ذكيّ أم كسول.. كيف يصنفنا المعلمون في الصفوف؟

blogs – student

ما زلت أذكر معلمةَ اللغة الإنجليزية في المرحلة الأساسية، كانت تطلب منا أن نملي الكلمات التي حفظناها في الأمس؛ لكي تفصل بين الطلبة الأذكياء والطلبة الكُسالى، فتُجلسني مع الكسالى في الخلف، أما الأذكياء الذين حفظوا الكلمات عن ظهر قلب بلا فَهمِ معناها أو طريقة استخدامها، فتُجلسهم في الصفوفِ الأولى.

   
أذكر أنّني كرهت اللغةَ الإنجليزية، وبقيت أجلس في الخلف رغمَ محاولتي البائسة مرات عديدة حفظ الكلمات، ولكن كان ينتهي بي الأمر بالجلوس مع الكسالى في الصفوف الأخيرة، إلى أن اكتشفت أمي أسلوب هذه المعلمة، فقرّرت نقلي إلى مدرسة أخرى، بعد رفض المدرسة تغيير أسلوب تدريسها للغة، فكانت اللغةُ الإنجليزيةُ منذ ذلك اليوم هي التحدي الأكبر الذي أرادت أمي مع معلمتي الجديدة أن يُثبتاه لي، وبأن اللغةَ ليست بحاجةٍ إلى الحفظِ بقدرِ ما تحتاجُ إلى الممارسةِ والفَهم، والتحدث بلا خوف من ارتكابِ الأخطاءِ. انتقل التحدي إلى نفسي، وكبرَ يوما بعد الآخر، فدرستُ الإنجليزيةَ، وتخصّصتُ في تدريسِها؛ لكي أمتلِكَ المهارةَ اللازمةَ لتدريس طلبتي، وأخذتُ على نفسي عهدا ألّا أُفرّق بين طلبتي بشيء، أن أستوعب اختلافاتِهم، أن أتفهّم صعوباتهم، واختلافَ قدراتهم.. أُدرك جيّداً -ومن خلال دراستي- أن ليس هنالك وصفة مثالية للتدريس؛ فلِكُلّ معلم أساليبُه الخاصةُ التي قد تتشابَهُ أو تختلِفُ في بعض منها معَ غيرِه من المدرسين. لكن هناك بعض الأسسِ التي يجب الحفاظُ عليها.

     

عندما بدأتُ مهنةَ التدريسِ أردت أن أقرأَ أكثرَ عن أساليبِها، وأسسِ التعاملِ مع الطلبة، فكانت الصدمةُ في العناوين التي وقع نظري عليها ومنها: "8 علاماتٍ لتعرف الطفلَ الذكيّ في المدرسة"، "أسرارُ الطالب الذكي"، "مواصفاتُ الطالب الذكي"، "تلامذةٌ أذكياءُ وآخرونَ أغبياءُ بالمطلق". توقّفتُ عن البحث، وآثرت عدم القراءة. فهل نتحدّث عن آلات إلكترونية، أم طلبة من عقول وقلوب وإحساس وفِكر ومشاعر..

      

الامتحانات المدرسية لا تقيس سوى التفكير المتقارب، أي الحل الوحيد الواحد، ولا يُسمح للطلبة بالتفكّر والإبداع، وبذلك فهي اختبارات ذكاء، بل يجيب عليها الطلبة بمقدار قدرة ذاكرتهم على التذكر والحفظ

على المعلمِ أن يدرِكَ أنّنا اليومَ نعيش في زمنٍ بإمكان الطالبِ أن يحصلَ على أيةِ معلومةٍ بسهولة ويُسر، وسرعة وبأقل التكاليف؛ فالمعلمُ ليس وسيلةً للمعرفة فحسب، بل إنسانٌ يشعر بطلبتِه، يحاورهم، يستمعُ إليهم، يعطيهم مساحةً حرة للحوار والنقاش والتصور والتفرد والتعطش للبحث عن المعرفة. أن نقارن بين الطلبةِ في مقدار ذكائهم لن يزيدَنا سوى تخلف وتراجع في تعليمنا وابتكاراتنا وإبداعاتِنا العلمية والعملية.. النجاحُ لا يرتبط بالذكاءِ الدراسي، بل علينا أن نكون أكثر وعيا بقدراتِ الطلبةِ التي قد تتفاوتُ في الذكاءِ، أو الإبداع والابتكار المرتبطِ بالموهبة. لا يجبُ أن نقيسَ ذكاء الطلبة، بل إمكاناتهم، وعلينا كأساتذة أن نتكيفَ معها، وبالتالي اكتشاف نقطة القوة، والعمل عليها لتحفيزِها وتثبيتِها في أنفسهم. مارك زوكربيرغ فشل في دراسته، لكنه نجحَ في تأسيس أكبر شبكةِ تواصل اجتماعي. ألبرت آينشتاين كان بطيء الكلامِ، يمتلك ذاكرة سيئة، اتهمه أساتذتُه بالغباء، فشِلَ في امتحانِ القَبول بالجامعة، لكنه نجحَ في أن يكون أولَ مَن يحصل على النظريةِ النسبية الخاصة والعامة.

    
توماس أديسون، مخترع أمريكي له أكثر من ألف اختراع طرد من المدرسة بحجة أنه "غير قابل للتعلم". وغيرهم الكثيرُ مِن المبتكرين المبدعين الذين طُردوا من مدارسِهم بسبب تلك التصنيفاتِ غير العادلة. الامتحاناتُ المدرسية لا تقيس سوى التفكيرِ المتقارب، أي الحل الوحيد الواحد، ولا يُسمحُ للطلبة بالتفكّر والإبداع، وبذلك فهي في مُجملها، اختباراتُ ذكاءٍ، لا منطقية ولا إبداعية، بل يجيب عليها الطلبةُ بمقدار قدرة ذاكرتِهم على التذكر والحفظ.

             

آيات القرآن الكريم في مجملها تـدعو الإنسان إلى التدبّر والنظرِ في أسرارِ الكونِ، وتكوين الإنسان والحياة والممات واليوم الآخر، والعلوم الدنيوية، واللغة والأفكار والمبادئ، فلماذا تمنعُ مدارسُنا ذلك؟ لماذا تحدّ من التفكيرِ الإبداعيّ، والذي يتميّز فيه الشخصُ عن غيرِه بما يحقّقه من اجتهاد شخصي؟! الإبداع هو انحراف عن الطريقِ العادي في التفكير، وهو ليس حكرا على الأذكياءِ فقط.

             

من حق الطالبِ أن يفكّر بالطريقةِ التي يريد، مهما كانت قدراته، وألّا يقيسَ الامتحانُ ذكاءَ الطالب فحسب، بل قدرتَه على التفكّرِ والبحث والإبداع.  فما نفع المدارس إن لم تكن للجميع وما نفع المدرس إن لم يكن رحيما..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

من هو منير فاشه، وما أبرز الانتقادات التي وجهها للنظم التعليمية، وما هي سبل النهوض التي يقدمها للخروج من أزمة التعليم في عالمنا الحديث؟ تعرف عليه في هذا التقرير.

أظهرت دراسة إسبانية حديثة أن تلوث الهواء، الذي يتعرض له الأطفال أثناء السير من وإلى المدرسة، قد يؤدي إلى بطء النمو المعرفي ويؤثر سلبيا على قدرات الذاكرة العاملة للأطفال.

الأكثر قراءة