هل تنجح الأكفان في تحرير غزة؟

اثنا عشر عاما وقطاع غزة يعيش الألم والمعاناة، وكلما ضحكت في وجه أهلها الدُنيا كشَّر الاحتلال الصهيوني في وجوههم، غير أن "كشرة" المحتل هذه المرة أظهرت أنيابه الحمراء، التي كثيرا ما نهشت في أجسام أطفال غزة ونسائها على مدار هذه السنوات الطويلة.
خلال هذه السنوات التي اشتدت حلقاتُ المعاناة فيها على الفلسطيني صاحب الأرض والمكان، وجد المحتل "نزهته" في غزة، فخاض ثلاث حروب لم ترحم أنين الأطفال أو صراخ النساء، وبعدما ملأ بطنه الذي تمدد كثيرا بخيرات فلسطين التي أكل منها وشرب، غادر المكان وتركه خرابا ودمارا، وأشلاء تناثرت على ما تبقى من جدران في الشوارع والحارات.
  
خلال الشهور الماضية، اشتدت حلقات الحصار، وتقاطعت مصالح قيادة السلطة الفلسطينية مع إرادة المحتل الصهيوني "الذي تمنى أحد مؤسسيه ذات يوم أن لو استيقظ فوجد غزة وقد ابتلعها البحر"، فحُجبت الرواتب عن الموظفين وتم فصلهم قصرا دون رأفة بهم ولا بأطفالهم، والمؤسسات الخيرية التي كانت البلسم الشافي للفقراء والأرامل والأيتام تم تجفيف منابعها، فبات العاملون فيها لا يجدون لقمة عيش تقوى بها أجسامهم على تلمس احتياجات الفقراء والمحرومين.
  

لو خرج في مقدمة الناس قادة الفصائل والوجهاء وقادة النقابات والمؤسسات الكبرى، لبسوا هم وأطفالهم ونساؤهم الأكفان، لوجدوا من خلفهم الآلاف الذين يتعطشون للحرية وانتزاع حقوقهم

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالفقر والعوز استشريا وانتشرا، ولا يزالان، فبات المرضى في المستشفيات لا يجدون دواء أو علاجا، والمستشفيات الواحدة تلو الأخرى تتوقف، وتُغلِق أبوابها في وجه المرضى، فما كان لديها من وقود لمحركات الكهرباء نفد بالكامل. الأطباء والممرضون يصدحون باستغاثاتهم ولا مُجيب.. الواضح من إجراءات الاحتلال والسلطة الفلسطينية "ومن يوفر لها الغطاء عربيا وغيره" أنها متواصلة ولن تقف عند هذا الحد، وحالة الكساد التجاري في غزة واضحة للعيان، وانخفاض الاستيراد من قبل التجار لأقل من الثُلث يوحي بأن الموت بات محققا لأهالي القطاع. وأمام ذلك يبرز التساؤل الأهم: ما هو الحل إذا؟

 

ما من شك أن الخيارات أمام أكثر من مليوني فلسطيني يسكنون قطاع غزة تكاد تكون منعدمة، والخيار الأرجح أمامهم الموت لا محالة، وما دام الموت سيأتي من أحد سبيلين: اندلاع مواجهة واسعة مع الاحتلال الصهيوني أو نفاد الطعام والدواء بفعل الحصار، فما دام الخيار هو الموت فليكن بأسلوب آخر. البعض يطرحُ بأن كسر القيد عن عُنق غزة لا يكون إلا بالحرب وقد تحقق غزة انفراجة بذلك، رغم ما قد يعتري هذا الأمر من تضحيات كبيرة بفعل المتغيرات المُختلفة التي يعيشها الإقليم، لكن على الأقل يبقى هذا الخيار أفضل من خيار الموت بصمت جوعا أو دون إيجاد جُرعة الدواء.

 

غير أن آخرين بدؤوا يطرحون، مؤخرا، فكرة أخرى من شأنها تحريك المياه الراكدة على مستوى العالم والضغط على الكيان الصهيوني الغاشم كونه كيان مُحتل وعليه التزامات تجاه أهل غزة، وهي فكرةٌ تتجسد في الخروج بمسيرة أكفان على امتداد الخط الفاصل بين قطاع غزة والكيان الصهيوني، يُشارك فيها الآلاف من الناس بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم، يمكثون على الحدود ورداؤهم الوحيد "الأكفان" يُطالبون بحقهم الآدمي، وإلا اقتحموا الحدود ورجعوا إلى بلادهم التي طردهم منها المحتل الغاشم، وليكن ما يكون، فما دامت الأمور تتجه إلى الموت لا محالة، فليكن، ولكن بعد خلط الأوراق كاملة في المنطقة.

  

هناك بعض الأفكار رغم بساطتها إن وجدت النور فسيكون لها ما بعدها، ولن يحصلُ الغزي فيها على طعامه فقط، بل سيحقق الكثير من المنجزات التي لم يتمكن من إنجازها على مر عقود من الزمن

   
لكن أمام هذا المقترح، هناك مخاطر، فخروج أعداد قليلة يعني إبادتهم أو بتر أطرافهم وإحداث إعاقة دائمة لهم من قبل قناصة الاحتلال الصهيوني، وحتى نتفادى ذلك ويتحقق الهدف لا بُدَّ من مُشاركة جماهيرية واسعة، عن طريق إعادة مكانة "القدوة" في المجتمع الغزي، فالقدوة ستجعل سكان غزة يخرجون دون ضغط من أحد، وبمعنى أدق لو خرج في مقدمة الناس قادة الفصائل والوجهاء وقادة النقابات والمؤسسات الكبرى، ولبسوا هم وأطفالهم ونساؤهم الأكفان، لوجدوا من خلفهم الآلاف الذين يتعطشون للحرية وانتزاع حقوقهم التي كفلتها لهم كافة الشرائع والقوانين، أما إن وجدوا بأن القادة يُطالبون بالالتحام بينما هم وعائلاتهم يعيشون في أبراجهم العاجية، فلا تتوقعوا من الفقير والمواطن البسيط أن يسبقهم إلى مقارعة الاحتلال؛ لاعتقاده أنهم لم يخرجوا إلا انتظارا لجني الغنائم، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم "القدوة"، فحينما اقترحت عليه زوجته "أم سلمة" رضي الله عنها في صُلح الحديبية أن يسبق الصحابة فيحلق وينحر الهدي، بعدما لم يستجيبوا لأمره بداية، وما إن فعل "القدوة" ذلك حتى تغيرت الأمور "فحلق ونحر.. فحلقوا ونحروا"..

   
إن مثل هذه الأفكار،على بساطتها، إن وجدت النور فسيكون لها ما بعدها، ولن يحصلُ الغزي فيها على طعامه فقط، إنما سيحقق الكثير من المنجزات التي لم يتمكن من إنجازها على مر عقود من الزمن. إن مشاركة مائة ألف مواطن أو أكثر في مسيرة من هذا القبيل تستمر لعدة أيام على الحدود ويمكثُ فيها الناس داخل خيامهم، يرتدون الأكفان، لن يتمكن فيها المحتل من حماية كل الحدود وإن امتلك أعتى الأسلحة، ففيضان الشعب أقوى من أن يمنعه جنود يدركون أنهم ليسوا أهل الأرض، إنما جاؤوا إليها سارقين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم السبت إجراءه تدريبا عسكريا يحاكي الاستيلاء على قرى في جنوب لبنان -بينها النبطية وبنت جبيل ومارون الراس- ومناطق في قطاع غزة، ومواجهة سيناريوهات مختلفة.

مآسي فصل الشتاء تبرز جليا في 29 حيًّا ومنطقة عشوائية بقطاع غزة، وتظهر كذلك في تجمعات سكنية أخرى، حيث تغيب البنى التحتية وشبكات تصريف مياه الأمطار ومقومات الحياة الآدمية.

الأكثر قراءة