من قال إن أقدار الله عادلة؟

BLOGS فتاة فقيرة

من قال إن أقدار الله عادلة؟! ومن قال إن أرزاق البشر متساوية؟ كثير من الدعاة فعلوا ذلك وأشهرهم الشيخ الشعراوي وعمرو خالد، وصدقهم الكثيرون، حتى المعلم في المدرسة أخبرنا أن كل إنسان على وجه الأرض لديه نصيب في الأرزاق في الدنيا مثل رغيف العيش، تنقسم حظوظه بين المال والصحة والسعادة و..و…، إن زادت نسبة أحدهم أخذت من نسبة الآخر! وأكد على كلامه بأنه لذلك قال الرسول (ص) إن الناس سواسية كأسنان المشط (وهو توظيف خاطئ للحديث).

 

عشت سنوات من عمري أفكر كيف يمكن أن يكون البشر متساوين، حاولت تبرير تلك العدالة بشتى السبل، افترضت أن هناك أمورا لا نعلمها عن الآخرين فلا يمكننا الحكم، فقد نشاهد من حياة هذا بؤسها رغم وجود أشياء سعيدة فيها، ولا نرى من حياة ذلك سوى حلوها وسعادتها رغم بؤسها في الواقع، لكن الحجة لم تكن منطقية كفاية! افترضت أننا لا نعلم ماضي الناس وحاضرهم، فقد يكون بائسا أو مبتلى الآن لكنه كان سعيدا في الماضي أو سينال نصيبه من السعادة في المستقبل!

في الأصل فكرة أن السعادة رزق هو افتراض خاطئ غير صحيح، لأن السعادة قرار، فقد يكون المرء فقيرا لكنه راضٍ وسعيد، وقد يكون غنيا لكنه غير راضٍ أو سعيد، وكان ذاك مبررا مطروحا أيضا، أن العدالة قد لا تكون في الأرزاق لكنها تكون في السعادة! لكن الفكرة تحمل معول هدمها في مضمونها. أهلكني التفكير وأنا أحاول افتراض كل شيء لتبرير عدالة الله على أرضه، وكنت حينما أعجز ويعجز الآخرون عن حل معضلتي الفكرية، كنا ننسب الجهل وقصور العقل لأنفسنا فكيف يمكن ألا يكون الله عادلا! وكان المُلح في سؤاله يتهم بضعف الإيمان، فالإيمان لدى البعض هو أن أؤمن بما لا يقبله العقل بدل البحث فيه وفي علته، لكن الحمد لله أن الله أنهى المعجزات في هذا الزمان.

للخطاب الديني في العقدين المنصرمين سقطات وخطايا كثيرة أوهمت البعض وضللت البعض وأربكت البعض بمنافاتها للمنطق فألقت به في بحور التيه الفكري والزعزعة الإيمانية

قضية العدالة في توزيع الأرزاق بين العباد قضية تشغل المفكرين والمثقفين والعامة على حد سواء، ولأننا مسلمون موحدون مؤمنون بأن الله هو العدل، نحاول بشتى السبل أن نثبت لأنفسنا في كل موقف نذوق فيه ويلات الظلم أن ذلك عدل بشكل لا ندركه بعقولنا القاصرة، فنحاول فلسفة الموقف بما يثبت عدل الله بين عباده في توزيع الأرزاق والابتلاءات. "جميعنا متساوون، وكل منا يحصل على 24 قيراط من الرزق، لكن الرزق يتنوع بين صحة ومال وجمال ونجاح وشهرة وأبناء و و و..".

 

هذه الأكذوبة روجها بعض الدعاة والمفكرين، وصدقها الملايين من العامة متجاهلين الشعور بالظلم الذي هو أقوى من الظلم نفسه كما يقال، متجاوزين الشعور بالنقص، راضين بحالهم وباحثين عن السعادة في الرضا بالمقسوم حتى لو كان ظلما. وهي فكرة ساعد الترويج لها على رضوخ الشعوب واستكانتها واستسلامها لواقعها باعتباره قدرها المحتوم، ورضاها بالظلم باعتباره أمرا واقعا. لكن البعض ممن شغلته الفكرة وعجز عن حلها اتجه للإلحاد أو على الأقل ضعف الإيمان بخالقه والوثوق فيه وفي عدالته.

في الحقيقة، إن أقدار الله ليست عادلة وأرزاقه أيضا ليست مقسمة بشكل عادل، فالفقير المشرد المعدم المريض الجاهل لا يتساوى بالغني المعافى المتعلم الناجح، تلك هي أقدار الله، البعض يملك الكثير والبعض لا يملك شيئا، البعض يحبه الجميع والبعض لا يحبه أحد، البعض معذب ومضطهد والبعض الآخر حر ومرفه. ولذلك حكم وردت في القرآن، أولها "الابتلاء" حيث ورد في قول الحق تعالى: "وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" وثانيها "تكامل المجتمع" حيث يقول الله تعالى: "نحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا"، وفي هذه الآية يؤكد الملك تبارك وتعالى أن مبدأ المفاضلة قائم في الدنيا والآخرة: "انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا" إذن فالبشر ليسوا متساوين في الدنيا ولا الآخرة، وحكمة الله من ذلك أن سخر البشر لبعضهم البعض، وأن يبلوهم ويختبرهم فيما آتاهم، فالغني ممتحن في غناه أينفقه فيما أحل الله ويتصدق منه! والفقير ممتحن في فقره، أيرضى ويسعى في الحلال ويتجنب الحرام!

ولو كانت أقدار الله عادلة فلماذا يخبرنا الحبيب المصطفى (ص) في الحديث الصحيح: "يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنياهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام"! لكن إن كانت الأقدار والأرزاق ليست عادلة فجزاء الله عادل، فلكل جزاؤه على قدر ابتلائه وعلى قدر صبره وعلى قدر سعيه.

العدل بالدنيا هو مهمة البشر، أما بالآخرة فالعدل يحققه الله. يقول تعالى
العدل بالدنيا هو مهمة البشر، أما بالآخرة فالعدل يحققه الله. يقول تعالى "الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ"، وقوله تعالى "لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ" يؤكد على أن العدل ليس سمة هذه الحياة
 

للخطاب الديني في العقدين المنصرمين سقطات وخطايا كثيرة أوهمت البعض وضللت البعض وأربكت البعض بمنافاتها للمنطق، فألقت به في بحور التيه الفكري والزعزعة الإيمانية، ومن تلك السقطات تلك الفكرة المغلوطة عن عدالة توزيع الأرزاق والتي صارت كعقيدة لسنوات مضت، أربكت الكثير من العقول خاصة مع قيام الثورات وما صاحبها من حروب وعنف وصراعات، خلفت نكبات زلزلت قلوب وعقول البشر، كل ذلك فضح زيف تلك الفكرة التي، وإن كان المقصد منها إرساء الرضا في نفوس العباد، فإنها قادت بعض الشباب إلى الإلحاد أو تبني أفكار إلحادية لعجزه عن فهم أن حقيقة الأمر أن البشر ليسوا متساوين لا في الأرزاق ولا في الأقدار، وأن هذا لا يقدح في صفة الله "العدل".

لم يذكر في القرآن اسم الله "العدل" صراحة ولكن كان دائما يأتي العدل في صيغة الأمر الرباني لعباده، فيقول المولى تبارك وتعالى "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" وقوله "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ". فالعدل في الدنيا هو مهمة البشر، أما في الآخرة فالعدل يحققه الله. يقول تعالى عن يوم القيامة "الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"، فقوله "لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ" يؤكد على أن العدل ليس سمة هذه الحياة التي يملؤها الظلم والمظالم.

 

فإن كانت العدالة مهمة الله في الأرض، فما حاجة البشر لأن يرهقوا أنفسهم في السعي طالما أن قدرهم ورزقهم معلوم ومتساو مع غيره، فليستريحوا وينتظروا عدالة السماء! العدالة هي مطلب جميع البشر على الأرض، لأجلها قامت الثورات، ومخطئ من يظن أن العدالة يمكن أن تتحقق بدون قوة وعزم ينتزعها من غاصبيها، أو أن العدالة يمكن أن تتحقق دون سعي واجتهاد. فعلى هذه الأرض لا تتحقق عدالة السماء.