شعار قسم مدونات

عن بحر في الجنوب

blogs مركب
أرادت سيلڤيا أن ترى الأشخاص الستة الذين تحدث عنهم كارستن نيبور عندما كان يجلس على حافة سريره في المشفى صباح اليوم التالي للعاصفة. أن تجري معهم تحقيقا على طريقتها. لم تكن تمارس التحقيق لمصلحة الجهاز الذي تعمل فيه، ولا كشرطية. كانت امرأة تشعرُ بالملل، وقد أصابها ما يصيب أي مدينة بعد خروج الروس منها.

 

لا يزال بداخل سيلڤيا شغف كاف لدفعها للحركة حول العالم ثماني مرات على الأقل. ففي طفولتها سقطت من على شجرة وكسرت سنّا. وعندما صارت يافعة، وصار نهداها يملآن كفي رجل في الثلاثين، انزلقت دراجتها وكسرت ذراعها اليسرى. أما بعد أن صارت شرطية، ولم يكن قد مضى على ذلك الكثير، فقد هددت زميلا لها ببيعه لمهاجرين غير شرعيين. ومن وراء ذلك التهديد الغريب لاقت سيلڤيا المتاعب. ولمّا صار لها نهدان أكبر من كفي أي رجل في المدينة فقد سلكت سيلڤيا طريق الشك ومضت فيه.

 

الليلة التي التقت فيها توبياس، الأربعيني الذي قال إن اسمه فريدريش فون هافن، غمرتها بمزيد من الشغف والفضول. لم يكن أي منهما مضطرا لخلع ملابسه عندما انتصف الليل. ولأول مرّة أحست سيلڤيا بأنها أصبحت جزءا من مجموعة البحّارة تلك.انقضت الإجازة وعادت الفتاة إلى العمل. كان يوم اثنين، وكانت شمس المدينة باهتة كما لو أن خسوفا ضربها قبل ساعات، عندما قالت سيلڤيا لصديقتها باولينا: أنا الآن بحّارة. واصلت باولينا سحب مزيد من دخان سيجارتها وهي تتأمل ظلا غريبا على المبنى المقابل، ثم قالت لزميلتها: قبل ساعتين قدمت يوستينا استقالتها. لم يكن قد مضى على التحاق يوستينا، ذات الجذور البولندية، بالشرطة أكثر من نصف عام.

 

يعتقد المثقف أن العالم في قبضة يده لكن مكتبته تتلاشى فجأة لمجرد أن يقف أمام امرأة جميلة. إنهم، قالت لنفسها، ينطفئون أمام المرأة

"لم أتفاجأ بالأمر. هل وجدت لها عملا آخر؟" سألت سيلڤيا، فحركت باولينا كتفيها. وهما تدلفان إلى مبنى الشرطة، بعد استراحة تدخين قصيرة، سألتها باولينا عن البحر الذي ستعمل فيه فقالت سيلڤيا إنه بحر في الجنوب. في المساء طلبت سيلڤيا الرسام جورج باورِنفايند. إلا أن الرجل قرع بابها بلطف فائق بعد مضي أسبوعين. "كنتُ في إجازة، اعذريني".

 

"أعرف، وصلتني رسالة من الموقع" قالت وهي تمشي أمامه لتدله على مكانه في الصالون. استوى الرجل في مكانه وكان يلبس نظارة بحواف سميكة وكانت قامته طويلة وشعره خفيفا. وضع يده على ركبتيه وسألها بشكل مفاجئ: "هل أنت بخير؟"

"أنا؟ أنا بخير، كل شيء على ما يرام. أشكرك. وأنت؟" افتتحا الحديث كأنهما صديقان قديمان أو زميلان.

 

"أنا بخير، كنت في مصر. قضيت أسبوعين رائعين"

"كيف هو الطقس في مصر هذه الأيام؟" سألته سيلڤيا آملة أن تجره بسرعة إلى الحديث الذي تريده. "الطقس هادئ بعض الشيء في الصحراء وعند البحر".

 

صمت قليلا وابتلع ريقه. لاحظت توتره وخمنت: ربما هو كذلك. كانت تنظر إليه بابتسامة خفيفة على شفتيها فتفتحت شهية الرجل للكلام.لا يفتقد الرجل القادم من صحراء أو الذاهب إلى بحر شيئا أكثر من ابتسامة خفيفة على شفتي امرأة. وما من شيء يجلب الحظ السعيد مثلها، ولا النهايات الدرامية سواها.

 

"نزلت في شرم الشيخ. مدينة من السحر الخالص على البحر. لم أمكث في المدينة سوى ساعات قليلة. كنت أقضي أغلب يومي في قرى البدو في الصحراء. استأجرت سيارة ودليلا.أنا أفهم الآن لماذا كان الأنبياء ينزلون في تلك القفار. بإمكانك مشاهدة الإله في كل مكان حولك. هنا في أوروبا كل شيء مزدحم. الغابات،الناس، الرياح، والكد. الإله لا يعيش في هذه الأماكن الباردة والمكتظة، لا هو ولا الرسالات. حتى الدين الخاص بنا تجدينه دينا باردا بلا انفعال ولا حرارة. أظن أن حروبنا الدينية التي توقفت، للأسف، منذ زمن طويل كانت بسبب ما بقي في المسيحية من آثار شرقية ومن حرارة الصحراء. الإصلاحات التي كنا نجريها على ديننا كانت تهدف إلى تخليصه من حرارته، وفي النهاية حصلنا على دين بارد.".

 

تدفق الرجل أمامها، وكان يحرك يديه على طريقة المثقفين، وبين جملة وأخرى يعدل وضع نظارته. خطر في بال الفتاة خاطر أفزعها: ما إذا كانوا تجمعا لمثقفين بوهيميين يعرفون كل شيء عن العالم ويركلونه باختيارهم. ستبدو إذن ساذجة، ولا بد أنهم ينظرون إليها بشفقة الآن. لماذا لم يأتها هذا الخاطر من قبل وهي تجلس، لأول مرّة، قبالة كارستن نيبور والرجل يستعرض أمامها معرفته الواسعة بفنون الچاز الهادئ، وبإنجليزية بلا لكنة.

 

لا يشعل النار في الأعصاب العميقة للرجل شيء مثل امرأة ساذجة وبكر. لكنه سيؤجل ذلك، فهو قادم من الصحراء وهذه أول مهمة له منذ أسابيع، ويريد أن يشرب الفتاة على مهل

حاولت سلڤيا احتواء الخاطر. فليكن أنهم مثقفون. يعتقد المثقف أن العالم في قبضة يده لكن مكتبته تتلاشى فجأة لمجرد أن يقف أمام امرأة جميلة. إنهم، قالت لنفسها، ينطفئون أمام المرأة ولا يبقى منهم من شاهد على الحياة سوى إربهم. الرجل أسير لإربه، وإربه أسير لأي امرأة تمر بالقرب منه. الرجال، تدرك سيلڤيا، أقوياء بما يكفي ليقلبوا الحياة ظهرا على عقب. وهم لا يتنافسون على القوة والمجد إلا للفوز باهتمام امرأة. قرأت سيلڤيا في طفولتها عشرات القصص عن الأمراء الشجعان والمحاربين المخيفين الذين انتهى بهم المطاف راكضين وراء فتيات فقيرات في الأسواق الشعبية والضواحي البائسة.

 

"أتمنى أن أزور الصحراء مثلك. هل كنت تفعل شيئا محددا في الصحراء؟ أعني قرأت تحت اسمك أنك رسّام. هل رسمت الصحراء؟"

 

ابتهج الرجل. إنه رسام، قالت هذه الجميلة. بإمكانه الآن أن يقول لها أشياء لم تخطر على بال امرأة، وأن يطلب منها كملك فتطيع هي كجارية. هو قادر الآن على تفكيكها بالكامل، أن يطلب منها مثلا النوم عارية في البلكونة، أن تضع يدا على نهد وتترك الآخر يتدلى أمام المزرعة. فهو رسام وبمقدوره أن يفعل ما يشاء. لقد امتلك الصارية، وبإمكانه الآن أن يبحر. يزور فتيات كثيرات، لكن هذه الأرض التي أمامه تبدو بكرا وغضة. ولا يشعل النار في الأعصاب العميقة للرجل شيء مثل امرأة ساذجة وبكر. لكنه سيؤجل ذلك، فهو قادم من الصحراء وهذه أول مهمة له منذ أسابيع، ويريد أن يشرب الفتاة على مهل.

 

قال وهو يحاول أن يسيطر على نبرته:

"كنت أسأل البدو عن البحر"

"تسأل البدو عن البحر؟" سألته مستغربة.

"نعم. صحيح أن البدو قليلو الخبرة بالبحر، لكنهم يعرفون أكثر من غيرهم الأشياء التي تجلب الحظ السعيد وتلك التي تجلب النحس"

"تقصد في البحر؟"

"بشكل عام، وفي البحر أيضا. أنا وأصدقائي ننتظر الوقت المناسب للخروج في رحلة بحرية طويلة سنموت فيها كلنا وسينجو واحد فقط."

 

حبست المرأة أنفاسها، لكن الرجل كان متسامحا مع حديثه، ومتعادلا مع نفسه، كما لو كان سواه. تركته يستسلم لحديثه فهي تريد أن تسمع وحسب.

 

"ستسافر معنا راهبة فنحن بحاجة ماسة إلى راهبة. نرغب في اكتشاف الظلام الدامس الذي جاء في العهد القديم. يوجد الظلام الدامس في بحار الجنوب، أو في مكان ما يدعونه العربية السعيدة. ونحن بحاجة إلى شخص لديه خبرة مع الإله، وقادر على التنبؤ بانفعالاته ونحن نقترب من تلك الصحراء النائية. رسم جورج باورنفايند فروج مصرية مختتنة أثناء مروره بالصحراء، ولما عرض الرسم على الحجاج وقد استوى على ظهر سفينة أخبروه أنهم يفعلون ذلك ليمنعوا سوء الحظ، ولكيلا تغرق السفن الذاهبة إلى الحج."

 

"حديثك مثير. أكمل"

"وأنا عائد من مصر خطر في بالي خاطر. كيف سترد الراهبة عندما نقول لها: علينا أن نختنك أيتها الأخت؟".

 وضحك بصورة آلية دفعت سيلڤيا للضحك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل من رواية غير منشورة للكاتب مروان الغفوري.