ليس من عبثٍ في أيّ شيءٍ، "إنّا كُلّ شيءٍ خلقْناهُ بِقَدَرٍ". وليس من صُدفة، وما مِنْ كلمةٍ إلاّ ولها موضعُها، وتحمل في قلبِها غايَتها وهدفها، وحينَ تكون الكلمةُ الخالِدةُ الأولى في الكتاب الخاتَم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيه ولا من خلفه هي: "اقرأ"؛ فلا بُدّ أنّ هناكَ سِرًّا، فما هو ذا السّرُّ إذًا؟ لماذا كانت هذه الكلمةُ بالذّات دون سِواها؟! أيّ عِنايةٍ إلهيّة حاطَتْها حتّى تكون، وأيّ كُنْ سبقتْ عدَمَها لكي تُوجَد؟!
لقد حاولتُ بما ثَقِفْتُ أنْ أقفَ على الحرفُ، فرأيتُ أنّها همزة الوصل بين السّماء والأرض، هبطَ بها جبريل من السّماء ليصل بها أهلَ الأرض، فمَنْ أراد من أهل الأرضِ أن يتّصل بالسّماء فلا بُدّ أن يقرأ، وإذا أراد أن يرتقي بروحه وفكره وعقله إلى الأعالي فلا بُدّ أن يقرأ.
والفعل فيها ثلاثيّ، (قرأ)، والثلاثيّ أقلّ الأفعال حروفًا؛ فدلّ ذلك على الإيجاز في الأمر والاختصار فيه والقصد إلى المطلوب وهو القراءة دون تشتيتٍ أو إطالةٍ في تبيان المقصود. والجذر منه يساوي الفعل، فهو الأصل؛ فكأنّه أعطاك الأصل والجذر ليكون الأمر واضِحًا لا لبسَ فيه ولا غُموض. وقد جاءتْ الكلمة على صيغة الفِعل، والفِعل يشكّل جملة فعليّة، والجملة الفعليّة تعني الحركة بعكس الجملة الاسميّة الّتي تعني الثّبوت، وغالِبًا ما يتعلّق الأمر في الجملة الاسميّة بالحقائق الكونيّة والإنسانيّة؛ كقوله تعالى: "هُوَ اللهُ أَحَدٌ". وقول المتنبّي:
والمَوْتُ آتٍ، والنّفوس نفائسٌ
والمُستغِرُّ بما لديه الأحمقُ
| أول ما نزل من القرآن: "اقرأ" وثاني ما نزل منه "ن وَالقلمِ وَمَا يَسْطُرُون".. وهذا هو الترتيب التصاعدي في البناء الحضاري للأمة |
ومعلومٌ من اللغة بالضرورة أنّ الجملة الفعليّة – في الأعمّ الأغلب – تعني الدّيمومة والاستمراريّة وعدم الثّبوت، مِمّا دلّ على أنّ القراءة يجب أن تكون مستمرّة لا محدّدة بوقتٍ أو زمنٍ معيّن أو فترةٍ مخصّصة. وقد جاء الفِعل على صيغة الأمر لا على صيغة الماضي أو المضارع ليدلّ على الوجوب، وكلّ ما جاء في القرآن بصيغة الأمر – كما يقول الفقهاء – يقع في دائرة الامتِثال والتّحقيق. فدلّ على أنّ الأمر بالقراءة ليس اختِيارًا، بل هو على الوجوب، وأنّه على كلّ الّذين يؤمنون بهذه الآية أن يقرؤوا، وأنّ مَنْ لم يقرأ يكون كَمَن عَصَا وأذنب أَثِم.
والفِعل: (اقرأ) فعلٌ مُتعدّ؛ أي يحتاج إلى مفعول به على العكس من الفعل اللاّزم الّذي يكتفي بالفاعل… ولكنّنا إذا أكملْنا الآية، وهي: (اِقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذي خَلَقَ) لم نجدْ للمفعول به ذِكرًا، فلماذا حذف الله المفعول به من الآية؟! ذلك لأنّ الحذف هنا يدلّ على العموم، وأنّ الإنسان مأمورٌ بأن يقرأ كلّ شيءٍ من الكتب بحسب عمره وفِكره، فلا يقرأ لمن يتّفق معه في الرأي أو المنهج فحسب، بل عليه أن يقرأ لأولئك الّذين يختلفون معه قبل الّذين يتّفقون معه؛ لأنّه بذلك يستطيع أن يكون أقدر على فهمهم وبالتّالي أقدر على الولوج إلى عوالمهم، ومحاورتهم. ودلّ أيضًا فيما دلّ على أنّ القراءة لا تكون للكتاب؛ فقد تقرأ آياتِ الله في الكون فتتّعظ وتعتبر كما لو كنتَ تقرأ كِتابًا في قرطاس. ودلّ أيضًا فيما دلّ أنّ القراءة تكون بالمُثاقفة وهو الشّيء ذاته الّذي فعله جبريل مع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، إذ قرأ جبريل وقرأ الرّسول من بعده فعلّمه، ثمّ قرأ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وقرأنا من بعده فعلّمنا جميعًا.
والآية تقول: (اِقْرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذي خَلَق)، فالقراءة تكون وفق ما أراد الله ووفق الغاية العُظمى المرجوّة منها وهي معرفته والخِبرة به: "الرّحمنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" (الفرقان آية59). وفي لفظِ: (اقرأ) إشارةٌ عميقةٌ إلى أنّ القراءة مُقدّمة على ما سواها. فلم يقل الله في الكلمة الخالدة الأولى: "صَلِّ"، ولا: "زَكِّ"، ولا: "صُمْ".. فدلّ على أنّ (اقرأ) مُفضّلةٌ على هذه وعلى سِواها؛ وذلك لأنّ الّذي يقرأ القراءة الصّحيحة يفهم الفَهم الصّحيح فيؤدّي حينئذٍ العبادات وسائر الأعمال على وجهها الصّحيح.

وفي قوله: "اقرأ وربُّكَ الأكرمُ" دلالةٌ على أنّ كرم الله، وعطاءَه، وفُيوضَه، وبركاتِه لا تتأتّى إلاّ لمن كان قارئًا؛ إذ إنّ الله يفتح على القارئين أبواب فضله فيُصبح القارئ عالِمًا أو فقيهًا أو مُخترِعًا أو قائدًا… وكلّ هذه الأُعطيات سببها الأوّل القراءة، وانقطاعها عن الإنسان سببه النُّكوص عن هذه القراءة. وفي قوله في الآية الرّابعة: "الّذي عَلَّمَ بِالقَلَمِ" دلالةٌ على تقدّم القراءة في الفضل على الكتابة، وأنّ الثّانية نتيجةٌ للأولى، فلا يُمكن أن يكون الإنسان كاتِبًا ما لم يكنْ قارئًا. وقد يكون قارئًا غير كاتبٍ، ولكنّ الأخرى لا تكون؛ فالأساسُ القراءة!!
وأكثر المُفسّرين على أنّ أوّل ما نزل من القرآن: "اقرأ". وأنّ ثاني ما نزل منه: "ن وَالقلمِ وَمَا يَسْطُرُون". وهذا التّرتيب في الأهمّية دلّ على التّرتيب في سلّم الأولويّات، ودلّ على التّرتيب التّصاعديّ في البناء الحضاريّ للأمّة، فأيّما أمّةٍ تريد أن تصنع المجد والحضارة فعليها أن تكون قارئة فتثقف، ثمّ تدوّن ما ثقفت لتحفظ للبشريّة مُنجزاتها.
وعند المفسّرين أنّ: "اقرأ" أعيدَتْ على مسامع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ثلاث مرّات، قبل أن يُكمل جبريل: "اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذي خَلَقَ…" ومعنى ذلك أنّ هذه الكلمة: "اقرأ" أُعيدتْ على مسامع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم خمس مرّات، وهذا تأكيدٌ بالغٌ على الأهمّيّة، ومعناه أنّ مَنْ غفل عنها في مرّة فلا يغفل عنها في غيرها. وهو إيذانٌ بأنّ عهد القراءة قد بدأ، وأنّه لم يكنْ من قبلُ لهذا العهد وجودٌ مؤثّرٌ.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

