بعد أن أصدر الإمبراطور الروماني كلوديوس الثاني قرارا بحظر الزواج بين الجنود، حتى ينشغلوا بأمور الحرب بدلا من الانشغال بأُسَرهم، قام القديس فالنتين بمواجهة هذا الحظر عن طريق تزويج الجنود سرا، ومباشرة بعد اكتشاف أمر القديس، تم تنفيذ حكم الإعدام في حقه يوم 14 فبراير، وهكذا تم اختيار هذا اليوم يوما خاصا بذكرى إعدام القديس الذي ضحى بحياته من أجل أسمى المشاعر الإنسانية، وتتعدد الروايات في هذا الصدد، لكن جلها ينصب على أن اختيار هذا اليوم خاصا بالحب يرجع بالأساس إلى القديس فالنتين.
يحتفل العالم بعيد الحب في 14 فبراير من كل سنة، عن طريق تقديم الهدايا والورود للمحبوب، احتفاء بالحب، وفي نفس الوقت تخليدا لذكرى القديس فالنتين، كل يحتفل بطريقته، من أجل إضفاء لمسة خاصة على عيد الحب، هذا الشعور يستحق فعلا كل ما نبذله من أجله، يستحق أن نُبادله بكامل جوارحنا، وأن نعبر عن ذلك بأفعالنا وأشياء رمزية، يكفي فقط أن يكون المحبوب يستحق ذلك. ولهذا يبدو مناسبا أمر الاحتفال بعيد الحب، واختيار يوم في السنة للاحتفال به ليس إلا من أجل تذكر الشخص الذي فعل كل شيء من أجل الحب، وذلك لا يعني أن الاحتفال به رهين بيوم واحد فقط، بل إنه يجب أن يدخل في حساباتنا على طول العام، لأن الحب يتجاوز كل تلك التفاصيل، من أجل أن يضعنا أمام أسمى المشاعر الإنسانية.
عندما نتحدث عن الحب نكون أمام مفارقات عجيبة، ذلك أن التعبير عنه سهل تماما بالمقارنة مع الإحساس به إحساسا حقيقيا يتجاوز كل ما يُخالف ذلك، الإحساس به يُلغي كلماتنا، التعبير عن الحب لا يجوز بالكلمات، ينبغي أن يُترجم لأفعال وتصرفات، فبعض الكلمات قد تقتل الحب، والصمت قد يحييه. كما أن هناك من يخلط بين المفاهيم في هذا الصدد، فيفسر الإعجاب على أنه حب، وينظر إلى الاشتياق على أنه حب، كل ذلك حقا يندرج في إطار الحب، لكنه ليس كذلك؛ الحب يتجاوز هذه البدايات، لأنه يتجلى حقا في النهايات، عندما ينتهي كل شيء لا تجد أمامك إلا الحب الصادق، وإذا لم تجده فإنه لم يكن كذلك أصلا.

عندما نقول إن هناك حبا صادقا والآخر مزيفا، فهذا هراء، لأن الحب كشعور أسمى لا يستحق إلا أن يكون صادقا، ومن الخطأ أن نصِفَه بأنه مزيف، ومن الصحيح أن يتحمل البشر مسؤولية ذلك، عندما يصطنعون ويتلاعبون بالمشاعر الإنسانية على أساس أنها حب. كل ما يتعلق بالحب من سلبيات ليست من مميزاته، لأن الحب وُجد لكي يكون إيجابيا وصادقا، وما عدا ذلك لا يمكن درجه في هذا الإطار.
عندما نتحدث عن الحب فإننا نقصد شعورا أسمى يتميز به البشر، لكنهم لا يعرفون قيمته، ولا يدركونه، ولا يستشعرونه كما ينبغي، والأحرى من ذلك أنهم يتوهمونه، ولا أعمم هذه النقطة، لأن هناك حقا تجارب إنسانية استطاعت أن تعيش حبا حقيقيا، لكن الأغلبية مع الأسف يدركون الحب على غير حقيقته، لتختلط عندهم المفاهيم، ولأنهم لم يستشعروا حبا حقيقيا، سرعان ما أصابهم الملل، وحينها يضطرون لتغيير المحبوب، هنا يتضح أن ما كان ليس حبا، لأن الحب الحقيقي لا يعقبه الملل، وهيهات أن يجد المرء حبا خاليا من الملل.
قد نعتقد بأن تجارب الغرب في مجال الحب تستحق أن تؤخذ بعين الاقتداء، لكن ليس إلى ذلك الحد، إذ لا شك أن هناك عندهم علاقات عديدة فاشلة، وهناك علاقات ناجحة أيضا، والمسألة ليست أكثر من قدرة المرء على تقدير المشاعر الإنسانية، ومدى قدرته على الوفاء والإخلاص للحبيب في الحضور والغياب، ربما هناك أناس في الغرب يعرفون قيمة المشاعر الإنسانية، ولهذا نجدهم يُضحون من أجلها، لكن لا ننكر أن هناك أيضا من يستغل هذه المشاعر لمصالحه، ويتلاعب بالآخر على النحو الذي يريد، وهنا يُفقد هذه المشاعر قيمتها، ليصبح الحديث عن المثالية في الحب أمرا مثيرا للتساؤل لدى الغرب، وعموما يبقى الغرب رائدا فيما يتعلق بذلك إذا ما قارناه بمجتمعاتنا مع الأسف.
لن ننكر بأنه بدلا من أن تطغى على مجتمعاتنا مشاعر الحب والعشق، طغى عليه ما يُضاد ذلك من كره وحسد وبغض ونفاق، كل ذلك يمكن أن نعتبره من سلبيات مجتمعاتنا بعدما كان طبيعيا أن يعتنقوا غير ذلك من المشاعر الإنسانية الصادقة، لكن ذلك يبدو شبه مستحيل في واقع لا يعرف معنى الحب، وفي نفس الوقت يمكن أن نستثني القلة القليلة التي عرفت قيمة هذا الإحساس، ومن أجله تمردت وضحت بكل شيء، لأن الحب عندما نجده لا نملك أمامه إلا التمرد والتضحية، ويبدو واضحا أن الحديث عن الحب في مجتمعاتنا يخالف طقوس الحب، ويدخل في إطار متناقض وسط المجتمع؛ يحاربونه جهرا ويطلبونه سرا، ويربطونه بما يبدو ثانويا فيه، فكيف يمكن ممارسة الحب في مجتمع ينافق ذاته باستمرار؟
يقول عبد الإله بلقزيز في كتابه "رائحة المكان": "الحب سر إلهي قديم، وشهقة روح في جسد تعذبه الوحشة". يبدو مما قيل أن الحب يتجاوز المشاعر الإنسانية، ليسمو بها أكثر، ويجعلها تعتنق الروح، لكن البشر لم يستطيعوا بعد إدراك ذلك، ولم يدركوا طريقة مثلى لممارسة المشاعر بعيدا عن التلاعب، لم يدركوا أن الإنسانية تبدأ عندما يستشعر المرء هذا الإحساس بصدق، لأن ذلك الإحساس كفيل بأن يُطهّر النفس من كل ما يعلق بها من سلبيات، وكفيل بأن يعيد الحياة إلى القلوب، وكفيل بأن يعيد الروح إلى الروح الإنسانية التي تختبئ هناك في الأعماق.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

