شعار قسم مدونات

ماذا حدث للثورة الليبية؟ (2)

مدونات - الثورة الليبية
يُروى أن بورقيبة قال للقذافي ذات يوم "لماذا تستثمر أموالك في السلاح ولاتستثمرها في التعليم؟" فأجاب القذافي: "أخشى أن يثور الشعب علي في يوم من الأيام".. فرد بورقيبة: "يثور عليك شعب مثقف أفضل من أن يثور عليك شعب جاهل"..  بعد سبع سنوات من الثورة الليبية نقف اليوم لنتجاوز سرد الأحداث ومجرياتها إلى التأمل في ديناميكية القوى الخفية التي أثرت في الجموع البشرية فوحدتها قبل سقوط القذافي ثم فرقتها بعد موته.

ففي ربيع العرب كان الشارع هــو من أسقط الحكام الشموليين، وليبيا لم تكن استثناءً. ولـذا فكان الشارع كذلك هو أول من استهدفته الثورات المضادة فحولت بهجته إلى حزنًا، وقسمته على نفسه فصار منقسمًا متشظيًا إما مشغولًا بهمومه الحياتية اليومية، أو مُحاصَرًا بالهواجس الأمنية، أو خائفًا من المطرقة الأمنية التي عادت لتحكم قبضتها؛ ولكن كيف حدث ذلك ولمـــاذا؟

كان خروج الشارع الليبي عام 2011 فرصةً نادرة الحدوث توافقت مع موجة ترنح لعروش المنطقة، ومع اتجاهات دولية للتغيير، بالإضافة إلى ارتخاء القبضة الأمنية ضمن مساعٍ لتوريث الحكم، ما أكسبت خروجه زخمًا استثنائيًا كبيرًا، فكانت فرصة لايمكن إهدارها. إلا أن الوقود الفكري الذي صاحب ذلك الزخم، والقِيَم التي غذته كانت شحيحة وضعيفة ومبهمة ولم تكن تتناسب مع حجم الحشود البشرية التي خرجت وجسامة التضحيات التي بذلت من أجل إسقاط القذافي.

الشارع الذي انتفض على القذافي كان نتاج أربعين سنة من القمع والتجهيل المتعمدين، فحتى وإن بدا الشارع للوهلة الأولى قويًا وعنفوانيًا ومتطلعًا لبناء الدولة إلا أنه كانت تنقصه القدرة على التمييز بين الغث والسمين
فالجموع التي انتفضت على القذافي جمعتها غريزة البقاء في وجه عدو مشترك شرس فتلاحمت ولم تظهر بينها آنذاك أي خلافات إيديولوجية تهدد وحدتها، إلا أنها، وفي نفس الوقت، لم تلتف حول مباديء راسخة وثوابت مقدسة وقيم وطنية عليا تضمن استمرار تلاحمها بعد زوال الخطر.

فالثورة الليبية جاءت عفوية وعشوائية ولم يكن لها مفكرون ومُنَظِّرون يمهدون لها ويوجهونها ويضعون لها مباديء توافقية تقوم على أولويات وقيم وطنية وإنسانية تحفظ وحدة الشارع مهما تعددت التيارات التي تتجاذبه. فما جمع الشارع حينئذ كان الاتفاق على إزاحة العدو المشترك (القذافي) أما بعد سقوطه فسنحت الفرصة لاختراقه من الثورة مضادة والأطماع الإقليمية والدولية لإنهاكه وجعله مطية لأي مخطط سياسي لرسم خارطة جديدة لبلد ممزق ماتسبب في إعاقة بناء الدولة ومن ثم استدراجها إلى إنقلاب على الشرعية متبوعًا بنزاع مسلح ودوامة عنف متصاعدة.

أما ما تبقى من زخم الشارع بُعَيْد الثورة فلم يكن سوى مجرد انفعالات "عاطفية" لاتحكمها ثوابت وطنية راسخة ولامشروع وطني متفق عليه، فاستُغِلَّت تلك الانفعالات العاطفية إعلاميًا في حرب سياسية لإقصاء الخصوم ضمن برنامج الثورة المضادة، حتى تم القضاء على ماتبقي من ذلك الزخم تمامًا بشكل فعلي.

للأسف الشارع الذي انتفض على القذافي كان نتاج أربعين سنة من القمع والتجهيل المتعمدين، فحتى وإن بدا الشارع للوهلة الأولى قويًا وعنفوانيًا ومتطلعًا لبناء الدولة إلا أنه كانت تنقصه القدرة على التمييز بين الغث والسمين.. وبين الانحياز للوطن والترويج للقناعات و الإيدولوجيات.. وعدم القدرة على ترتيب الأولويات وتقديم التنازلات والشراكة السياسية وأبسط مبادي المحافظة على أساسيات المواطنة، فصار فريسة سهلة لمصائد غسيل المخ الإعلامية بشتى أنواعها.

 
undefined
 
ولكن، ورغم ذلك، كانت هناك طاقات فكرية كامنة ولكنها كانت تفتقد الإعداد والتأهيل والخبرة السياسية التي كانت غائبة في عهد القذافي، فمالبث أن بدأت في الظهور والتشكل بُعَيْد الثورة في صورة نشطاء سياسيين ومدونين وإعلاميين ونخب مثقفة. إلا أن تلك "النخب" لم تتبنَ أولًا مشروعًا وطنيًا موحدًا تلتف حوله وتجعله أولوية لها لتوطد أسس المواطنة والحريات التي قامت من أجلها الثورة قبل أن تنقسم إيديولجيًا فيما بينها كل حسب ميوله الفكري.

بل أن ماحدث هو أن تلك النخب تم استمالتها واستدراجها والتفريق بينها مبكرًا في المعترك السياسي فصارت جزءًا من النزاع فتم استهدافها وتشويهها وشيطنتها فانتفت بذلك إمكانية جمعها في مشروع وطني موحد مستقل وتوافقي حقيقي يُقَدِّمُ مصلحة الوطن ويضم الجميع بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية وبالتالي يحافظ على الحقوق والحريات ويجعلها أولوية وخطوط حمراء لايستطيع الساسة تجاوزها.

فتحول الكثير من هؤلاء النشطاء والنخب إلى منظرين شرسين لتقوية وقود الاستقطاب السياسي والمؤسساتي الذي مزق البلاد، بل وتم أحيانًا غض النظر عن خروقات صارخة لأبسط مباديء "الحريات والحقوق" مادامت تستهدف الخصوم الإيديولوجيين، ما اضطر بعضهم للعدول عن المباديء التي كان ينادي بها عند قيام الثورة، بل وحتى المناداة بأن الثورة أساسًا كانت خطأً و"نكبة" جناها الليبيون على أنفسهم، بل وحتى التراجع عن مبررات الثورة في تناقض وانفصام واضح للشخصية.

ففي الشرق الليبي (باستثناء درنة) صار التظاهر والتعبير عن الرأي أمرًا محظورًا وصار له لون واحد وطعم واحد وهو دعم حفتر، وبأعداد لاتتجاوز بعض العشرات بعد أن كانت الآلاف تجوب شوارع بنغازي بِحُرية أيام الثورة وبُعَيْدها. أما في طرابلس، وبعد دخول حكومة السراج، فقد تم تفريق تجمعات الثورة من ميدان الشهداء وأُحْرِقت خيامها وإذاعاتها لإسكات نبرة الثورة وترويج دعاية "الوفاق" المُرَوَّج له أمميًا، أما مصراتة فرغم استمرار روح الثورة فِيهَا فقد تم شق صفها سياسيًا وإنهاكها عسكريًا، في حين كان الإحباط المعيشي ومشاهدة ماحدث في الأختين الكبيرتين (بنغازي وطرابلس) كفيلًا بإخماد حماس الشارع في عدة مدن ليبية أخرى.

 
undefined

 
وبرغم أن الإرث المقيت الذي تركه القذافي كان بمثابة السم الذي تحاول الثورة المضادة استغلاله لتفريق الشارع وتركيعه تمهيدًا لبُدلاء شموليين آخرين، إلا أن الترياق هو كذلك في متناول الشعب. فالشارع يجب أن يتوحد في مشروع وطني يسمو على مصالح الساسة والأحزاب والإيديولجيات المتباينة، ويضمن عدم النكوص إلى حقبة سبتمبر المريرة وتجاوز فشل فبراير وصراعاته ويلتف حول مباديء وطنية عليا لتكون خيط المسبحة الذي يضمن عدم انفراط حباتها مهما تباين نسيجها.

ويكون ذلك عمليًا بالالتفاف حول مشروع الدستور الذي تم إنجازه مؤخرًا والاستفتاء عليه والمضي إلى استعادة الشرعية وذلك بانتخاب وجوه جديدة بعد إقرار عزل سياسي لكل من حقبتي سبتمبر وفبراير لضمان إفراز قيادات جديدة لم تتورط في الاستقطابات الماضية وبالتالي تكسب رضى وقبول الشارع ولاتؤجج صراعات الماضي لاستكمال مسار بناء الدولة الذي عرقلته عسكرة الصراع في مايو 2014.
 
وأخيرًا، فإن الشــعوب "الـواعية" هي تلك التي ـ حين تستشعر الخطر ـ تضع خلافـــاتها جـانباً وتضع مصلحة الوطن في بـــؤرة أولويـاتها فتعض عليها بالنواجذ لكي لاينفرط عقدها ولاتفقد قدرتها وإرادتها على التغيير كما فعلت وأبهرت العالم وأجبرته على سماع صوتها والانصياع لمطالبها في ثورة فبراير من عام 2011.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.