شعار قسم مدونات

أين ذهب غضب الشبكات الاجتماعية؟

blogs - social media

مع مطلع القرن العشرين، وفي أوج الدعايا الحربية واستغلال المنصات الإعلامية التقليدية حينها في توجيه اهتمامات الجماهير نحو أحداث الحرب العالمية الأولى، وفي ظل القدرة الهائلة التي أثبتتها الخطابات الجماهيرية في توجيه الرأي العام ودفعه نحو سلوكيات محددة، اشتعل النقاش حول تأثيرات وسائل الإعلام في توجيه الجماهير والهيمنة على أفكارهم ومن ثمّ التحكم في ردود أفعالهم، وذهب باحثو العلوم الاجتماعية إلى أن تأثير وسائل الإعلام يشبه "الحقنة تحت الجلد" في قدرتها على الوصول المباشر لعقل الإنسان، والاستجابة السريعة لأوامرها.

    

ظل هذا الاعتقاد قائما بـالنظر إلى الفرد/الجمهور باعتباره "متلقيا" سلبيا لا يملك من عقله شيئا، فقط يستقبل المعلومات من وسائل الإعلام ويترجمها إدراكيا وسلوكيا في واقع حياته اليومية. كان ذلك حتى نهاية الأربعينيات من القرن الماضي حيث استقر في أذهان الجميع أن ما سبق اعتقاده من تأثير وسائل الإعلام المُبالغ فيه من حيث قدرته على التغيير المباشر والسريع في الرأى العام وتوجيهه نحو سلوك بعينه ليس صحيحا تماما، وأن ذلك التأثير المفترض يخضع لعوامل وسيطة كثيرة تتحكم أو تضبط ذلك التأثير وتوجهه بحسب المشاهد وخلفيته الثقافية والاجتماعية وحتى سلوكه النفسي .

    

 من هنا أخذ الجدل والبحث دوره فى تطوير النظريات المفسرة لعمل وسائل الإعلام وقدرتها التأثيرية، والعوامل الوسيطة التى تلعب أدوارا هامة في فعالية ذلك التأثير حتى انتهى الأمر إلى أبواب واسعة ومتعددة لدراسة الرسائل الإعلامية وأدوارها السياسية والاجتماعية وبطبيعة الحال أدوارها الثقافية. لهذا كان علينا العودة إلى هذا الجزء التاريخي، من أجل مدّ الخط على استقامته فيما يخص قناعاتنا بشأن الشبكات الاجتماعية وأنماط أدواراها فى واقعنا الحالي، لأنه من المؤسف جدا أن نتورط ثانية في تعظيم أدوارها وبسط نفوذ قوتها على الفعل السياسي والاجتماعي من حولنا.

    

مع التراجع النسبي لأدوار السوشيال ميديا السياسية، يتعاظم الدور الاجتماعي لها، من حيث كونها مساحة تعبير متحررة من القيود المجتمعية

مع نهاية 2011، وبعد اشتعال الثورات العربية -بالأخص ثورتا تونس ومصر- كان الاتجاه الغالب في دراسة  الشبكات الاجتماعية يذهب إلى إعطائها دور البطولة فى التغييرات السياسية الحاصلة آنذاك، الأمر الذى يطرح سؤالا منطقيا اليوم، مع كل هذا السخط السياسي والاقتصادي الذي يملأ صفحات السوشيال ميديا، والقدرة التعبيرية المفتوحة، لماذا لا ينعكس ذلك على الواقع السياسي؟ أو بصورة أخرى لماذا لا نجد صدى هذا السخط حركة في الشارع ؟

    

الإجابة: لأنّه كما كان التقدير المبدئي لدور وسائل الإعلام في عشرينيات القرن الماضي مُبالغا فيه، كذلك الحال مع الشبكات الاجتماعية، ففي سَكرة الانتصارات التي حققتها ثورتا تونس ومصر؛ ذهب البعض إلى تعظيم دور المنصات الاجتماعية، والحقيقة أنها بالفعل أدت دورا مركزيا في تهيئة الرأى العام وتجييشه، لكنه في المقابل كانت هناك عوامل أخرى شديدة الأهمية، أبسطها أن المجال العام كان به بعض الثغرات التي يمكن التنفس من خلالها على عكس الواقع الحالي الذي؛ أُغلقت فيه جميع منافذ الحركة السياسية ولم يعد مسموحا حتى بهامش الحركة المتاح سابقا.

    

لا ينفي هذا بالقطع القدرة التأثيرية للشبكات الاجتماعية، لأنه على الضفة الأخرى من نهر السوشيال ميديا، ومع ذلك التراجع النسبي لأدوارها السياسية، يتعاظم الدور الاجتماعى لها، من حيث كونها مساحة تعبير متحررة من القيود المجتمعية، يبني فيها الفرد ما يُعرف بـ"هويته الرقمية"؛ حيث يعرّف عن نفسه فكريا وثقافيا بالطريقة التي يريدها وعلى الوجه الذي يحب أن يظهر عليه بين من يشاركونه الاهتمامات والأفكار ذاتها، إذاً هو يبني صورته المتخيلة عن نفسه وأفكاره واعتقاداته من خلال هذا الشباك الصغير المُسمى "بروفايل"!

   

فبصورة أو أخرى، ومع الواقع السياسي المأزوم والمجال العام المغلق على مآسيه، وحسّ الهزيمة الذي يلُف جيل الثورة، وكنوع من الهروب -إن جاز التعبير- ارتددنا بصورة واعية أو لاواعية إلى مراجعة جميع الأفكار والقناعات التي حكمت خياراتنا فيما سبق وإدارة النقاش حولها بحماسة وتفاعل أكبر، وتحول المنبر السياسي إلى مجلس اجتماعي لشركاء النصر والهزيمة، بإخفاقاتهم وأحلامهم المبتورة وآمالهم المنقوصة، وأخيرا؛ مراجعاتهم الدينية والفكرية، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، ويبقى الدور الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعى هنا كونها "شاشة عرض" لأصحابها لا يمكن الحكم على مآلات تأثيراتها الحقيقية والعميقة حتى يكتمل المشهد إلى نهايته بالوقوف على حركة الأفكار وتبدّلها وانعكاسها على الحياة الاجتماعية المعيشة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.