شعار قسم مدونات

حائط البراق.. وقف مغربي

blogs حائط البراق

حائط البراق أو الحائط الغربي، هو الحائط الذي يحد الحرم القدسي من الجهة الغربية، ويشكل الجزء الجنوبي من السور الغربي للحرم المحيط  بالمسجد الأقصى، حيث يمتد بين باب المغاربة جنوبا، والمدرسة التنكزية شمالا بطول حوالي (47 مترا، وارتفاع حوالي 17 مترا، وعرض 3,30 متر تقريبا). زعم اليهود أن هذا الجزء من الحائط الغربي للحرم القدسي من بقايا هيكلهم المزعوم، وأحاطوا هذا المكان بهالة من القدسية قائمة على مجموعة من الأساطير والافتراءات التاريخية فندها الباحث جميعا في مقال سابق "اختلاق حائط المبكى".

 

دأب المغاربة على زيارة القدس الشريف بعد فراغهم من أداء مناسك الحج، حتى إن أحد الرحالة المغاربة، وهو محمد بن عبد الوهاب المكناسي (1200هـ = 1750م)، وسم رحلته بعنوان: "إحرازالمعلى والرقيب، في حج بيت االله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل وقبر الحبيب". اعتاد المغاربة الجوار بموضع قرب الزاوية الجنوبية الغربية لحائط الحرم، وفي أقرب نقطة للمسجد الأقصى، وهو الموضع الذي أوقفه عليهم الملك الأفضل سنة (589هـ = 1193م). ليسكنوا مساكنها وينتفعوا بمنافعها. وأنشأ لهم في الحارة ذاتها مدرسة عرفت بالأفضلية…

 

من المهم أن نعرف أن الحد الشرقي لــ "وقف أبي مدين" يعرف بحائط البراق. وكذلك الرصيف الكائن أمام هذا الحائط والذي يقف عليه اليهود عندما يزورون الحائط بقصد البكاء، فإنه من "وقف أبي مدين"

في هذا الصدد، يقول عبد الهادي التازي، في دراسته "أوقاف المغاربة في القدس": "ويظهر من نص الوقفية أن صحيفتها الأصلية قد ضاعت، فأعيد تقييد شروط الوقف بأمر القاضي الشرعي بكتاب "متصل الثبوت بحكم الشريعة" وقد تم ذلك مرتين الأولى في سنة (666 هـ = 1268م )، بعد نحو أربعين سنة من وفاة الملك الأفضل، والثانية في سنة (1004 هـ = 1596 م)، بعد نحو ثمانين سنة من ابتداء الحكم العثماني، ويوجد نص الوثيقة في السجل رقم 77 ص 588 في المحكمة الشرعية.

 

وقد أورد نص وثيقة الوقف، المؤرخة في سنة (666 هـ = 1268م )، مصطفى الحياري، في كتابه "القدس في زمن الفاطميين والفرنجة"، تحت عنوان: "القدس الشريف ــ وقفية حي المغاربة (The Islamic Pious Foundations in Jerusalem. London, Islamic cultural centre. 1978) كما نشرها عبد اللطيف الطيباوي"، جاء في الوثيقة حدود الوقف أو ما عرف بـ "حارة المغاربة"، كما يلي: … الحد الأول وهو القبلي ينتهي إلى سور مدينة القدس الشريف وإلى الطريق المسلوكة إلى عين سلوان، والحد الثاني وهو الشرقي ينتهي إلى حائط الحرم الشريف، والحد الثالث وهو الشمالي ينتهي إلى القنطرة المعروفة بقنطرة أم البنات، والحد الرابع وهو الغربي وينتهي إلى دار الإمام شمس الدين قاضي القدس الشريف، ثم إلى  دار عماد الدين بن موسكي، ثم إلى دار الأمير حسام الدين قايماز.

 

يقول زياد المدني،  في كتابه "مدينة القدس وجوارها (1800 – 1820)":  يتكون هؤلاء المغاربة في القدس من المراكشيين والتونسيين والجزائريين، وقد أقام هؤلاء في جبل الطور في حي خاص سمي حي المغاربة، وكان يتولى زعامة المغاربة شيخ يعينه الوالي، كما كانت لهم زاوية تعرف باسمهم وشيخ يسمى شيخ المغاربة.

 

في سنة (720هـ = 1320م) أنشأ حفيد أبي مدين شعيب بن أبي عبد الله محمد بن أبي مدين، وقفة المشهور "وقف أبي مدين". وقد أورد نص وثيقة "وقف أبي مدين"، عبد الهادي التازي، في دراسته "أوقاف المغاربة في القدس": بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفي وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فهذا كتاب وقف صحيح شرعي، وحبس صريح مرعي، اكتتبه الفقير إلى الله سبحانه الراجي عفوه وغفرانه، الشيخ الإمام العالم الفاضل الورع الزاهد الخاشع السالف العارف القدوة ابو مدين شعيب بن سيدنا الشيخ الصالح العالم العامل المجاهد أبي عبد الله محمد ابن الشيخ الإمام بركة المسلمين حجة الله بقية السلف الصالحين أبي مدين شعيب المغربي العثماني المالكي نفع الله ببركته وفسح بمدته وأشهد على نفسه الزكية وهو في صحته أنه وقف وحبس وسيل وأبد وتصدق وحرم وحرر وأكد جمع المكانين الآتي ذكرهما ووصفهما وتحديدهما فيه الجاريين في يد الواقف المذكور وملكه وتصرفه وحيازته إلى حين هذا الوقف، يشهد بذلك من يعينه في رسم شهادته بآخر هذا الكتاب المبارك، وأحد المكانين المذكورين وهو قرية تعرف بقرية عين كارم من قرى مدينة القدس الشريف…..".

 

"وأما المكان الثاني الموقوف فيه فإنه بالقدس الشريف بخط يعرف بقنطرة أم البنات باب السلسلة المشتمل على إيوان وبيتين وساحة ومرفق خاص وسفلى ذلك مخزن وقبو….  وقفية هذا على السادات المغاربة المقيمين بالقدس الشريف والقادمين إليها من السادات المغاربة على اختلاف أوصافهم وتباين حرفهم ذكورهم وإناثهم كبيرهم وصغيرهم فاضلهم ومفضولهم لا ينازعهم فيه منازع ولا يشاركهم فيه مشارك  ينتفعون بذلك السكن والإيجار وسائر الانتفاعات والمقاسمة والمزارعة على الضيع المذكورة ويقدم في ذلك الواردون على المقيمين والأحوج فالأحوج والأدين فالأدين، فإذا انقرض المغاربة ولم يوجد منهم أحد مقيم بالقدس الشريف سواء كان ذكرا أو أنثى فيرجع وقفا على من يوجد من المغاربة المقيمين في مكة المشرفة زادها الله شرفا وعلى من يوجد منهم بالمدينة المنورة، فإذا لم يوجد أحد بالحرمين الشريفين وشرط الواقف النظر والتولية على هذا الوقف لنفسه مدة حياته ثم من بعده لم يوجد رشيد من جنس المغاربة المقيمين بالقدس الشريف ويشهد له بالرشد والتقوى…. وذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة عشرين وسبعمائة".

 

تعود ملكية الحائط الغربي للمسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءا لا يتجزء من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف؛ وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط
تعود ملكية الحائط الغربي للمسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءا لا يتجزء من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف؛ وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط
 

ومن المهم أن نعرف أن الحد الشرقي لـ "وقف أبي مدين" يعرف بحائط البراق. وكذلك الرصيف الكائن أمام هذا الحائط والذي يقف عليه اليهود عندما يزورون الحائط بقصد البكاء، فإنه من "وقف أبي مدين".  

 

فقد ذكر مصطفي مراد الدباغ، في كتابه "بلادنا فلسطين، الجزء العاشر ــ القسم الثاني": "ما جاء في المحفوظات الملكية المصرية، في ذكرها لحوادث محرم 1256 هــ = آذار/ مارس 1840م، والمراسلات بين الحاج محمد شيخ المغاربة بالقدس، وإسماعيل عاصم بك حكمدار حلب، بخصوص طلب أحد اليهود تبليط زقاق البراق الكائن بحارتهم بقرب وقف سيدي أبي مدين الغوث، ورفض مجلس شورى القدس السماح لليهود بتبليط زقاق البراق، شارحا أسباب ذلك، ورد متسلم القدس الشريف، السيد أحمد دُزدار، والخلاصة هي: "لا يخفى على الجميع أن زقاق البراق الشريف المذكور غير نافذ بل فقط يتوصل به إلى دور سيدنا أبي مدين الغوث وهو في نفس حارة المغاربة التي بها زاوية سيدنا أبي مدين، وملاصق للحرم الشريف ومحل البراق المنيف وليس لليهود ولا لأحد فيه حق بل هو من حقوق سيدي أبي مدين الغوث وداخل في حدود وقفيته ….فهذا المحل ليس هو كنيسة لهم ولا مدارج لليهود… تبليط المحل المذكور يعود منه ضرر على جهة الوقف.. ".

 

لقد كان لوثيقة "وقف أبي مدين" الفضل ﻓﻲ حماية حائط البراق من خلال إثبات حق تملك المسلمين له إثر ثورة البراق (1929)، وتمخضت الأحداث عن تشكيل لجنة دولية لتحديد حقوق العرب واليهود في "حائط البراق"، وبعد انتهاء أعمال اللجنة وضعت تقريرا في سنة 1930، جاء فيه: للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءا لا يتجزء من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف؛ وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لكونه موقوفا حسب أحكام الشرع الإسلامي.