شعار قسم مدونات

ثقافة الأسلحة في الولايات المتحدة

مدونات - االسلاح بأميركا
لقد انتشرت فيديوهات من خلال الإنترنت يوم الأربعاء على مواقع التواصل الاجتماعي ثم في كل القنوات الإخبارية العالمية الكبرى عن المأساة التي أثرت على قلوب الأميركيين وزرعت فيهم الخوف الرهيب. بدأ لغط الإعلام حول الحادث بعد أن سقط وابل النار في مدرسة ثانوية في ولاية فلوريدا من مهاجم تم طرده من ذات المدرسة قبل فترة قصيرة. كان عدد القتلى في هذا الهجوم: 17 شخصا، وهو يمثل الحادث الثامن في مسلسل إطلاق النار داخل مدارس أميركية منذ بداية عام 2018.
حسب المعلومات التي تم نشرها في مكتب الشرطة المحلية ومكتب التحقيقات الفيدرالي؛ فإن المهاجم يعاني من مرض عقلي، لكن كيف حصل هذا الشخص على ترسانة مميتة متألقة من بندقية سوداء من طراز "أي أر 15" في المقام الأول؟ نظام البيع والشراء للأسلحة الخفيفة في الولايات المتحدة مؤسف ومحير، وتختلف القوانين التي تحاول تقنين الأسلحة من ولاية إلى ولاية أخرى، لكن حتى لو تم إيجاد قوانين منظمة لمنع الحصول على أسلحة خفيفة عن أشخاص يعانوا من أمراض عقلية أو مجرمين؛ فإن هذا لا يعني عدم وجود إمكانية لتكرر حوادث مثلما شهدت ولاية فلوريدا يوم الأربعاء الماضي. لا شك بأن هذه الفاجعة الوطنية لدى الأميركيين ليست معزولة؛ بل هي سبب فيما يسمى "ثقافة الأسلحة" في الولايات المتحدة.
 
أصبح مفهوم حق الدفاع الذاتي حالة مقدسة غير صالحة للتعديل؛ لأن مجرد ذكر الإصلاح يزعج القاعدة المناصرة للأسلحة لأنهم يخافون أن تصادر وتحظر الحكومة الفيدرالية أسلحتهم يوما ما

نشرت القناة الإخبارية "سي إن إن" يوم الخميس إحصاءات قارنت نسبة امتلاك أسلحة في الولايات المتحدة مع باقي دول العالم وأظهرت نتائج مُقلقة، أشارت الدراسة بأن الأميركيين يمتلكون 48 في المائة من إجمالي الأسلحة المدنية في العالم؛ حيث يقترب هذا العدد من 310 مليون. وعلى الرغم من أن الدراسة لم تحصي عدد الأسلحة المتوفرة في ترسانات عسكرية لدى دول حول العالم؛ فلا تزال هذا النسبة خيالية كأنها مأخوذة من فيلم عن نهاية العالم. شملت الدراسة قائمة كشفت عن نسبة امتلاك أسلحة لدى المدنيين في دول مختلفة أيضا ورتبتهم حسب عدد الأسلحة المتوفرة عند شعبهم. لا توجد مبالغة عند القول بأن هذه القائمة قد شملت معطيات محيرة حتى توجد دول مثل اليمن والعراق، بلدان لا تزال تُعاني من حروب دموية، ودول مع نسبة منخفضة من العنف مثل سويسرا، السويد، وفنلندا؛ متواجدة في هذه الدراسة. لكن إذا لم تعاني الولايات المتحدة من حرب وتروّج لنفسها كبلد مثالي للاستقرار والسلام فلماذا تشهد حوادث دموية متكررة؟

 
الجواب عن هذا السؤال ليس سهلا؛ بل إنه يتطرق إلى لب "ثقافة الأسلحة" وكيف تشوش على خطر متخفٍّ ناشئ داخل البلد. يتمتع حق امتلاك أسلحة بحماية قانونية بموجب التعديل الثاني للدستور الأميركي؛ الذي تم تفسيره خلال تاريخه ليكون عبارة عن حق الدفاع عن النفس ضد حكومات استبدادية وقمعية، لكن في أيامنا هذه تحوّل إلى هوس جزاء كبير من الشعب. أصبح مفهوم حق الدفاع الذاتي حالة مقدسة غير صالحة للتعديل؛ لأن مجرد ذكر الإصلاح يزعج القاعدة المناصرة للأسلحة لأنهم يخافون أن تصادر وتحظر الحكومة الفيدرالية أسلحتهم يوما ما.
 
متظاهرون بأميركا يرفعون لافتات تطالب بمزيد من السيطرة على السلاح وذلك بعد إطلاق النار على مدرسة في فلوريدا بالولايات المتحدة (رويترز)
متظاهرون بأميركا يرفعون لافتات تطالب بمزيد من السيطرة على السلاح وذلك بعد إطلاق النار على مدرسة في فلوريدا بالولايات المتحدة (رويترز)
 
يتوغل تأثيرهم إلى قاعة الكونغرس، ويمنع فتح نقاش جاد حول الموضوع، ويمكن أن تتفاقم فكرة إصلاح الأسلحة في أميركا عندما تدرك بأنها ساهمت في أكبر مجموعة لوبية -اسمها "جمعية البندقية الوطنية"- بأكثر من 3.2 مليون دولار في عام 2017 لمساعدة أعضاء الكونغرس الأميركي المؤيدين للتعديل الثاني.
 
إيمان الشعب الأميركي بمصادرة الأسلحة أدى إلى رعب أولاد أبرياء مختبئين تحت طاولاتهم في مدارسهم والرصاص الحي يمطر فوق رؤوسهم؛ لا يفهم سياسة أو يهتم بصالح بندقية معقولة. لا أعرف كم شخصا سوف يلقى حتفه في المستقبل القريب؛ لكن أستطيع القول -كشخص مؤيد ومؤمن بالتعديل الثاني- بأن حمايته يجب أن تتوقف عندما يستيقظ 17 والد دون دفئ أولادهم الصغار في بيوتهم بسبب جنوننا.
 
إذا أردنا أن نروّج لأنفسنا كشعب يحترم حقوق الآخرين فإننا نستحق أكثر من كلمات "أفكار وصلوات" من قادتنا في الحكومة، لأن هذه المشاعر لن تُحيي هؤلاء الأطفال المفقودين، وإنما ستنظف -فقط- سفك الدماء حتى تتكرر هذه المأساة الوطنية مرة أخرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.