رجل.. ومشروع "الأمة"

Blogs- حسن البنا
"زرت هذا الأسبوع رجلا قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه.."(1)، هكذا خمن خبير بمصائر الشرق الإسلامي الذي ابتلي بمصائب كثيرة، إلا أن أخطرها وأشدها وأضرها كانت هي "فُرقته" وتشتته، وتطاحن أحزابه وجماعاته، وتنافر أفراده وقادته، ونار مستعرة من الأحقاد والضغائن التي يؤزها الاستعمار الخارجي وأعوانه، ويتولى الكبراء والمترفون إثمها فيزداد جمرها اشتعالا، ويحرق كل "صيحة" توشك أن تكون أملا..
 
فلما أطل ذلك "البنّاء" الحسن تطاولت إليه الأعناق، وخضعت له الأسماع، ودانت له الرقاب والأفئدة، وانتبه الشرق أو كاد من "غفلته" التي عمت الأقطار، وأفاق أو أوشك من رقدته التي طالت وعمرت الأمصار، وتآلفت القلوب رويدا رويدا تعيد مناقب السابقين الذين اقتسموا الأقوات والأوقات، وتجددت في ذلك الشرق الخامل النائم العزائمُ والعزمات، وتوثب ينال المعالي والنيرات، واهتدى إلى سر "قوته" التي عراها الذبول والفوات، واستحالت المجالس والأندية إلى نشيد واحد يتردد في صداها صوت الأمجاد الخاليات، وبعث جيل جديد فيه ألطاف ولطائف الأسلاف، وبين يديه وثبة الأحرار الذين نفضوا أغلال اليأس، وسكنوا إلى إخبات وخشوع الأوابين، وأحيوا فروسية النهار ورهبانية الليل، وارتفعت مآذن ومنابر الحق والخير في كل ساحة وكل مسجد، وكان عمود هذه الخيمة المرفوعة هو "الأخوة" بجلالها وجمالها، وسرها وسرائرها، وصدقها وصدقاتها، وحبها وعتابها، وحقها وحقائقها..

كان حسن البنا هادئ الطبع رضيّ الخلق، صادق الإيمان طلق اللسان، آتاه الله قدرة عجيبة على الإقناع، وطاقة نادرة على توضيح الغامضات وحلّ المعقّدات والتوفيق بين المختلفين
وبدا أمام أعين الناس وهم يشهدون "المكارم" والفضائل في أبنائهم وبناتهم كأنما اهتدوا إلى "لغز" استمرت الأجيال مشدوهة لا تحير له جوابا.. واهتدى إليه هذا "الشاب" الذي لما يتجاوز عقده الثاني.. وتهامس الناس في إعجاب؛ يا له من "بَنَّاء" ملهم يؤلف بين النفوس التي ظلت ردحا من الزمن تتعارك ويسب بعضها بعضا من أجل "التوافه" التي نخرت قوتها وأنفاسها، بعضها تهلكه مناوشات "السياسة" وسبابها وطيشها وأطماعها، وبعضها تشغله "فروع" الفقه ووقائع التاريخ التي لا تنتهي فهم يمدون أزمنة الحروب التي ملأت بطون الكتب والمخطوطات.. فأحال معظمه إلى برد وسكينة وسلامة صدور ترتفع وتعلوا عند أتباعه ومحبيه.. بل وشانئيه ومبغضيه..
 
أما أعمال هذا "الرجل" فهي ماثلة حية تزداد وتكبر.. ثم هي كشأن كل عمل "بشري" فيها نقص البشر وعجلتهم ونفاذ "صبرهم" وقلة حيلتهم أمام الدواهي.. ذلك شأن تداويه الأيام ويعالجه الزمن، وترقعه المحن والمنح، ويختلف فيه الناس شرقا وغربا اختلاف "أهواء" مرات.. واختلاف "صدق" ومحبة مرات وكرات.. ذلك كله هين، ضرره قليل، وأثره ضئيل..
 
وأما "صخرة" الرجل الصلبة الصلدة التي يراد لها أن تهد وتهدم.. فهي "فكرته" التي عاينها ببصيرة، وشاهدها عن دراية، وتمناها عن ثقة ويقين، وأملها في عقبه وورثته صادقا متجردا، ورضي من أجلها أن يسفح "دمه" غزيرا مدرارا.. تلك فكرة الأمة الموحدة المجتمعة القوية التي تبرم أمرها بنفسها، وتقضي مصالحها مستقلة عن أعدائها، ويحتمي أبناؤها بأرحام بعضهم نكاية في تحريش خصومها وتحريضهم، سيدة في سلمها وحربها، منيعة في حدها وحدودها، باسطة خيرها وعدلها بسلطان السيف والقرآن، وتقسم أرزاقها بميزان لا يميل، وتأكل طعامها وتلبس كساءها وتشرب ماءها بأنفة وحمية ما دامت تعجنه بأيديها وتخيطه بأناملها وتستقيه بسواعدها..
  
undefined
 
ذلك هو مشروع "الرجل القرآني" الذي فارق سريعا، وقضى عاجلا، فقد "كان لا بد أن يموت هذا الرجل.. الذي صنع التاريخ وحول مجرى الطريق شهيدا.. كما مات عمر وعلي والحسين.. فقد كان الرجل يقتفي خطواتهم.. مات في عمر الزهر النضير.. قضى وهو يسطع ويتألق.. وعاش الرجل كل لحظة من حياته، بعد أن عجزت كل وسائل الإغراء في تحويله عن نقاء الفكرة وسلامة الهدف..".(2)
 
كان حسن البنا "هادئ الطبع رضيّ الخلق، صادق الإيمان طلق اللسان، آتاه الله قدرة عجيبة على الإقناع، وطاقة نادرة على توضيح الغامضات وحلّ المعقّدات والتوفيق بين المختلفين"(3) وهذه هي عصارة المناقب التي أهلت شابا فوق العشرين بقليل ليكون "عزمة" من عزمات الدهر فريدة، وشعلة أوقدت في تراث الأمة المسلوبة نارا جديدة، وربط إليه القلوب التي طالما تنافرت تحت وطأة الزعامات الدينية والسياسية برباط التآلف الذي هدى إليه الكتاب الخالد، وأبصرت الدنيا عيانا صور الإخاء كما نقلها الرواة عن الجيل الأول نضارة وبهاء وحبا، غرس الرجل جميع ذلك بيقين المؤمن، وتعهده بمهارة القائد، وسقاه برحمة المربي، وألقاه بين أيدي الورثة الأمناء، ثم قضى إلى ربه تزفه أعراس الشهادة مضمخا بجلائل الأعمال، تحفه وتزينه البشارات، وتلهج الألسنة من خلفه بالثناء الباقي: وجبت، وجبت..
 
من كان ذا صلة بهذا "الرجل" فليتم بناءه السديد الذي بدأه بنفس عالية، وهمة تناطح السحاب، وتجرد يرتفع فوق كل لذة، وليكن أمينا لتلك "التضحيات" التي جاد بها الباني الأول وأتباعه.. فذلك هو بعض "الوفاء" لهذا الشجرة الطيبة المباركة..
______________________________________________
الهوامش:
(1) (2) الرجل القرآني – روبير جاكسون
(3) ذكريات – علي الطنطاوي