شعار قسم مدونات

تغليب العقول على القلوب

blogs تأمل و تفكير

إن الحضارة والرُّقي والتطور الاجتماعي، يأتي من شدة وقوة سيطرة العقل البشري على العاطفة والتي محلها القلب، فإذا كانت سيطرة القلب أقوى من سيطرة العقل، يكون العقل قد وقع أسيرا لهذا القلب، فيسمح العقل بتحريك غرائز الإنسان اللاإرادية واللاعقلانية، حينئذ تقع الصراعات والحروب والمشاحنات. أما إذا كانت سيطرة العقل أقوى من سيطرة القلب، يكون وقتها القلب أسيرا لهذا العقل، حينئذ يسمح العقل بكبح غرائز الإنسان من الظهور والاستعلاء وتصبح أفعاله وأقواله بإرادة وعقلانية، حينها تتكون الحضارات وترتقي الأمم في علاقاتها الاجتماعية مع بني جلدتها ومع غيرهم من الجنسيات والأعراق وأصحاب الديانات الأخرى. قال المتنبي في مدح العقل:

"لَوْلاَ العُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ (الأسد)…أَدْنَى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ".

إن مشاعر الإنسان والتي تتخللها العاطفة هي العامل المؤثر القوي على تكوين فكره، والعقل بدوره يقوم بالتحكم في هذه الأفكار والذي بدوره أيضا يقوم على تهذيبها وترقِيَتِها وإعطاء الحرية لها في أن تكون قيما وعقائد ومبادئ، تُكَوِّن منها مُرَكَّبًا متكاملا يستطيع به الإنسان أن يرقى في مكانته ووضعه الاجتماعي. ولكن، لا نستطيع أن نقول إن العقل له التحكم المطلق بهذه الأفكار، وذلك بسبب ثبات هذه المشاعر في مكنونات القلب فهو أمر خَلْقِي، بل قد لا تكون هناك سيطرة نهائيا للعقل في حالة وصول هذه المشاعر إلى ذروتها؛ مثل حالات الغضب والفرح والحزن الشديد، والجشع والطمع وحب الذات، والظلم وغيرها من الصفات التي تتحكم فيها المشاعر القلبية أكثر من تحكم العقل بها. ولذلك نرى كثيرا من الحروب وصراعات الشعوب والتعنُّت والتعصُّب يكون بسبب قوة وشدة هذه المشاعر وتغلُّبها على العقل، ويُتَرْجِم ذلك فقدان قوة الفرد لشخصيته، وضعف إرادته، وبالتالي ضعف السيطرة على أعضائه وجوارحه.

خذ مثلا ما جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: "للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه حين يتوبُ إليه، من أحدِكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابُه فأيس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها قد أيس من راحلتِه، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةٌ عنده، فأخذ بخطامِها ثم قال من شدةِ الفرحِ: اللهم ! أنت عبدي وأنا ربُّك. أخطأ من شدةِ الفرحِ". نعم سيطرت على عقله مشاعر الفرح التي كانت في ذروتها، فكان قلبه هو المتحكم تماما بعقله، حتى وصل إلى قول كلمة لولا رحمة الله في هذا العبد لكان بين كَلِمَتَي كُن فيَكُون.

الرُّقِي يأتي بحسن الأخلاق، وحسن الأخلاق يأتي بتحكيم العقل وتغليبه على القلب، فتبدأ القرارات الحكيمة، ورؤية عين الحقيقة

ولنأخذ مثالا آخر فيما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "إنَّ رجلًا قال للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَوصِني، قال :لا تَغضَبْ. فردَّد مِرارًا، قال: لا تَغضَبْ". وكأن هنا مراد رسولنا الكريم هو أن يوصي هذا الرجل بأن يأخذ من العقل سبيلا للتَّعقُّل، وكبح جماح عواطفه ومشاعره الغاضبة والتي محلها القلب، حتى يجني من الخير الكثير، ويَدْرَأ من المفاسد ما هو عظيم. قال ابن رجب في شرح الحديث: "فوصَّاه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يغضب، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مرارا، والنبي صلى الله عليه وسلم يُردِّد عليه هذا الجواب، فهذا يدُل على أن الغضب جماعُ الشَّرِّ، وأن التَّحرُّز منه جماعُ الخير".

إن التعقُّل يجب أن يكون في تجاذب وترابط القلب والعقل معا، يأخذ العقل ما يريد من مشاعر، ويحولها بعد ذلك إلى كلمات، فتتحول هذه الكلمات بعد التقييم والتعديل والتصويب إلى قناعات، والقناعات إلى مبادئ وقيم، والمبادئ والقيم تتحول إلى القناعة العقلية التي تتوافق معها القناعة القلبية، وبالتالي يتحول هذا التوافق إلى حراك للجوارح والجسد، فيكون فعل الجوارح على قدر هذا الفهم المترابط ودرجة وقوة جاذبية القلب للعقل.

قال أحد الشعراء:

ما وهب الله لامرئ هبة … أشرف من عقله ومن أدَبِهِ
هما جمال الفتى فإن عُدِما … فإن فقد الحياة أنفع بِهِ

إن الثَّبات والالتزام بالتقوى وحسن الأخلاق والذي مَرَدَّه العقل، لَهُوَ أمرٌ صعب لا يستطيع امتهانه إلا من كان متحكما تحكما تاما في أفعاله وأقواله بقوة إرادة لا تكسرها الظروف المعيشية ولا الاقتصادية ولا السياسية، وهذا بالطبع كمال لا يكون إلا لمن هو مُنَزَّهٌ عن النقص وهو رب العباد جل وعلا. ولكن هناك من يساعدنا على تقوية الإرادة والقوة العقلية، والتحكُّم القلبي وكبت المشاعر حال هَيَجانِها؛ وهو الطريق القويم الذي رسمه لنا الله ورسوله، فتبدأ بغرز الصفات والأخلاق الحميدة والعمل على مُمارستها مع ثباتٍ للعقيدة والتوحيد لله وحده أولا في القلب والعقل، فتعمل الجوارح وفقا لهذا الثبات في الفكر والمفهوم، فيصبح الشخص مرآة لعقله وقلبه، فيتغير لذلك المظهر والملبس، وتختلف الألسن، ويزيد الشخص وقارا وسكينة، ويُترجِم القلب ما يُمليه عليه العقل، فيتحرك وفقا للمفاهيم والقيم والمعتقدات. فيبقى الشخص على هذا الحال لعلمه أن ما دخل عقله لن يستطيع الكون الخارجي أن يغيره، وإن كان ذلك، فسوف يكون صراعا مريرا وكفاحا عظيما ما بين الحق والباطل لا تطيقه الروح ولا الجسد.

هذه المرتبة نستطيع أن نقول عنها هي مرتبة الإحسان، كما جاء في تفسيرها نبي الهدى والرحمة في صحيح البخاري فقال: "الإحسان: أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ". وكأن المآل هو أن تُحْسِن لِنَفْسِك بالتحلِّي بما أمر الله ورسوله، والالتزام بأخلاق حسنة تغذي بها عقلك قبل قلبك الذي فيه الهداية والخلاص، فتُعامل بها ذاتك وتحترمها باحترامك لأقوالك وجوارحك وتصرفاتك، وبالتالي يتعدى هذا الأثر بالإحسان إلى من حولك بعلاقتك مع ربك أولا بحسن العبادة وحسن الظن به، ومع من حولك من أهلك ومجتمعك.

 المُنى والأحلام والأخلاق الحميدة لا تتحقَّق حتى يتم تغليب العقول على القلوب، ومن الأثر يتحقَّق احترامنا لذاتنا وفكرِنا، فيتغير حالنا في بيوتنا وحال أمتنا
 المُنى والأحلام والأخلاق الحميدة لا تتحقَّق حتى يتم تغليب العقول على القلوب، ومن الأثر يتحقَّق احترامنا لذاتنا وفكرِنا، فيتغير حالنا في بيوتنا وحال أمتنا
 

إن الرُّقِي يأتي بحسن الأخلاق، وحسن الأخلاق يأتي بتحكيم العقل وتغليبه على القلب، فتبدأ القرارات الحكيمة، ورؤية عين الحقيقة. انظر مثلنا الأعلى سيدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان في قومٍ من أشدهم قوة وجفاء، وأكثرهم تصلبا وتعنُّتا، أخذوا من الصحراء قساوة القلوب، ومن الشمس حرارة التعصُّب، ومن الإبل اللُّؤم والعناد، ومع ذلك جاء الرسول وعمل على شق القلوب، وتليين العقول، فأصبح ينجذب إليه القريب والبعيد، ويَئنُّ لِفراقِه الأهل والغريب، حتى الجماد من اشتياقه يذوب، ومن الدموع يذرف ومن الصوت أنين، شجرة أَنَّتْ لفقدانها حضن الحبيب، ولولا غَرزها لهَرْوَلَة تقربا وبركة تبتغي الحنين.

انظر الآن أحوال قلوبنا وأثرها على عقولنا مقارنةً مع أخلاق الرسول وصحابته من بعده، نقول بأننا نعبد الله وحده ولكننا للأسف أصبحنا نُشرِكُ معه غيره جل وعلا، ونُشرِك المال فنأكله حراما من أجل دنيا، ونُشرِك شُهرةً فلا ننظر بها طرفة عين لمسكين، ونُشرِك سُلطة فنعمل على قتلٍ وتعذيب وحبس في سجون، ونُشرِك زوجة على أبٍ قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتَ ومالُك لأبيْك"، ونُشرِك سهر الليالي مع الأصحاب على قضاء حوائج أُمٍ قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجنَّةُ تحت أقدامِ الأمَّهاتِ"، ونُشرِك الأولاد فنرتكب المعاصي ونتجاوز الحدود لأجل مرضاتهم والخوف عليهم، ونُشرِك المدير الذي يوجهنا على قول الأكاذيب ودفع الرشاوى من أجل راتب وعلاوة أو خوفا من فَصل وكأن الرزق بيده ليس بيد الرَّزَّاق.

إن المُنى والأحلام والأخلاق الحميدة لا تتحقَّق حتى يتم تغليب العقول على القلوب، ومن الأثر يتحقَّق احترامنا لذاتنا وفكرِنا، فيتغير حالنا في بيوتنا وحال أمتنا، فتُصحَّح قِيَمنا وعاداتنا وتقاليدنا على ما يوافق شريعتنا وأخلاق رسولنا، وبعد ذلك تتغير قناعاتنا ومبادئنا، وقيمنا والمنظور الذي نرى به هذه الدنيا، والطريق الذي يجب أن نسلكه، إن كان ذلك الطريق من أجل أنفسنا أو من أجل أمتنا.