شعار قسم مدونات

موسى الذي لم يحقق حلمه

blogs - quraan

على عكس العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس، لا يبدو القرآن مدونة قصصية تاريخية، بل مدونة أخلاقية في المقام الأول. على الرغم من أن القصة تشكل نسبة تتجاوز 50% من تكوينه. إلا أن القصص في القرآن له وظيفة أخلاقية أيضا، لا تاريخية. وأعني بالأخلاق هنا المفهوم الفلسفي للكلمة. أي قضية الخير والشر. ومن بين ظواهر عديدة لافتة في القصص القرآني، هناك ظاهرة الحضور الطاغي لقصة موسى وقومه بني إسرائيل. وكأنها قصة نموذجية في المنظور القرآني. وهذا يدعوك لتأمل خصائصها الفنية والموضوعية التي أهلتها لهذه المكانة.

     

من المنظور التاريخي يبدو موسى بمثابة بطل قومي قاد جماعته السياسية إلى حراك ثوري بهدف الخلاص من نير القمع والطغيان. إنها قصة جماعة سياسية بلا وطن ولا دولة تواجه نظاما سياسيا قمعيا فاسداً يمارس ضدها حرب إبادة عرقية. يقف على رأس هذا النظام حاكم واحد من أعتى الحكام المستبدين وأكثرهم غرورا في التاريخ. إنه رمسيس الثاني امبراطور مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. لكن على الرغم من الحضور الكثيف للعناصر الدرامية في قصة موسى إلا أن النهاية كانت واقعية للغاية، وخالية من أي عناصر بوليودية. ولعل هذا هو أقسى ما فيها. فقد مات القائد العظيم، مؤسس المجتمع التقليدي لبني إسرائيل، ميتة مجهولة في أرض مجهولة تقريبا. تقول التوراة: فمات موسى عبد الرب في أرض موآب بموجب قول الرب. ودفنه في الوادي في أرض موآب، مقابل بيت فغور. ولم يعرف أحد قبره إلى هذا اليوم. أهـ.

      

تعد قصة النبي موسى وقومه نموذجية؛ لأنها بعناصرها الفنية والموضوعية تستطيع أن تغطي احتياجات الباحث في شأن التغيير والثورات الشعبية

من الوجهة الدرامية فإن هذه نهاية لا تليق بقائد عظيم في نظر بني إسرائيل مثل موسى. فهو عندهم أعظم الأنبياء على الإطلاق. والتوراة نفسها تقول هذه المعلومة بأسلوب درامي: ولم يظهر بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى. الذي خاطب الرب وجها لوجه، وأقامه ليجري جميع الآيات والمعجزات في ديار مصر. أهـ. وهذه نهاية قاسية بالنسبة لقارئ القصة الذي كان يتوقع أن تنتهي القصة على الطريقة الرومانسية، حيث يموت البطل على فراشه ميتة خالدة واضحة وقد حقق أهدافه المرسومة.

      

لم يتمكن موسى من تحقيق أحلامه الخاصة على الأرجح. فقد كان يحلم بدخول الأرض المقدسة، ويحلم بقيادة شعب حر عظيم. لكن بني إسرائيل خيبوا أمله في الأمرين. حتى أن هذا الشعب لم يتمكن من تدوين التفاصيل الكافية لنهاية نبيهم العظيم. بل لم يتمكن من معرفة حتى قبر زعيمه العظيم. وهذا خذلان لا نستغربه من شعب بني إسرائيل!.

    

تعد قصة موسى وقومه نموذجية أيضا لأنها -بعناصرها الفنية والموضوعية- تستطيع أن تغطي احتياجات الباحث في شأن التغيير والثورات الشعبية. ففيها يمكنك أن تجد القائد الشعبي الحر الشجاع، والحاكم المستبد الطاغية (فرعون)، والبطانة الفاسدة (هارون)، ورأس المال الفاسد (قارون)، والشعب التائه المتردد بين الدخول إلى المستقبل والمكوث في الماضي، خوفا من ضريبة التغيير.

    

وهي نموذجية أيضا لأنها تمثل صراع الجماعة السياسية المتمدنة في مواجهة النظام السياسي المستقر بتقاليد الدولة. وليس صراع أفراد أو جماعات قبائلية غير متحضرة. إنه نموذج الصراع الحاصل اليوم وإلى ما لا نهاية في المجتمعات الإنسانية. ومن هنا تأتي أهميتها بالنسبة لثوار الربيع العربي. الذين خاضوا معركة كبيرة مع الفرعون انتهت بنتائج مأساوية سببتها الثورة المضادة، فظنوا أن ثورتهم قد فشلت. في حين أن ثورة موسى لم تأت أكلها إلا بعد وفاة موسى نفسه، حين جاء جيل يوشع بن نون الذي خاض معركة دخول الأرض الموعودة، وبدأ تأسيس المجتمع الجديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.