ثورة إسلامية في البرازيل

مدونات - الزنوج
أيها القارئ العزيز، ليس العنوان الذي تقرأه خطأ مطبعيا، وليس إفكا أو افتراء أو اختلاقا، ولا هذيانا أو خيالا. فكاتب هذه السطور يتمتع بكافّة قواه العقلية والنفسية ولا يهدف إلا إلى إحاطتك علما بموضوع قد طواه النسيان والتجاهل، ولفت انتباهك إلى صفحة مشرقة كتبت على الساحل الجنوبي الغربي للأطلسي، ولكنها لم تَحظَ بالاهتمام اللائق والدراسة المستحَقَّة.
 

وأودّ توجيه عنايتك إلى أمر في غاية الأهمية: ليس الأمر كما قد تظن أو تتوهّم بناء على معرفتك المسبقة بالتجارب السياسية التي تَسَمّتْ باسم الإسلام، وكانت في صميمها تطلب السلطة والجاه، كما حصل في غير زمان ومكان في مشرق الأرض. ما حصل في مغرب الأرض، على ساحل الأطلسي، ذات عام من ثلاثينيات القرن التاسع عشر للميلاد كان ثورة إسلامية بحق، لما قامت عليه من أُسس ومُثُل ومبادئ، ولما مَثّلَتْه من إضافة للقِيَم الإنسانية النبيلة، التي تعمّ البشر طُرّا، وتتجاوز حدود الزمان والمكان والعِرق والطائفة.

  

حين تقرأ التاريخ البرازيلي الرسمي، سوف يطالعك عدد لا بأس به من الثورات الداخلية بشتّى أنواعها وأهدافها. إلا أن موضوعنا هنا هي تلك الثورات التي قام بها العبيد الأفارقة ضد أسيادهم البرتغاليين والبرازيليين في المستعمرة البرازيلية وفي المملكة المستقلة في ما بعد.

  

الزنوج الذين جيء بهم إلى البرازيل في فترة الاستعباد انتموا إلى أمم وشعوب مختلفة، بما يعنيه ذلك من تنوّع لغوي وديني وثقافي، لكن الأسياد لم يعيروا ذلك أي اهتمام

بإمكاننا تقسيم تاريخ البرازيل إلى ثلاث مراحل: المستعمرة من العام ١٥٠٠ م إلى العام ١٨٢٢م، والمملكة المستقلة من ١٨٢٢م إلى ١٨٨٩ م، والجمهورية من ١٨٨٩م حتى أيامنا هذه. ولقد طبع الرقّ مرحلتَي المستعمرة والمملكة كليا، فلم يتم إلغاؤه رسميا إلا في ١٨٨٨م ، العام ما قبل الأخير من عمر النظام الملكي، عبر مرسوم الأميرة إيزابيل، الذي أضحى بموجبه الرقّ لاغيا وأصبح كل العبيد أحرارا. وقد كان معظم العبيد يؤتى بهم من سواحل إفريقيا الغربية في سفن شراعية في ظروف مذلة ولاإنسانية. مع العلم بأن الرقّ لم يقتصر على زنوج أفريقيا، فالمستعمرون البرتغاليون وأبناء البرازيل الأحرار قد استعبدوا أيضا سكان البلاد الأصليين الذين يعرفون باسم الهنود الأميركيين، وإن بشكل أقل بكثير من استعباد ذوي البشرة السمراء.

 

وكانت تجارة الرقّ مُدرّة للأرباح بشكل كبير، رغم ما تنطوي عليه من امتهان كرامة الإنسان وحرمانه من أبسط حقوقه. على أن النخّاسين لم يكونوا يفرقون بين عبد وآخر من حيث اللغة والعرق والدين. فكل زنوج أفريقيا كانوا طائفة واحدة بالنسبة لتجار الرقيق؛ بضاعة مربحة، ويد عاملة تعمل سخريا في المناجم والحقول والبيوت والبناء وفي خدمة كل حاجات ونزوات الأسياد. وقد انتمى الزنوج الذين جيء بهم إلى البرازيل في فترة الاستعباد إلى أمم وشعوب مختلفة، بما يعنيه ذلك من تنوّع لغوي وديني وثقافي. لكن الأسياد لم يعيروا ذلك أي اهتمام. فكانوا يفرقون بين أفراد العائلة الواحدة، والقبيلة الواحدة، اتّقاء حركات التمرّد والثورات.

 

وقد ذكر التاريخ أن المسلمين الأفارقة كان لهم نصيب من سَوْط الاستعباد الذي جَلد جسد القارة السمراء في الزمن الغابر. ومع أن ذِكر هؤلاء المسلمين المستعبدين -الذين كانوا على الأرجح أوائل قوافل الإسلام الوافدة إلى البرازيل- يكاد يندثر عمدا أو سهوا أو إهمالا؛ فإنهم قد كتبوا أروع ملحمة في كفاح العبيد البرازيليين في سبيل الحرية.

 

الكاتب البرازيلي الشهير جورج أمادو، صاحب التجربة الشيوعية والروايات التي انحازت للفقراء والمحرومين، يقول في أحد كتبه إن الشخصية التاريخية البرازيلية المفضّلة لديه هي "المنسيّ ليكوتان ألوفا"؛ بطل أمجد ثورة قام بها العبيد -في سبيل الحرية- على امتداد التاريخ البرازيلي، إنها الثورة التي دخلت التاريخ باسم تمرّد الماليين، والتي جرَت أحداثها في العام ١٨٣٥م في عاصمة البرازيل الأولى سلفادور على ساحل الأطلسي؛ والتي فقدت مكانتها كعاصمة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حين تم نقل عاصمة المستعمرة البرازيلية جنوبا إلى ريو دي جانيرو، التي ظلت تتمتّع بهذه المكانة إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حين بُنِيَت العاصمة الحالية برازيليا.

 

جورج أمادو -الشيوعي العلماني- يعلن في كتاباته أن العبد المسلم الزنجي ليكوتان ألوفا هو أكثر شخصية يحبها ويحترمها في التاريخ البرازيلي برمتهجورج أمادو -الشيوعي العلماني- يعلن في كتاباته أن العبد المسلم الزنجي ليكوتان ألوفا هو أكثر شخصية يحبها ويحترمها في التاريخ البرازيلي برمته
 

لقد كان مصير هذه الثورة الفشل، فَقد قَمَعتْها السلطات البرازيلية بعنف. فسُجِنَ من سُجِنَ، وقُتِلَ من قُتِلَ، وجُلِدَ من جُلِدَ، من رؤسائها ومرؤوسيها الثائرين. ولو توخّينا الدقّة وطلبنا الحقيقة، فإن هذه الثورة هي أهم حركة في سبيل تحرير العبيد في تاريخ البرازيل ككل.

 

جورج أمادو -الشيوعي العلماني- يعلن في كتاباته أن العبد المسلم الزنجي ليكوتان ألوفا هو أكثر شخصية يحبها ويحترمها في التاريخ البرازيلي برمته. وهذا رغم النسيان الذي يطوي هذه الشخصية العظيمة من قبل رواة التاريخ الرسمي، ورغم التجاهل الذي يبديه تجاهها المؤرخون والباحثون. ينحي أمادو باللائمة على كتبة التاريخ ومدونيه لأنهم بخسوا حق هذا القائد الثائر المسلم المثقف، رغم العبودية. فالأمة التي كان ينتمي إليها -وهي أمة الماليين المسلمة- بلغت درجة راقية من الثقافة، فاقت بها سائر أمم عبيد البرازيل من الزنوج من باقي أمم وشعوب أفريقيا. لا بل تفوّق الماليون العبيد ثقافيا على أسيادهم البرتغاليين، الذين كانوا في كثير من الأحيان أجلافا أميين.

 

وهذا ليس بمستغرب أبدا؛ فالدين الحنيف يحضّ على رفض الذلّ وعلى التمسّك بالكرامة، وهو كان العامل الرئيسي لقيام أروع ثورات العبيد على ثرى البرازيل. فكانت انتصارا للحرية في وجه العبودية، وللكرامة في وجه الذل، وللإنسانية في وجه البهيمية. إلا أن المستغرَب أن لا تحظى هذه الحركة المجيدة والعظيمة بالاهتمام اللازم من قبل أصحاب الشأن، وأن يتم التعتيم عليها بفعل فاعل، فلا تجد من ينتصر لها ويوفيها بعض حقها إلا قلّة من قلّة كذلك الأديب البرازيلي الشيوعي الذي ترجمت رواياته لكثير من لغات العالم. وقد يتساءل المرء كيف لمثقّف مرموق لا تربطه بالإسلام أي صلة، ويعتنق فكرا مغايرا تماما، كيف له أن ينتصر لحركة قام بها عبيد مسلمون منسيون في سبيل الحرية. ولا غرو في ذلك، فالقيم الإنسانية النبيلة لا يملك أن ينكرها حتى من ينكر الأديان قاطبة.

 

والعجيب في هذا كله أن يقوم كاتب برازيلي بالإطاحة بكل الشخصيات التاريخية البرازيلية التي تلعب -وفق الرواية الرسمية- أدوار الأبطال والرموز، لصالح بطل يكاد يكون مجهولا من الجمهور -خاصة وعامة- وما هو أعجب من هذا كله هو اختياره لعبد مسلم لتنصيبه على عرش البطولة التاريخية البرازيلية؛ وهذه مخالفة شجاعة جدّا للسائد في أكبر بلدان الكاثوليكية في العالم أجمع، وأكبر بلدان أميركا اللاتينية، لكن عجبنا يزول عندما نتذّكر أن هذه المخالفة للسائد إنما كانت بدافع نبيل ومشروع ومشكور لأجل؛ إنصاف حركة وجماعة دينية نالها الظلم مرتين، مرة قمعا وجَلْدا وقتلا، ومرة طمسا ونسيانا وإنكارا للتضحيات الجسام في سبيل قضية عادلة ومحقّة، وقيمة التضحية هي أنبل ما بلغه بنو الإنسان في سيرورتهم.



حول هذه القصة

آرثر ميتشل في عرض أغون

ليس “مسرح هارلم لرقص الباليه” مجرد معهد لتعليم الرقص وتقديم العروض الفنية، ولكنه فصل مشوّق في قصة الزنوج بالولايات المتحدة والتي تتقاطع حبكاتها وتتصادم عناصرها الدرامية بشكل مؤثر وذي مغزى، وهو أيضا رواية صعود السود الأميركيين من قاع المجتمع إلى المتن.

Published On 16/7/2011
وجوه في الأدب الزنجي

يقام في العاصمة السنغالية متحف الوجود الأفريقي المنظم بالشراكة بين وزارة التعليم العالي ومتحف برانلي الشهير. ويسعي المتحف إلى إحياء الثقافة الأفريقية المعاصرة، مع إظهار الأبعاد التاريخية والسياسية والأدبية لجوانب هذه الثقافة، التي استمدت جذورها الرئيسة من عهد الحنين إلى هوية الزنوجة.

Published On 9/7/2011
الرئيس السنغالي الأسبق Léopold Sédar Senghor ليوبولد سيدار سنغور - الموسوعة

أول رئيس للسنغال بعد استقلالها عن فرنسا 1960. جمع بين السياسة والأدب، وتنازل عن السلطة وتركها ليتفرغ للأدب بعد عقدين قضاهما على كرسي الحكم. يعتبر من أبرز رواد حركة “الزنوجة”.

Published On 1/11/2015
حركة افلام الموريتانية - الموسوعة

حركة سياسية زنجية موريتانية؛ تأسست 1986 لرفع “الحيف” اللاحق بالزنوج الموريتانيين. اتهم النظام الموريتاني الحركة بتدبير انقلاب عسكري 1987 فقمعها بقوة طوال ربع قرن، ثم تحولت 2014 إلى حزب سياسي.

Published On 22/5/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة