لكل بلد تقريبا شهر أو شهران محددان من العام يشهد أحداثا جساما تدع بصماتها عليه لسنوات وربما لعقود أو أكثر.. كان بين انقلاب الشيوعيين على السلطة في كابول على السردار محمد داود في 28/4/1978 وسقوطهم على أيدي المجاهدين الأفغان 28/4/1992 أربعة عشر عاما بالكمال والتمام.. فشهر نيسان/أبريل يحمل في طياته عادة تغييرات أفغانية كبرى، تماما كما وصف البردوني شهر أيلول/سبتمبر بأنه حامل تغييرات كبرى في اليمن.
لعل الشهر المميز في سوريا هو نيسان أيضا، ومن محاسن الصدف أن تلتقي أفغانستان والشام بنفس شهر المعجزات، وبنفس خط عرض جغرافي، ففي نيسان/أبريل خرج المحتل الفرنسي ذليلا من سوريا من عام 1947، وفيه أيضا ابتليت الشام بحزب لقيط بعيد كل البعد عن الشام وأهلها وأخلاقهم، كان ذلك في نفس عام الاستقلال؛ إنه حزب البعث، وكأنه وسدنته وحماته أرادوا الانتقام من الشام ونصرها وتحريرها من الفرنسيين سريعا.. فأفسدوا علينا فرحتنا مبكرا…
| لا بقاء لأنظمة قتلت شعبها، تماما كما لا بقاء لاحتلال أراد فرض دمى وعملاء على شعب حر أبي كالشعب السوري |
لا أزال أتذكر تماما تلك الأيام التي سبقت هزيمة السوفييت والذين بدؤوا بسحب قواتهم من أفغانستان في آب/أغسطس من عام 1988، ليكتمل الانسحاب أو الهزيمة في فبراير/شباط من عام 1989، لكن وعلى الطريقة السورية انتقموا مبكرا هم أو غيرهم من هزيمتهم بقتل مهندس الهزيمة ضياء الحق، وذلك في الشهر نفسه الذي بدأ فيه انسحابهم من أفغانستان، ومع هذا انسحب السوفييت من أفغانستان وتركوا الشيوعيين الأفغان المحليين لمصيرهم المحتوم، إنه السقوط المدوي بعد أن انقطع الحبل السري عن الأم موسكو، فيُعدم زعيمهم لاحقا على أيدي مقاتلي حركة طالبان التي دخلت كابول عام 1996.
كانت بورصة التكهنات قبل سقوط النظام الشيوعي الأفغاني في أوجها، ننام على إشاعة ونصحوا على أخرى، وبينهما إشاعات ظهرت واختفت، وربما لم ندر عنها ولم نسمع بها نحن أنفسنا المتابعون للأحداث يومها.
يهمني في هذا السياق وأنا الذي كنت أتابع الوضع لحظة بلحظة، أن أذكر بالترويج لإشاعتين استهلكتا الكثير من وقت المجاهدين والشعب الأفغاني بشكل عام، وهما؛ إشاعة أن أفغانستان ستُقسم، وبالتالي سيكون الشمال من نصيب روسيا والجنوب من نصيب باكستان والغرب من نصيب إيران، وكل واحد يدلو بدلوه في هذه التحليلات التي لها وجاهتها وأدلتها، ولكن كان التآمر العالمي يلقي بهذه التحليلات التي ثبت أنها أقرب ما تكون إلى قنابل دخانية للتغطية عما يريد فعله وعمله. أما الإشاعة الثانية فهي الترويج إلى أن العمل جار على حكومة ائتلافية ثلثها للشيوعيين ومثله للمجاهدين والثلث الأخير للتكنوقراط، وهو أمر يشبه تماما ما يحصل في سوتشي ونحوه، وإن كان هنا الثوار قد رفضوا المشاركة تماما كما حرص المجاهدون على الرفض…
لا بقاء لأنظمة قتلت شعبها، تماما كما لا بقاء لاحتلال أراد فرض دمى وعملاء على شعب حر أبي كالشعب السوري، ولكن التحدي الحقيقي هو ما الذي ينبغي أن يفعله أهل الشام في مواجهة عاديات الإجرام العالمي عليهم، لا سيما وأن القضية الشامية غدت أكثر تعقيدا من أفغانستان، ونحن نرى احتلالا أمريكيا على قطعة أرض صغيرة نسبيا يقيم عليها عشر قواعد عسكرية، بينما تشاطره حدوده قوة دولية أخرى بحجم روسيا وتفرض قواعدها العسكرية والبحرية، وتتشاطران سوية أجواء واحدة، وعلى الأرض ثمة مليشيات طائفية أجنبية تقوم بأدوار لا تعرف أو تدرك أنها تخدم الدائرة الأكبر وهي دائرة القوى الدولية…

يقول لك البعض إن الأمر أكبر منا، وبالتالي قدرنا أن نبقى ممزقين مشتتين، وباعتقادي أن التحدي الحقيقي هو بكسر قواعد لعبة داخلية، وبتفكير خارج الصندوق الذي حُبسنا داخله، فكان أن اختار كل فصيل أن يفاوض على الأرض التي يقيم عليها سلما أو حربا، وبالتالي تشتت الثورة، وتقزمت أهدافها، فكان الوضع سهلا على العدو للتعامل مع الاحتياجات المحلية للبلدات والقرى والمناطق. لقد تفطن إلى ذلك مبكرا القائد جلال الدين حقاني الذي كان أحد أساطير الجهاد الأفغاني يوم أرادت روسيا فرض تلك الاستراتيجية الخطيرة على الشعب الأفغاني، فدعا على الفور أكثر من 400 قائد أفغاني محلي بعيدا عن القيادات الحزبية والسياسية ليقسموا يمين الولاء للجهاد وأفغانستان ويرفضوا فيه أي تعامل على المستوى المحلي مع الغزاة الروس، بل ويُجرمون من يفعله…
هل من حقاني جديد للشام يدعو كل الفصائل الشامية ولو عبر السكايب أو الواتس آب أو أي طريقة مناسبة لظروف الجميع من أجل وضع مداميك حقيقية لاتفاق ثوري يلتزم به الجميع، لا يحيدون عنه، ثم يعلنون عنه ليكون مسطرة يُحاكم الشعب من خلالها الملتزم من غيره.. كم يؤلمني مصطلح قد لا ندرك خطره ونحن نردده، علما أن تثبيته له دلالاته الخطيرة، وهو مصطلح فصائل الشمال وفصائل الجنوب، ليس لدينا فصائل شمالية أو جنوبية أو شرقية أو غربية، لدينا فصائل شامية ثورية تريد التخلص من عصابة طائفية مدعومة من احتلالات متعددة الدول والجنسيات…
العصابة الطائفية سقطت وانتهى دورها، وبقاؤها في السلطة فقط -وفقط- من أجل شرعنة الاحتلال الروسي والإيراني والأمريكي، وإلا فهل يُعقل أن يصل بالاحتلال الإيراني أن يصم رأس العصابة الطائفية بشار بالمخنث وسط صمت مطبق من قبل العصابة وإعلامها، ويأتي ذلك بعد أن وصمه الروس بذيل الكلب، ثم الوصم الأمريكي بالحيوان؟ ولكن من يهن يسهل الهوان.. عليه ما لجرح بميت إيلام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

