رفقا بالكلمة..

blogs - people
لا داعي لأن تكون فيلسوفا حتى تشير إلى بعض الشوائب المنتشرة في عالمك، بل يكفيك أن تتخذ من الشارع كتابا تقرؤه ليلقي بين يديك حقائق عن علم الحياة، ولطالما أقرأني هذا الكتاب قصص قلوب قُتلت دون أن تموت، بل بقيت على قيد الحياة متقوقعة في برزخها الخاص حتى لا تُصيبها رصاصة من فم يستوطن الكذب فيه، ولقد أقرأني قصص قلوب كانت كالأرض المُقفرة من إصابة طوفان فكانت صعيدا زلقا حتّى أتتها كلمة كرحمة من الله، فاخضرّت من بعد عجاف طوال، ولكن أكثر ما أخذ في نفسي موضع التساؤل ومثار الجدل هم أولئك الذين قتلتهم الكلمة الحسنة عندما قيلت، دون إحاطة بمعانيها وكأنّها طارئ سهل العبور..
    
كثير من الناس في تناس لطاقة الكلام وقوة تأثيره لدى المُتلقّي، سواء أكان طاقة عقليّة أم عاطفيّة، فما من قول لأحدهم إلا وجد حضوره في جوف أحدهم، فإما أن يكون كالنحل يُحول طلع الأحرف إلى أعسل المعاني أو كالبعوض لا يجيد سوى اللدغ وامتصاص الدماء، وكم كان دوره حاضرا في النزاع والوفاق وفي الحرب والسلم وفي الهدم والبناء، والعلاقة ما بين طاقتيه علاقة ائتلافيّة في معناه، يدركها العقل فيُبدي التأثير على العاطفة حسب ماهيّة الكلام، أقاتلا كان أم باعثا للحياة. 
    
و لا ينبغي أن يكون استخدام الكلام إلا عند إدراك المعنى المكوِّنِ له والإحاطة بالمترتب عليه مع اشتراك الطاقتين وتعاون المعنيين فيه، فأن تصف علاقتك مع أحدهم بوصف سام كالصُحبة أو المحبة بعد انتظار الثاني إليك من غير اكتراثٍ لتَجذُّر لفظك وتشعُّباتِهِ في قلبه والعناية بما يلزِمُه عليك، فقد قتلت في نفسه معنى الكلمة وأفقدته القدرة على الإيمان بها، فلربما كان حاله كرصيف مهمل لا يلتفت إليه أحد مُترقبا لأن يمُرَّ قولك على قلبه ليطبع في وجهه بسمة تسللت من الدمع، فما إن تبدأ بالارتسام حتى يرتئي أنك قلته ببرود حجب حرارة الصدق عنه وقتل في نفسه معاني القول الحقيقية.
   

لكل كلمة ميزتها الخاصة من حيث إنها ترسم زاوية دقيقة لمعناها لا تتناولها كلمة أخرى ولو تشابه المغزى

تلك الكلمة التي تحدّث عنها القرآن وضرب بها مثلا كأنّها شجرة طيبة وارفة الظلال ذات أصل ثابت وأفرع تصل السماء وثمرها دائم، هي ذاتها التي أوصى الرسول بأهميتها والحذر من أن تلقى بلا بال حتى لا تهوي بصاحبها في جهنّم سبعين خريفا، وهي التي كانت مضرب الأمثال عبر الزمان للتنبيه من أثرها السلبي إن استُهلكت استهلاكا دون مراعاةٍ لما قد تُحدثُه إن فقدت قيمتها، وكثيرا ما نبّهت الأقوال المتوارثة بين الناس إلى ضبط الكلام كما جاء في المثل على أن لسان المرء كحصانه إن هو صانه صانه …
   
وإذا ما عُدنا إلى الكتاب المشار إليه سابقا لوجدنا أنّنا في أشدّ الأوقات عطفاً على قيمة الكلمة، لما تشهده من إهدار لمكانتها وانحلال لميثاقها، فما بتنا نراها ونتحسَّسها في الخطابات الثقافية والدينية والتربوية ولا في مناهج التعليم والخطابات السياسية ولا حتى أنها توفّرت -كما يجب أن تكون- في الحياة اليومية، بل نراها تُوظَّف استثماريّا دون إلتماس لتأثيرها إلا بتضاد عن معناها وعكس مغزاها ليصنع منها أقبح النعوش لأجمل الجثث.
   
إن لكل كلمة ميزتها الخاصة من حيث إنها ترسم زاوية دقيقة لمعناها لا تتناولها كلمة أخرى ولو تشابه المغزى، وأمثل ما يمكن الاستشهاد به على ذلك هو أبلغ الكتب وأحسنها، فكثيرا ما ترى في كتاب الله تعداد كلمات دالّة على معنى واحد، ولكن إن بحثت في المقصد لوجدت أنها هي التي تُكمِّل الصورة وحدها، فالفرق شاسع والغور عميق بين الغاية من كلمة الحرب والقتال، ولم تأت واحدة منهما إلا في مكانها الصحيح تماما، وإلا لوجِد الخلل في المعنى، و كمثال آخر حين وصف الله الذي قال عن الرسول :" شرب حتى ارتويت"، وصفه بـ "صاحبه" حين كانا في الغار، ولم يصف علاقة عُرِفَت بشدِّة قوّتها بـ "الأخوة" مما يجعل الصحبة أعلى مرتبة، فكلّ صاحب أخ وليس كل أخ صاحب. -والأمثلة أكثر ما تكون-.
   
ما نحتاجه موجود بين النُطق الجاهل والخَرس العاقل، ألا وهو النطق العاقل، المُدرك تماما لمآرب القول ومآله بعد خروجه من الأفواه، حتى يتوقف كسر القلوب وإحباط الناس وعودة الكلمة للحياة بموازاتها مع معناها، فهي التي تُمكّنُك من اجتثاث إنسان من الحضيض وتصنع به شخصا ناجحا -كما حدث مع الكاتب- أو تدمير سعادة إنسانٍ ولو كان في نعيم.