شعار قسم مدونات

استوصوا بالنساء خيرا

blogs - woman
هي قليلة تلك القصص التي تحقق الخلود، بل حتى إن حققته فلن يتجاوز خلودها التعبير المجازي للخلود، لكن دعنا نتعرف على قصة حبرت معانيها وحررت مراميها بحبر متلألئ وهاج بنور يحقق الخلود حقيقة كخلود الروح، تبدأ فصول هذه القصة الأولى في الحياة لتستأنف باقي الفصول في عالم الخلود، إذا لم يحل حائل دون استئناف نسج باقي الفصول من عبير حبر الخلود. 
    
هي قصة تبدأ فصولها بميثاق غليظ استجابة للميل الفطري والشعور الجبلي، حيال غير الأنثوي والفراغ العاطفي الذي لا يملؤه في الوجود شيء إلا السكون للغير الذي جعله الله خير متاع الدنيا، والمتاع هنا لا بالمنطق المادي البهيمي كما يظهر في تعامل المجتمع الرجولي الموغل في اللارجولة الشرعية، العادل عن منطقه وروحه، الذي لا يجيد إلا فظاظة التصرف وغلظة القول وخشونة الفعل.
    
اسمع للهدي المحمدي وهو يعظك قائلا: "رفقا بالقوارير"، هي قارورة مصنوعة من أغلى معدن في الوجود وهو معدن ضارب عروقه في عالم الخلود، تجليات هذه الروح تلك التي بزغت في هالة نور شع بريقه الوجود كله عندما تمثل في كلمات طيبات انسابت بردا وسلاما على فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لن يخزيك الله أبدا" وهو مرتجف البوادر فزع الفؤاد من وقع النور الإلهي والحوار النوراني بين الأمينين؛ أمين السماء يقول "اقرأ" وأمين الأرض يجيب "ما أنا بقارئ"، استقبلته الطاهرة المصونة بكلام رقراق متلألئ سماوي متدفق متماسك مسكن مطمئن "كمشكاة فيها مصباح"، كيف لا وهي "نور على نور" محققة معنى السكون. وجود خديجة في الحياة النبوية وفي فترة فاصلة لدليل على مدى السكون الذي يحتاجه الرجل في العمل مع الله، وحسبك دليلا عام الحزن؛ عندما فقد النبي صلى الله عليه وسلم السكن.
    
اعلم أن مودتك ورحمتك بالمرأة قد ترتقي بك في سلم السالكين إلى الله، وتزدلف بها إلى نيل حب الذي خلق الحب وجعله في القلوب مغروسا، فكن هينا لينا سهلا تدخل الجنة

من جميل حظ المرأة الصالحة أنها أمارة على وجود الله وعلامة على فضل وجودها، فقد نالت الحسنيين؛ فهي آية قرآنية وآية كونية "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً"، فالرجل يتفاعل مع آية كونية متضمنة في آية قرآنية لتحقيق غاية روحية "لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا" في علاقة أبدية مؤطرة بصفتين ساميتين "وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً" المودة والرحمة أصل أصيل في العلاقة الزوجية، ووسم موسوم به المحبين ووصف قائم بذاتهم، لكون الله زرعهما في سويداء قلبهما، كالورد الصبوح الذي يسر الناظرين، اللهم إن أردت تشويه جمال البستان بخشونتك المقيتة.

     
سكن لكم يقتضي امتزاج وسكون الروح في الروح في علاقة خالدة كخلود الروح نفسها، وقبل السكن يلزم الفراغ وهذا الفراغ يقتضي عدم الاستقرار في ظل الميل العاطفي الجبلي والفطري، ومن لوازم السكن استقرار الروح بعد تذبذبها في الفراغ العاطفي، لتنخرط بعد الاستقرار في التفاعل مع مطلق النور الإلهي بعد أن حققت نصف التفاعل، وهاك مرادي؛ "إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي"، الدين تعبير عن البعد الروحي الذي يؤثث طبيعة الإنسان، وضابط للبعد المادي في بنية الإنسان، فكأن المرأة الصالحة تعبير عن البعدين في الوقت نفسه، سكن باعتبار الروحي وتوابع السكن(الجماع) باعتبار المادي، وماديتها هي روح كذلك، فيصير حتى البعد المادي روحا "وفي بضع أحدكم صدقة"، فالعنصر المادي في بيت السكن الإسلامي يصير صدقة، والصدقة روح.
   
"استوصوا بالنساء خيرا…" هل حقق المحب للحبيب وصية المحبين؟ هي وصية سماوية عالمة بحقيقة الموصى بها، إنها قارورة سهلة الانكسار وسريعة الانهيار أمام وابل الخشونة الرجولية، لا تصمد هشاشة الزجاج العاطفي مع صرخة الحديد الفولاذي فتلين وكن محبا، "فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا".
   
إن أكثر مخلوق متفاعل في باقة المحبين هو المحب المحبوب الوالد لفلذات الأكباد، وإن كثرة الاحتكاك بها يبرز دقيق الخبايا ويظهر الزلات، فكيف على المحبين العدول عن التشنجات دون حمل الزلل على أيسر المخارج وأفضل المحامل؟ اسمع للتوجيه القرآني "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا"، فحتى المكروه في علاقة المحبين قد يصير خيرا كثيرا، بنص القرآن الكريم، واسمع للوحي المحمدي وهو يعظ المحبين"لا يفرك(يبغض) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي آخر" نعم على المحبين تجاوز النشاز الذي قد يطبع سيمفونية الحب السرمدي، فالنشاز سنة متضمنة في البعد الإنساني"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" فما هي ملك ولا معصومة، وإنما قارورة سهلة الانكسار، لكن من عظيم رحمة الله أن النشاز في هذه العلاقة قد "يجعل الله فيها خيرا كثيرا" فتأمل أيها المحب وكن محبا.
     
واعلم أن مودتك ورحمتك بها قد ترتقي بك في سلم السالكين إلى الله وتعرج بك في مراقي المرتقين لنيل رضوان الله، وتزدلف بها إلى نيل حب الذي خلق الحب وجعله في القلوب مغروسا، وتفضل بالمراد "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خيارهم لنسائه"وفي لفظة "وألطفكم بأهله" انظر للتعبير المتدفق حنانا وليونة ولطافة، فكن هينا لينا سهلا تدخل الجنة..
    
وعندما يرتجل المحبون بخطى وئيدة تملؤها المودة والرحمة إلى المثوى الأخير يقال لهم: "ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون" أليست علاقة المحبين خالدة أبدية؟ تبدأ فصول قصتها النورانية بالزواج الصادق الصالح؛ لتتبعها الفصول تنهمر تترى دون انقطاع في حبكة خالدة لا يختمها إلا الفجور والفسوق، لكن فصول الجنة تكون خالية من النشاز لأن الله ينزع ما في صدورهم من غل لترتقي العلاقة إلى الكمال.. "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين".. والله أعلم.