شعار قسم مدونات

خواطر تشغل بالي..

blogs قرآن

ليس عبثا أن تخطر على بالك آية قرآنية؛ فترددها بنهم وشغف وإقبال، تأكد وقتها أن الله يكلمك بها، وحسب مضمون هذه الآية يكون حالك ووضعك النفسي، فإن رددت دون تخطيط: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" فهذه مواساة من الإله جل في علاه يربت فيها على كتفيك بنصٍ هادئٍ حنون، ناهيا إياك عن التوغل في درب الحزن، بل عليك أن تقطعه متدبرا لقوله الكريم "وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك"!

مَن مِن مسلمي الأرض لا يردد آيات من القرآن دون تخطيطٍ منه، فجأة ينتبه لأحوال لسانه وهو يردد آيات معينة، وكأن الله بترديده لها يقول له "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ"…! بعض من حولي من الناصحين الأتقياء، يطالبونني ألا أبوح بهذا النوع من الكرم الإلهي خوفا من أن أفقده، لكني أقول من باب التنوير والتثقيف والتشجيع، بأن أعظم كرم وأغلى نعمة أن يخصك الله بترديد آياته؛ كوسيلة من وسائل جلب السكينة والراحة والاطمئنان وسط مجتمعات تعج بكل أزمات الحياة….!

ذات مرة خفت من بعضهم؛ فناداني الله أياما متتالية، وأنطق لساني دون حول مني ولا قوة "يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ" أدركت وقتها أنني في عنايته ومعيته جل في علاه، ومرة أخرى استبد بي اليأس حتى خاطبت الله في سجودي: متى يكون الفرج؟ أولم تقل يا الله "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" أنهيت صلاتي، سلمت يمينا ويسارا، وفورا أنطقت "إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً*وَأَكِيدُ كَيْداًفَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً"…!

ما أدمن مسلم على ترديد آيات القرآن، إلا زاده الله نورا على نوره، وأكسبه رزانة وفطنة، ومنحه من القدرة على استحضار الآية التي تشبه الموقف والشعور الذي يحياه في واقعه

أما عن شعوري بقرب الفرج، فقبل أن يحط أقدماه في دياري، تنتابني حالة فرح ونشوة تظهر على كل تقاسيم وجهي، فيلاحظها كل من حولي، فيسألونني ما بك مبتسمة؟ ما بك مبتهجة؟ وأقول لهم: لست أدري إنه فرح من الله أعطانيه ولا أدري سره، بعد سويعات من سؤالهم، يمن الله علينا بتوفيق ما، برزق هنا، أو بمفاجأة من هناك، أو برفع ضيم، إلخ. فأعرف سر ابتهاجي وسعادتي…

قد يوحي لك الواقع الكئيب بأن الأمور تسير عكس ما يشتهيه قلبك، وقد يعزز بعض من حولك ذلك، لكن الثقب الذي أهداك إياه الإله، وميزك به عن سائر أقرانك، يخبرك من حيث لا تحتسب بأن الرزق الأوفر بانتظارك، والحظ الأجمل يتجهز ليفوز بنقاء روحك، فتمضي شجاعا رافع الرأس، يستعجب من يراك من عظمة إحساسك بالتفاؤل، التفاؤل المبني على أن الله رب الكون يُغير ولا يتغير، فالركود الذي يعم أرجاء البلاد لن يبقى على حاله، والقحط لن يدوم، هكذا تدرك بأنه جل في علاه "رب قلوب" وعد أصحاب النوايا الحسنة برزق مدهش، أولم نقر جميعا بأن علينا ألا نسأل عن السبب إن الرحمن وهب، سبحانه حين يدهش بالعطايا التي دوما تكون على متن البلايا..

أعود للقرآن وآياته، فما أدمن مسلم على ترديد آياته، إلا زاده الله نورا على نوره، وأكسبه رزانة وفطنة، ومنحه من القدرة على استحضار الآية التي تشبه الموقف والشعور الذي يحياه في واقعه، فإن كان فخورا بحاله إلى حد الغرور وجد نفسه يردد دون تخطيط "وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" إنه التأديب الإلهي، التأديب الذي يشعر به كل متقرب بصدق إلى الله، التأديب الذي يأتيك دون وساطةِ أحد، تأديب من الله يلامس شعورك فورا، من المرسل جل في عزته وجلاله إليك أيها العبد الضعيف السائر على هذه الأرض، الراجع إلى بطنها حين يشاء الإله…!

من أرادَ أن يمن الله عليه ويمكنه في الأرض، عليه أن يعقد صداقة قوية بينه وبين كتابه، فاقرأ ورتل وارتق، ليس فقط من أجل الآخرة والدرجات العليا في الجنة، بل أيضا من أجل التميز والرفعة والمكانة السامية في الدنيا
من أرادَ أن يمن الله عليه ويمكنه في الأرض، عليه أن يعقد صداقة قوية بينه وبين كتابه، فاقرأ ورتل وارتق، ليس فقط من أجل الآخرة والدرجات العليا في الجنة، بل أيضا من أجل التميز والرفعة والمكانة السامية في الدنيا
 

أحزن لضعف علاقة مسلمين كثر بالقرآن الكريم، ضعف عليهم أن يراجعوا أسبابه ويحاربوها، لأن الخير الذي يعطيه الله لقارئ القرآن ومتدبره لا يضاهيه خير، خير يضم كل أشكال الرزق الحسن، فلا يكاد يغيب عنه مفتاح من مفاتيح التوفيق والإبداع المذهل في كل ميادين الحياة.. قارئ القرآن إنسان مهذب، راقٍ في شعوره، محنك في قراءته للواقع، مستبشر دوما بقادم أيامه، شعاره على الدوام "لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً" على عكسِ هاجره، عبوس في الغالب متشائم في أغلب أوقاته، يرى الجانب المعتم من حياته، شعاره "المكتوب مبين من عنوانه"..

وأخيرا، من أراد أن يمن الله عليه ويمكنه في الأرض، عليه أن يعقد صداقة قوية بينه وبين كتابه، فاقرأ ورتل وارتق، ليس فقط من أجل الآخرة والدرجات العليا في الجنة، بل أيضا من أجل التميز والرفعة والمكانة السامية في الدنيا، فلنتق الله في أنفسنا التي تنادينا إلى الريادة، ونتجاهلُ نداءها لنا بتجاهلنا لكلام الإله، أدمنوا أعزائي قراءة القرآن وتدبروه لتدركوا نكهةَ آياته وعظمة التخاطر القرآني بينكم وبين المواقف التي تعايشونها لحظيا.