جيل آخر زمن!

لنفترض -جدلا- مصداقية الحُكم على جيل بعينه بحكم نهائي، ولنعلم مُسبقا أننا كبشر نميل لـ"عدم الموضوعية" في الحُكم على الآخرين.. وبأننا -لا إراديا- ونتيجةً لتأثير "خارجي وباطني" يتحد ليجعلنا دائما على صواب ويجعل الآخرين يتحملون الأخطاء وهم المسؤولون عنها.. لن أنصب نفسي محامي دفاع، ولن أتحدث بلسان القاضي الذي يحكم على الآخرين.. فقط سأحاول فلسفة "صراع الأجيال" إن صح التعبير، والوصول إلى تفسير معقول من وجهة نظر شخصية بحت؛ في البداية أعتقد بأن كلّ جيل لا يرى في الجيل السابق لهُ إلّا "العظمة"، وفي الجيل اللاحق إلّا "الضياع".. وهو جيل يُحاول التشبه بالسابقين من خلال انتقاص اللاحقين وهكذا (طبعا بشكل عام)، وهذا الانطباع ما هو إلا نِتاج قوالب جاهزة تتوارثها الأجيال. ما الجيل اللاحق؟ ما هو إلّا نِتاج الجيل السابق، ببساطة ما هو إلّا شكل شُكّل وجُهز ليكون كسابقه، وبالتالي أيّ اختلاف يُسبب اختلالا بالشكل المورث يُعتبر نُقصانا يُوصم به الجيل ككُل، وما الاختلاف إلّا نتيجة تغيّر الزمان واحتياجاته..

وما ذنب البذرة التي زُرعت في أرضٍ بور إن لم تنبت.. كبذرةٍ بسق عودها وأينع وآتت ثمرها في أرض صالحة..؟ ما ذنب الجيل الذي كَبُر على أوطان منهوبه ومُمزقة وتعلّم الانحناء والطاعة العمياء ولُقن بأن "يمشي بجانب الحيط" لينهار الحائط عليه أخيرا! يميل الإنسان للتخلص من "شعوره بالذنب" بإلقاء اللوم على الآخرين والعَيش كضحية، ولا يعلم إلّا بعد فوات الأوان بأن ما تُقدمه يعود إليك.. وبأن الحياة أخذ وعطاء، ومثلما تستدين لا بد لك من أن تُدين..

لا أعلم هل سيأتي يومٌ -بعد سنين- أنظرُ فيه للجيل اللاحق بعين الانتقاص وعدم المسؤولية لأختتم حديثي "اللائم" بـ"جيل آخر زمن"! أم أنني سأعي مسؤوليتي وبأنني كنتُ سببا لِما آلت إليه الأوضاع مُؤخرا.. لا أعلم، في الواقع أعتقد أننا نفتقد لتحمل المسؤوليات أو بالأحرى الاعتراف بالأخطاء والعمل على تصحيحها بدلا من اللوم والتشكي، بعض الأشياء تستدعي التغيير الكليّ مع تحمّل الثمن المُترتب على التغيير! فهل نحنُ قادرون على تحمّل الثمن أم أن اللوم أسهل وهو الوسيلة المُريحة غير المُجهدة -جسديا ونفسيا-؟!

الواقع دائما يصدم ذوي الخيال الجامح.. والواقعية بحد ذاتها تتسم بالتشاؤم وانعدام الأمل.. فنلجأ للخيال الذي يُساعدنا على عَيش الواقع الذي لا يُطاق بخيالاتٍ وردية لا تتحقق!

منطقيا وقبل انهيار كليّ لبناء ما، يبدأ الانهيار من الأساس، ونادرا ما ينهار السقف وحده، وإن انهار لا يؤدي انهيارهُ لدمار البناء ككل.. هذا إذا كان البناء قويا ذا لبنات "غير مغشوشة".. نجد أنفسنا رَهنا بواقع مفروض علينا بسلبياته التي تطغى على إيجابياته، ونُطالب فجأةً ودون مُقدمات وتحت ضغط تحمل المسؤولية والخشية من اللوم بأن نُصلح ما أفسد ونُعيد مجد السابقين ونُغيّر واقعنا "السيئ" بامتياز.. فيُصبح الجيل نُسخة مُكررة تبذل جُهدا ضائعا وترتقب وتتوقع ما لا يعلمه إلّا الله من الجيل اللاحق.. يأتي الجيل التالي ليحلّ محل السابقين الذين قعدوا وبدأوا التوجيه و"الثأر" ممن انتقصوهم سابقا.. وملء النقص المعنوي بإظهار ما في اللاحقين من نُقصان وقلّة إنجاز وتحقيق.. وهكذا تتكرر الأجيال ويزداد توغلنا في غياهب الرجعية والتأخر عن ركب الحضارة والتطور، ونعود للوراء كل حين نجترّ الماضي لعلّه يُنسينا الحاضر ونأمل بمستقبل خيّر بلا سبب أو فعل.. هكذا.

على الصعيد الشخصي، يَصعُب تغيير الحال مع مرور الوقت، والصعوبة هُنا تكمُن في دواخلنا وإحساسنا بفوات الأوان.. الواقع دائما يصدم ذوي الخيال الجامح.. والواقعية بحد ذاتها تتسم بالتشاؤم وانعدام الأمل.. فنلجأ للخيال الذي يُساعدنا على عَيش الواقع الذي لا يُطاق بخيالاتٍ وردية لا تتحقق! لا أحبذ طرح المُقارنات بين بلادنا العربية ودول العالم شرقه وغربه.. لذلك علينا ألا نتوهم تفوق الآخرين علينا لأننا لا نتبع خُطاهم.. ولأن لكل حال سبب، فإذا "عُرف السبب بَطُل العجب".. ومن واجه الأسباب كلا على حدة وَصل أخيرا للنتيجة التي يُريدها، ومن وقف أمام النتيجة يلومها ويندب حالهُ ويشكو واقعه لن تتغير النتيجة بأيّ حال!

عُلمنا ولُقنّا مرارا وتكرارا "المثالية" في كل شيء، حتى صار كل واحد منا "مثاليا" في واقع ومُحيط يتسم بالفوضوية، أو بعبارةٍ أخرى "واقعيّ جدا"، ولأن الجميع مثاليون فالجميع بريئون من أسباب تردي الواقع، والجميع مُدانون كذلك.. فهذا يُدين كل شيء إلّا هو، وذاك كذلك..



حول هذه القصة

قالت المالية المصرية اليوم الأربعاء إنه قد طرحت سندات دولية قيمتها أربعة مليارات دولار الليلة الماضية بثلاثة آجال، وإن الحصيلة ستوجه لدعم الاحتياطيات الدولارية بالبنك المركزي.

14/2/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة