء السيد محمد أوجار لحزب التجمع الوطني للأحرار لا يعفيك من المسؤولية، وإن الشعب المغربي ما زال ينتظر تعليقك على تصريحاته.
 
وأقول لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية:
إن ارتباط الحريات بوزير العدل لا يعفيك من مسؤولياتك الدينية والأخلاقية، ألست من يحمي دين الدولة الرسمي ويسهر على احترام تعاليمه، وعليه، فالشعب المغربي يترقب منك بيانا توضيحيا بشأن فتوى زميلك وزير العدل.
وأقول للمجلس العلمي:
ألم يستشركم السيد وزير العدل قبل إصدار فتواه؟ إن الشعب المغربي يذكر تدخلاتكم العنيفة في مسائل ربما خدمت الشعوب، ومنها تصريحات الشيخ القرضاوي بجواز القروض البنكية الربوية من أجل السكن في الحالات الحرجة، باعتبار عدم وجود أبناك غير ربوية.
وفي الختام أقول: ليس المطلوب تقديم السيد الوزير للمحاكمة، رغم أنه في مراكز القرار، المطلوب فقط هو مساءلته أمام الشعب والتعقيب عليه، سلبا وإيجابا، معارضة وموافقة، حتى يتبين للشعب المغربي مسار خط الدولة المغربية واتجاهها وتتحدد المسؤولية والصلاحيات.