هل من نهاية لنظام السيسي بالأفق المنظور؟

blog- السيسي Egypt's President Abdel-Fattah el-Sisi reacts during the closing session ofÊSudan's National Dialogue at the Friendship Hall in Khartoum, Sudan, October 10, 2016. REUTERS/Mohamed Nureldin Abdallah

على مدى الأسابيع الماضية سيطرت حالة من القلق في مصر على الحال السياسي والمستقبل الخاص بالعمل العام وسقوف التحرك فيه اجتماعيا وسياسيا بسبب ما جرى من اعتقال من سامي عنان رئيس الأركان الأسبق للجيش المصري، والتنكيل الجزئي بأحمد شفيق، وعلى هامش ذلك ما جرى مع العقيد بالجيش المصري أحمد قنصوة من اعتقال وحكم بالحبس، ثم ما جرى في الأيام الماضية مع حزب مصر القوية واعتقال نائب رئيسه بلا سبب منطقي، وكذلك رئيس الحزب والمرشح الأسبق لمنصب رئيس الجمهورية عبد المنعم أبو الفتوح بعد سلسلة لقاءات إعلامية أجراها في لندن حمل فيها السيسي مسؤولية ما يجري في مصر مهاجما إياه بشدة.

 

مصدر القلق هو حالة الهوس التي صاحبت الاعتقالات والتنكيل فضلا عن مستوى الشخصيات التي أعتقلت ودرجة تجذر وجودها أو فجاجة التصرف و"بجاحته"، ناهيك عما صاحب ذلك من تصرفات سياسية فجة لم تكن لتحدث في عصر سابق؛ كإجبار داعم للسيسي للترشح أمامه أو القبول بإعلان إسرائيل تصدير الغاز لنا بدون أن يكون هذا مصدر إزعاج لسمعة النظام أو دليلا على إخفاقه وتحايله.

 

هذا كله قاد إلي إعادة طرح سؤال قديم/جديد عن نهاية عبد الفتاح السيسي كيف تكون؟ وهل ستكون في أفق منظور أم أن بقاءه سيكون ممتدا لمدد طويلة لا أحد يعلمها؟!، وبرأيي أن إعادة طرح السؤال بصور مختلفة إنما يعود إلي أن ثمة أملا كان قائما أن الانتخابات ربما تكون فرصة مواتية لحلحلة الوضع القائم أو أنه مازالت هناك خطوط حمراء للنظام يمكن مناورته من خلالها، سواء كانت في شخصيات ذات ثقل ولها من يساندها أو من خلال تصور أن جودة إخراج "العبث" ستحدد من استباحة النظام وتبجحه.

 

عبد الفتاح السيسي ونظامه لا يتوانون أو يترددون في أن يكونوا نسخة مكررة وربما متقدمة من نظام الأسد في نسختيه الأب والابن؛ بما هو معروف عنهم من دموية واستعداد لتدمير الأخضر واليابس في مقابل استمرارهم

لذا فبرأيي أنه قبل الإجابة عن هذا السؤال؛ يجب أن تمر بتوصيف هذا النظام جيدا ولاسيما صانعه الذي يقبع على رأسه، وهو أمر لا يضمن أيضا الوصول لإجابة قطعية، وإن كان سيساعد أن يشكل ملمحا أو تصورا لحجم التحديات التي سنواجهنا نحن دعاة العمل السلمي للتغير أو الراغبين في عودة شيئ من الديمقراطية لهذا الوطن المستباح والمختتطف من حاكمه وحاشيته.

 

لا يمكن اعتبار نظام السيسي نظاما تفاوضيا بأي حال من الأحوال، فالرجل ليس مجرد ديكتاتور عادي مثل من سبقوه من ديكتاتورين أو حكام سابقين حكموا مصر في العصر الحديث قريبه أو بعيده، فالرجل عبر شواهد متتالية وموثقة يثبت لنا أنه ممن يعتقدون في أنفسهم أن الله آتاهم الملك من دون الناس، وأنه صاحب الرؤية الصالحة والوصفات الناجعة "كطبيب للفلاسفة" تأتيه "المنامات" التي تبشره بمستقبله الذي يستحق بعد صبر وعناء وكفاح في الحياة  أن يجازى عليه عبر امتلاك "سيف" السلطة "وحكمة "السابقين" من الرؤوساء.

 

الأمر الذي يعني أننا أمام شخص مريض بهلاوس مرضية يمتزج فيها جنون عظمة حالي يسعى لمحو تاريخ من شعور بالدونية سابق، يتمثل في رغبة من الانتقام حينما "يكبر" لينتقم أو يستعلي أو يسيطر ويتمكن ممن أذاه في ما هو صغيرا سنا أو مقاما أو سلطةً.

 

هذا الأمر أو التوصيف لا يعد مسبة أو رغبة في التشويه، لكنه توصيف هام لفهم ماهية من يحكم ويتحكم في مصير البلاد والعباد، وأيضا يوضح لنا لماذا يحيط نفسه أو لماذا يلتف حوله الدهماء عديمي الكفاءة والأخلاق والضمير ممن يتصفون بالشر والغباء في آن معا؛ مما يقودنا أن مصر يسيرها ويقودها نظام مصاب بمركب نقص نفسي وعقلي واضح على مستوى الأفراد والهياكل والقادة.

 

برأيي أن عبد الفتاح السيسي ونظامه لا يتوانون أو يترددون في أن يكونوا نسخة مكررة وربما متقدمة من نظام الأسد في نسختيه الأب والابن بما هو معروف عنهم من دموية واستعداد لتدمير الأخضر واليابس في مقابل استمرارهم والانتقام من معارضيهم كافة، مع فارق أن نظام الأسد حاول أن يؤسس جزءا من شرعيته على شيئ يبيعه للناس -ولو كذبا- وهو أنه ممثل محور الممانعة والداعم لها، بينما السيسي ليس لديه ما يبيعه للناس سوا أوهام في صورة إنجازات يروجها سندة إعلامه، بينما لا تصمد على أرض الحقيقة أمام المعاناة اليومية للناس في مصر ناهيك عن محدودية تأثيرها، ذلك أنها أعمال "بالقطعة" وليست "مشروعا" ممتدا يمكن أن يأخذ طابعا أيدولوجيا يصبغ محيطه ويهيمن عليه.

 

هؤلاء مصابون بجنون العظمة ولا يمكن قياس حالات ديكتاتورية أخرى تأسست على الطمع أو الأنانية أو الرغبة في الحكم فقط، لأن هذا يغفل الجانب الشخصي والنفسي الذي يجب أن يكون حاضرا كعامل مؤثر عند تحليل ما يجري في مصر.

 

يقدم السيسي التنازلات تلو التنازلات بدرجة تدفع الكثير للتشكك في اعتباره "خائنا" للوطن " مع سبق الإصرار والتعمد، لكنه ورغم وجاهة الطرح -بسبب غرائبية ما يحدث أو عدم وجود تفسير منطقي بعيدا عن "أبواقه الإعلامية "- ثمة تفسير آخر يستند إلى التوصيف أعلاه يمكن إضافته أو استخدامه كأداة تفسيرية وأداة توقع أيضا لما يمكن أن يجري في المستقبل.

 

تغيير هذا النظام في الأفق المنظور أمر ليس هينا، وإن جرى فإنه سيكون أقرب للمعجزة من كونه أمرا طبيعيا في ظل طبيعته المتسلطة ضعيفة الإدراك والقدرات، ذات الشخصية
تغيير هذا النظام في الأفق المنظور أمر ليس هينا، وإن جرى فإنه سيكون أقرب للمعجزة من كونه أمرا طبيعيا في ظل طبيعته المتسلطة ضعيفة الإدراك والقدرات، ذات الشخصية "السيكوباتية"
 

والتفسير هو أن الرجل لا يرى في أي فعل له خطأ استنادا لجنون عظمته الذي يسيطر عليه، وأنه قادر على إدارة كافة الأمور والتحكم فيها مهما وصلت من مستويات ضحلة، رجل لا يقبل النقد ولو في صورة نصيحة أو حتى مصطنعا لتجميل وجهه هو ونظامه، ناهيك عن شخصيته المتشككة والمسكونة بالهواجس والمخاوف وانعدام الثقة بالنفس في قرارة نفسها؛ الأمر الذي يستدعي تضحية بكل عزيز وغالٍ لإثبات أنه على حق أو أن كل شيء تحت سيطرته أو أنه لا ثمة أخطاء تستدعي اللوم أو التوجيه أو الإرشاد.

 

لذا فبرأيي أن تغيير النظام السياسي في مصر وإزاحة السيسي لن تمر إلا عبر مسارين رئيسيين، الأول وهو العامل الخارجي الضاغط الذي قد يرى كلفة بقاء الرجل أكبر من الحفاظ على مصالحه وهو أمر لا شواهد عليه، بالعكس؛ فالمساوامة بعامل الإرهاب والأمن من جانب وهاجس الهجرات غير القانونية كامتداد للنموذج السوري يشكلان أمرا بالغ الأهمية يطغى على ملفي حقوق الإنسان والديمقراطية.

 

أما المسار الثاني، فهو أن يكون هناك قوى من داخل مؤسسته أقوى منه تطيح به بأية وسيلة ناعمة أو خشنة لأسباب تتعلق بصراع على السلطة أو كلفة تهدد مصالح مناؤيه أو مصالح قيادات تلك المؤسسة، وهو الأمر الذي قد يكون أقرب لكنه أيضا يعد غير قوي بما يكفي بالنظر إلى ما جرى مع عنان والتغيرات الهيكلية في بنية قيادات مؤسسات القوة وما يتعرض له كوادر سابقة في الكواليس من تهديد أو تنكيل.

 

لذا فبرأيي أن تغيير هذا النظام في الأفق المنظور أمر ليس هينا، وإن جرى فإنه سيكون أقرب للمعجزة من كونه أمرا طبيعيا في ظل طبيعته المتسلطة ضعيفة الإدراك والقدرات، ذات الشخصية "السيكوباتية"، وقدرته العالية على "الاستباحة والبجاحة".